رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السادس من أكتوبر.. اليوم العظيم

يهل علينا يوم السادس من أكتوبر، من كل عام، حاملاً معه أجمل ذكرى لانتصار العسكرية المصرية فى العصر الحديث، تستعيد مع القوات المسلحة المصرية، وشعب مصر بأكمله، ذكريات العزة والفخر والكرامة والاستبسال.

لن أنتظر لبعد غد، السبت، لأستعيد، بكل دقة، تفاصيل يوم السادس من أكتوبر 73، فتلك التفاصيل لم تفارقنى يوماً، وكأنها كانت بالأمس القريب، عندما دخلنا غرفة العمليات فى الصباح، وكل من بداخلها على علم بأن اليوم، هو يوم الهجوم، واقتحام قناة السويس... وبدأت البلاغات الأولى تتوالى، من استلام المهمة للقادة بتوقيت الهجوم، وتمام استعداد مجموعة المدمرات والغواصات فى البحر الأحمر، لتنفيذ مهمة إغلاق مضيق باب المندب، أمام الملاحة الإسرائيلية.

وفى تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، رفعنا خرائط التدريب من على حوائط مركز العمليات، لنضع خرائط الخطة جرانيت، لاقتحام قناة السويس، وتدمير خط بارليف، وتكوين رأس كوبرى بعمق 15 كم شرق قناة السويس. وفى الواحدة ظهراً، وقبل بدء الهجوم، حضر الرئيس محمد أنور السادات، إلى غرفة العمليات، يتبعه جنود يحملون الشطائر والعصائر، ليبلغنا بأن فضيلة مفتى الديار المصرية قد أباح لنا، نحن المقاتلين على الجبهة، الإفطار فى رمضان. وبدأ الجنود فى توزيع الشطائر والعصائر، والحقيقة أن الجميع وضعوها فى الأدراج، فمن منا يهتم بطعام أو شراب فى تلك اللحظات الحاسمة من عمر الوطن.

وبدأ العد التنازلى لشن الحرب، وتلقينا البلاغات بوصول قوات خلف الخطوط، التى اندفعت فى عمق سيناء، لإبلاغنا عن تحرك احتياطيات الجانب الإسرائيلي، وما هى إلا دقائق حتى انطلقت قواتنا الجوية فى ضربتها الأولى، معلنة بدء الهجوم، ورأينا على شاشات مركز العمليات، طائراتنا الحربية تعبر القناة، فتيقنا حينها أن المعركة قد بدأت، بعد سنوات وسنوات من الانتظار... وبدأت البلاغات تتوالى بسقوط نقط خط بارليف... وعبور موجات الاقتحام الأولى وفقاً لخطة التوجيه 41، التى أعدها الفريق سعد الدين الشاذلي.

وبعد نحو ساعة من انتهاء الضربة الجوية الأولى، وإذ نحن منهمكون فى تجميع بيانات أعمال القتال، إذا بالفريق الجمسى يهب من مكانه، فى اتجاه الفريق الشاذلي، هامساً فى أذنه ببعض الكلمات، قبل أن يتوجها، معاً، إلى المشير أحمد إسماعيل، ليستكملوا همساتهم معه... والحقيقة أننى تعجبت، فلا أرى أمامى ما يستدعى الهمس، أو إبلاغ المشير إسماعيل بأمر ما، فالخطة تسير على أكمل وجه... وخسائرنا أقل من المتوقع فى تلك اللحظة. ثم رأيت المشير أحمد إسماعيل يستأذن الرئيس السادات فى التحدث معه فى أمر خاص، وخرج الاثنان من الغرفة، إلى غرفة ملحقة، وما هى إلا دقائق معدودة حتى عادا معاً إلى غرفة العمليات...

عرفت، فيما بعد، أن المشير إسماعيل كان يبلغ الرئيس السادات بخبر استشهاد شقيقه، أثناء الضربة الجوية، خاصة لعلمه بارتباط الرئيس السادات بشقيقه، الذى كان الأصغر والأقرب له بين إخوته... وعلمت بعدها أن الرئيس السادات تلقى الخبر فى قمة الهدوء والثبات، قائلاً كل الجنود والضباط أبنائى وإخوتي، وهو واحد منهم... لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بميعاد. ثم عاد لغرفة العمليات، ليطمئن على سير العملية، قبل أن يتوجه للقاء الأستاذ محمد حسنين هيكل، والسفير السوفيتي.

ومازلت أتذكر أن أجمل خبر أسعدنى يوم السادس من أكتوبر 73، هو التقاط المخابرات الحربية المصرية، إشارة لاسلكية موجهة من قائد القوات الجوية الإسرائيلية، لجميع الطيارين الإسرائيليين، بمنع الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كم، بعدما شاهد كثافة حائط الصواريخ المصري، على شاشة الرادار الإسرائيلي. أرسل تلك الرسالة دون تشفير، غير عابئ بالتقاطنا لها، أمام محاولة إنقاذ قواته... ساعتها تيقنت أن الهجوم المصرى سوف ينجح، وأن قواتنا البرية سوف تعبر القناة، وتقتحم خط بارليف، بعدما تمكنت من شل حركة القوات الجوية الإسرائيلية، وتحييد قدرتها على التدخل فى هذه العملية... فكان لرجال الدفاع الجوى المصرى فضل عظيم وكبير، فى تحقيق النصر فى ملحمة أكتوبر 73.

بعد الحرب مباشرة، وانتصار قواتنا المسلحة فيها، توجهت للدراسة فى كلية كمبرلى الملكية فى إنجلترا، وبفضل من الله، وبفضل ذلك الانتصار المجيد، مكثت عاماً كاملاً وأنا ضابط متوج بتاج النصر، يشار إليه بالبنان، بأنه أحد أفراد القوات المسلحة المصرية، التى قلبت موازين القوى، بما حققته فى حرب أكتوبر 73... ولم يحدث أن مرت محاضرة، إلا وكان السؤال فى نهايتها، عن كيفية تحقيق المصريين لذلك النصر، مستخدمين مبادئ جديدة فى هذه الحرب، من ابتكارهم؟ خاصة أن مصر وإسرائيل هما الدولتان الوحيدتان اللتان خاضتا حرباً حديثة متكاملة، منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد منحنى ذلك الانتصار، وانتمائى للقوات المسلحة المصرية، أن أشارك فى ندوات ذات طابع سرى للغاية، للجيش البريطاني، حول تطوير الفكر القتالي، بعد حرب الشرق الأوسط، وكانت أهمها تطوير سياسة الدفاع المضادة للدبابات، فى مسرح عمليات غرب أوروبا، أيام الصراع بين حلف وارسو، وحلف الناتو، وكل ذلك بسبب تلك الحرب التى قدم فيها الجيش المصرى أساليب ومفاهيم جديدة فى فنون القتال، لم تكن معروفة من قبل، وابتكرها الجيش المصرى ليتغلب على مصاعب خط بارليف، ذلك المانع الذى اعتبره البعض أكبر مانع مائى فى التاريخ، وأقوى خط دفاعي.

وأذكر أنه بعد انتصار مصر فى حرب أكتوبر 73، غيرت معظم دول العالم، من تفاصيل عقائدها العسكرية، بناء على ما فعله المصريون فى حرب أكتوبر، سواء على مستوى القوات البحرية أو الجوية أو الدفاع الجوى أو حتى فى أساليب قتال القوات البرية... أقول هذا ليفخر كل مصرى بأداء القوات المسلحة المصرية، فى هذه الحرب، التى سجلت فى صفحات التاريخ الحديث، كأعظم المعارك العسكرية.

[email protected]


لمزيد من مقالات ◀ د. سمير فرج

رابط دائم: