رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذاكرة الممسوحة

ربما لا يعرف كثير من المصريين حكاية النوتة، وأصلها أنها كانت مجموعة الأوراق الخالية التي كان يسجل فيها الدائن - الذي هو البقال - ثمن المواد الاستهلاكية من سكر وزيت وأرز وجبن وخلافه، التي أخذها المدين - أي المواطن المتعامل مع البقالة - ولم يستطع سداد ثمنها فورًا، ولذلك يتم التسجيل للتذكرة بالتاريخ وبالمبلغ.. وإذا زاد الأمر عن حده جاء التحذير للابن حامل النوتة: قل لأبيك.. النوتة ثقلت! وكان بعض البقالين يرفعون لافتة من ورق الكارتون مكتوبًا عليها بخط متواضع: ممنوع الشكك أو اليوم نقدًا وغدًا شكك.. وقد وجدت في معجم المعاني الجامع ما نصه: شكَّك الرجل: أوقعه في الشك والارتياب وشكَّك البائع الزبون: أعطاه السلعة بالأجل!

ولأن السبت المقبل هو يوم مرور 45 عامًا على بدء حرب أكتوبر عام 1973، التي حققت النصر الخالد ضد العدو الصهيوني، فإنني أود أن أذكِّر الكافة عمومًا، والرأسماليين المصريين خاصة، ومعهم طواقم المتعاونين والخدم، ممن نذروا خستهم لمزيد من الانتقام من غلابة الوطن ومن دور جيش مصر، إن لغلابة مصر من الجموع العريضة في الأرياف والبوادي والأحياء الشعبية، ولجيش مصر عشرات إن لم يكن مئات الصفحات في النوتة التي تسجل الديون القائمة في عنق البلد!

وأبدأ بحكاية سريعة عابرة، حدثت معي إذ كنت في أحد النوادي الاجتماعية، وهو مملوك لأحد كبار الرأسماليين المصريين، وبينما كنت أمر بجوار مجموعة من كبار الرأسماليين فاجأني أحدهم بالقول في لهجة تحمل الود والجد معا: على فكرة.. أنا أحب زعيمك خاصة في البعد العربي من أفكاره وسياساته ولكن الحقيقة أنه ضيع البلد بسبب البلوشي الذي اعتمده في التعليم والصحة وغيرهما.. يعني حكاية مجانية التعليم.. والصحة.. وتدبير العمل للخريجين.. وغيره.. وفوجئت أن البقية من الواقفين معه يؤمنون على كلامه، ومنهم نجل أحد أساتذتنا الكبار في الصحافة والفكر وهو من ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بعبد الناصر! ومن فوري رددت متسائلا: هل كان يمكن لحضراتكم أن تنشئوا رأسماليتكم بغير وجود قناة السويس.. وبغير وجود شبكة الري الرهيبة التي تمتد رياحاتها وترعها الكبيرة والصغيرة مئات الكيلومترات شمالًا وجنوبًا؟!

وردوا بأنه كان مستحيلًا وجود رأسمالية بدون القناة وشبكة الري.. ولكنهم تساءلوا عن العلاقة بين مجانية ناصر.. وبين هذا الكلام! وقلت إن الذي حفر القناة ومعها مئات الكيلومترات من القنوات المائية وباستخدام العضلات بالفئوس والكواريك والغلقان.. يعني بدون كراكات وبلدوزرات.. هم الفلاحون المصريون.. وكان ذلك كله مجانًا وبالسخرة وبالكرباج.. يعني بلوشي فإذا أضفنا إنشاء السكك الحديدية وقد تم بالطريقة نفسها، لأدركنا حجم ما في النوتة المصرية من ديون شكك منحها الغلابة للوطن وللمستفيدين الذين راكموا أموالهم!

وبالدرجة نفسها فإن جنود مصر، الذين هم في غالبيتهم من أبناء الفلاحين والعمال والشرائح الوسطى، قدموا ما لا يمكن تقويمه بأموال الدنيا كلها، وهو العرق والجهد والأرواح في الدفاع عن وطنهم تارة، وفي مواجهة المخاطر- خاصة الإرهاب- تارة أخرى.. كما أنهم هم الذين في كل أزمة أو محنة أو معضلة إذا ناداهم الوطن قالوا لبيك.. نحن لها! والأمثلة بالعشرات في حالات الكوارث الطبيعية، وأزمات الأكل والشرب والخدمات وغيرها!

ثم إنني وبغير أدنى اعتراض على ما حدث في الجونة من مظاهر رآها البعض خارجة، كنت أراقب الاحتفال والبهجة والفرفشة، وأذهب بتفكيري- ومن فوري- إلى أن ذلك كان مستحيلًا أن يحدث لولا ما قدمه ويقدمه جند مصر من جهد وبطولة لمواجهة الإرهاب في سيناء وفي الوادي من جنوبه إلى شماله وفي الصحراء الغربية!

في ذكرى حرب أكتوبر وفي سياق العطاء الوطني العظيم نذكر شهداءنا أولًا، ونذكر الأبطال الذين خاضوا حرب الاستنزاف، ومن قبلها صنعوا البطولات الجبارة في رأس العش والجزيرة الخضراء وبور فؤاد وفي إيلات وأغرقوا أكبر مدمرة للعدو، ثم كان الاستنزاف الذي مثّل المقدمة الحقيقية لأكتوبر العظيم.. ونذكر مئات الألوف الذين ظلوا في الخنادق يبذلون العرق والجهد للتدريب، ثم انطلقوا ليدمروا خط بارليف.. ونذكر اللواء باقي زكي يوسف صاحب الاقتراح العبقري بتدمير بارليف بطلمبات المياه! وإذا فتحت باب تسجيل الأسماء التي تستحق أن تقام لها تماثيل في كل أرجاء المحروسة فلن تكفي مجلدات بأكملها!

نوتة الوطن تقول لكل من يريد أن يكون الفقر والعوز والبؤس والجهل إرثًا، ويكون الغنى والتخمة والفرفشة والتعليم إرثًا لآخرين؛ إن ما أنتم فيه من ثروات بصرف النظر عن أصلها وفصلها ومصادرها لم يكن لكم أن تقتنوه لولا مئات الألوف الذين بذلوا أرواحهم وعرقهم في تأسيس أصول نهضة المحروسة.


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: