رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة - يكتبه: أحمد البرى
نشوة الانتقام!

قد تستغرب رسالتى التى أكتبها إليك بعد سنوات من العذاب الأليم الذى لاحقنى أينما كنت، ومازلت أتجرع مرارته حتى الآن، فأنا رجل فى الخامسة والستين من عمرى، نشأت فى أسرة صعيدية، وتزوجت منذ خمسة وثلاثين عاما فتاة تعمل إدارية بإحدى المصالح الحكومية، وأنجبت منها ولدين، وحصل الأكبر على بكالوريوس تجارة «انجليزى»، ويعمل فى أحد البنوك، ومازال الثانى طالبا فى كلية مرموقة، وبعد تخرج الأكبر فى كليته عرضت عليه الزواج من ابنة خالته، لما تتصف به من الخصال الجميلة، فهى واحدة منّا، ومؤدبة ومحترمة، لكنه رفض تماما، فتدخلت والدته فى الموضوع، وقالت إنها تعرف فتاة فى السنة النهائية بكلية الصيدلة، وهى جميلة، وأنها سوف تعجبه، ففرحت جدا أنه سيجد من تناسبه، إذ لا أبغى سوى سعادته واستقراره، وشددنا الرحال إلى أسرتها، وعندما فاتحت زوجتى والدتها فى خطبة ابنتها لابننا، ردّت عليها بأنها سوف تتيح الفرصة لهما للجلوس معا بعض الوقت من أجل التعارف، وبالفعل دخلا معا إلى حجرة مجاورة للحجرة التى كنا نجلس فيها، وجاء الرد بالموافقة، وانتشر الخبر فى قريتنا، وجاءنى الكثيرون ونصحونى بالبعد عن هذه الفتاة وأمها لما هو معروف عنهما من الكذب والخداع وسوء الطباع، ومع أنى أدرك أنه يجب البعد عن الشبهات، فإننى لم أعر هذا الكلام اهتماما، إذ لا يوجد دليل عليه، ومضينا فى إتمام الزيجة، وذهب ابنى مع الفتاة وأهلها لشراء الشبكة، واختاروا ما أرادوا، وأبلغونى بما استقروا عليه، فأثنيت على ما اشتروه، وأضفت إليه أسورة ذهبية أخرى.

وبدأنا الاستعداد للزفاف، وذهبت مع والدها إلى دمياط لشراء الأثاث، وكنا نستقل سيارة نقل ملك لوالد العروس، ودفعت ثمن «العفش» كله، ثم فوجئت به بعد عودتنا يطلب أجرة سيارته التى نقلت «عفش» ابنته، فأرسلتها إليه، وأنا فى ذهول من الموقف، وقبل أن أفق من الصدمة التى سببها لى موقفه الغريب، والذى لا يصدقه عقل، حدث موقف آخر، فمن عادة أهل القرى تقديم هدية من أهل العروس إلى أهل العريس، وجاءنا والدها بكل برود، وقال إنه اشترى لنا «خروفا»، فهل يحضره أم لا؟، وهنا ردت عليه زوجتى بأننا لسنا فى حاجة إليه، فاستند إلى هذه الكلمة، وقال: شكرا!.. وهكذا كان كل شئ غريبا، ولكنى لم أنطق بكلمة واحدة، وأقمت لإبنى حفل زفاف حضره أهل القرية والقرى المجاورة، وسمعت وقتها تعليقات لاذعة من بعض المدعوين بأن هذه الزيجة فاشلة، وأننا سندرك ذلك قريبا!

وبسرعة البرق، أنجبت زوجة ابنى طفلهما الأول، فاعتبرته ابنى الثالث وليس حفيدى، وذات يوم فوجئت بها تركب سيارة مع أحد الأشخاص، فسألتها: من هذا الشخص؟، فردّت علىّ بأنه زميلها فى العمل، وذكرت لى اسمه، فنبهت عليها أمام زوجتى ألا تركب مع أحد سيارته أبدا، وفى اليوم التالى، ذهبت إلى مقر عملها، وسألت عن زميلها الذى قالت أنه أوصلها بسيارته، فقال لى زملاؤهما: إنه سافر إلى الأراضى المقدسة لأداء العمرة منذ عشرة أيام، فعرفت أنها كذابة، ولم تقل الحقيقة مما أثار داخلى الشكوك فيها، إلى جانب ما بدر من أمها من كلام وعبارات لا يصح ذكرها، وكلها تتنافى مع الأخلاق والسلوك الحسن، ولم أرتح إلى قيام زوجتى بخدمة زوجة ابنها، فالعكس هو ما يجب أن يكون، ولذلك ثرت عليها، وقلت لها: «يجب أن تستقل زوجة ابنك فى مكان منفصل عنا، لأننى لا أريد رؤيتها فى منزلى، بمعنى أن يخرج ابننا وزوجته من البيت، ولم يعجب كلامى زوجتى، وانضمّ الاثنان إليها بالطبع، واندلعت «حرب كلامية» بيننا، ووجّهت إلىّ زوجة ابنى كلاما لا يقبله أحد، ومنه أننى «غير محترم»، بل إنها طلبت منى أن أطلق «حماتها»، والغريب أن زوجتى لم تعلق على طلبها، ووقفت تتفرج عليها، وهى تصيح فى وجهى بهذه البذاءات، ولم يحرّك ابنى ساكنا، ولم أتحمّل هذا الوضع المهين من أقرب الناس لى، فتركت شقتى، ونزلت إلى الدور الأول بمنزلى، وأقمت فيه، ولم يسأل أحد عنى، ولا عن طعامى وشرابى وملابسى، حتى ابنى الأصغر انضم إليهم.

وبعد فترة جاء أشقاء زوجتى، ومكثوا ثلاثة أيام لدينا، ولم يتحدثوا معى فى شىء، إذ قال لهم إبنى الأكبر: «لا تتحدثوا مع هذا الرجل.. إنه مجنون»، ولم أتمالك نفسى، فطردتهم، وعادوا من حيث أتوا دون أن يعرفوا حقيقة «الزعل» بينى وبين زوجتى، وبعدها ذهبوا إلى شقيقى، فتدخّل بيننا، وانتهينا بعد نقاش حاد، وكلام لا يصح قوله، إلى حل وسط بألا تدخل زوجة ابنى شقتى، ولكن إذا أرادت زوجتى أن تزورهم فلها الحرية، ولم يمض يوم واحد حتى وجدت حديث زوجتى غريبا فى كل شئ، لدرجة أنها قالت عن أختها الأرملة مثلا إنها لا ترتدى سوى الملابس الداخلية السوداء، فحتى أختها لم تسلم من لسانها، والتغيرات التى طرأت عليها منذ معرفتها بأسرة زوجة إبنى!، وحدث أن قلت لإبنى فى حضور عمه أن زوجته عادت إلى المنزل منذ أيام فى الثالثة فجرا، فثار ضدى، وهنا صممّت على أن يبحث عن شقة له ولأسرته خارج منزلى، فأخذ عفشى وهرب هو وأمه وزوجته، وقال لأحد أصحابى إننى إذا كنت أريد عودة أمه، فعلىّ أن أكتب لها شقة باسمها، وألا أتدخل فى أى أمر يخصهم، هو وهى وزوجته، فرفضت تماما، وصارت حكايتنا حديث الناس، ولا أدرى كيف انساقت زوجتى وراءهم، وخانت «العيش والملح».. لقد قررت منذ تلك اللحظة أن تكون لى حياة أخرى، فتزوجت فتاة من أسرة عريقة، وصغيرة فى السن، وجميلة، وأنجبت ولدا رائعا، وأتمنى من الله أن يعوضنى عما واجهته من متاعب، وأقول لإبنى الأكبر: «عش مع قلة الأدب، والكذابين والنصابين و....».. لقد بذلت أقصى جهدى لإصلاح أحوالهم، ولكن دون جدوى، وهناك تفاصيل كثيرة لم أسردها، وكلها تؤكد أن هؤلاء الناس لم نكن نعرفهم على حقيقتهم، وأن أهالى القرية الذين حذرونا من زواج ابنى من ابنة تلك السيدة، كانوا على حق، وقد ساهمت بصمتى فى الإقدام على هذه الزيجة، ولكن متى يعى إبنى وأمه ما تلوكه الألسنة، وما هو موجود فى ممارسات أهل زوجته اليومية من خروج على المألوف من عادات وتقاليد، وما ترتكبه هى وأمها من أخطاء، وقد علم بها قبل زواجه منها، لكنه لم يفكر فى التحرى عنها، ومن بينها الوقائع التى ذكرتها له، وبالتأكيد هناك غيرها الكثير؟.

إننى لم أتصور حتى الآن أن يتصرف ابنى وأمه معى بهذه الطريقة، فلقد هددنى بأنه سيشكونى فى القضاء باتهامات باطلة، وأظنهما قد وقعا تحت تأثير أعمال سحرية من زوجته وأمها، ولذلك لجأت إلى إحدى المطابع، ووجهت إليهما رسالة مطبوعة وبها بعض الآيات القرآنية، عسى أن يراجعا نفسيهما عما فعلاه، إذ أخشى على إبنى من عقاب الله بعد كل ما فعله بى من تنكيل، واتهامات باطلة، وبرغم أننى أعيش حياة مستقرة مع زوجتى الثانية وابنى منها، فإننى أخشى على ابنىّ من مطلقتى لعقوقهما لى، وأحذرهما من عقاب الله، وأرجو أن يعى الجميع الدرس عند تزويج أبنائهم، فيحرصون على اختيار الصالحين والصالحات، حتى لا يقعوا فيما وقعنا فيه، ولا حول ولا وقوة إلا بالله.

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

فى الحقيقة هناك تناقض شديد بين موقفك من زوجة ابنك، وموقفه هو وأمه منها، فلقد بنيت كل ما علق بذهنك من وساوس تجاهها على كلام المحيطين بك، من أن سمعة أسرتها تلوكها الألسنة، وسقت دليلا على ذلك بأن من أوصلها إلى المنزل ذات مرة، ليس هو زميلها الذى أخبرتك به، وحتى بعد كل ما جرى، وانفصالك عن زوجتك وبعدك عن ابنيك وزواجك بأخرى صغيرة فى السن، مازلت تتابع زوجة ابنك، فتقول إنها عادت إلى المنزل فى الثالثة فجرا، وهذه الشواهد ليست دليلا على سوء السلوك والخيانة، وإلا فإن ابنك وأمه كانا أول المعترضين على صنيعها، فليس هناك من يرضى أن تأتى زوجته تصرفا غير مبرر، ولا حماتها بالطبع تقبل ذلك.. هذا هو العرف السائد، والذى يأخذ به الجميع، وهم مرتاحو الضمير.

وأغلب ظنى أنك وقعت تحت تأثير ما فعله أبوها الذى طلب منك أجرة توصيل أثاث ابنته بسيارته، ثم تجاهله إرسال هدية العروس المتعارف عليها، وهى أمور صغيرة كان يجب ألا تقف عندها مادمت قد اتممت زيجة ابنك، ولا يعقل أن تذكّرهم بها كل فترة، وأن يصل بك الأمر إلى حد أن تطبع رسالة موجهة إلى إبنك فى صفحة تتصدر كتيبا يضم بعض السور والآيات القرآنية، ولا أدرى كيف وافق صاحب المطبعة على ذلك؟.. لقد استوقفتنى كلماتك التى قلت فيها بالحرف الواحد: «ابنى الأكبر (الفاجر، العاق، الفاسق) تصرف معى كالآتى: قال إننى جرسى وفضحى، وسمح لزوجته بتوجيه أفظع الشتائم عنى وعن أهلى.. قال إنه سيشكونى إلى النيابة العامة، وحرمنى من أولاده، وسرقنى وهرب وخرّب بيتى، وكذّبنى وصدّق حماته.. وأرجو أن يحلفها اليمين.. وأراد أن أكتب شقة باسم أمه، وأنه ليس لى دخل فيمن يدخل أو يخرج عندها.. إدعوا معى أن يفرّج الله كربه، وما به من سحر فى هذه الأيام الكريمة»، وأعدت قراءتها، ولم أجد مبررا لذلك، فهل طبعت هذا الكتيب لتوزعه على الناس؟، وهل هذا من الدين فى شئ؟، فلو أن كل الصفات السيئة فى أولادك وزوجة ابنك، لا يحق أن تشوه صورتهم، وتجعل سيرتكم على كل لسان.. إنك تفضح نفسك ـ ياسيدى ـ بل إن الكثيرين من المحيطين بك، لو علموا ما أقدمت عليه من خطوات فى شأن علاقتك بأسرتك على هذا النحو، لأكدوا أن طريقة تفكيرك قد طرأ عليها شىء ما خطأ، وأنه حدث خلل فى قواك العقلية.. نعم هذه هى الحقيقة التى لا تدركها، فتوقف عن التصعيد معهم، وخذ بالتسامح، فهو من أسمى الصفات التى أمرنا بها الله عزّ وجلّ ورسولنا الكريم، بمعنى العفو عند المقدرة، والتجاوز عن أخطاء الآخرين، والتماس الأعذار لهم، والنظر إلى مزاياهم وحسناتهم بدلاً من التركيز على عيوبهم وأخطائهم، فالحياة قصيرة، وهى تمضى دون توقف، ولا داعى لأن نحمل الكُره والحقد بداخلنا، بل علينا أن نملأها حبا وتسامحا وأملا حتى نكون مطمئنين، مرتاحى البال، وفى ذلك يقول تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»( الأعراف199).

وأشعر أنك تعيش «نشوة الانتقام» من كل من حولك، لكن من يفعل ذلك يتعذب هو أيضا، فالمرء فى سعيه للانتقام يحفر قبرين أحدهما لنفسه، ولو تسامح مع الآخرين، فإنه يرى نور الله فى كل من حوله مهما يكن سلوكهم معه، وهو أقوى علاج على الإطلاق.

إن الذات السلبية فى الإنسان هى التى تغضب، وتأخذ بالثأر وتعاقب، بينما الطبيعة الحقيقية للإنسان هى النقاء وسماحة النفس والصفاء، وقد يرى البعض أن التسامح انكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج إلى قوة أكبر من الانتقام، وأن الصمت أقوى من أى كلام، فالنفوس الكبيرة وحدها هى التى تعرف طريق التسامح.

ودعوتى إلى العفو تنصرف أيضا إلى مطلقتك وابنيك وزوجة ابنك الأكبر، فمن يعفو عن المسىء، فإن له البشرى بالعز فى الدنيا والآخرة ، تحقيقاً لقول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً»، ومن ذلك قوله تعالى: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران133و134)، وبهذا الأمر تتبين قوة ومهابة العافى عن المسىء.

إنك لن تستطيع إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، بعد كل ما حدث، ولكن من الممكن أن تبنوا معا جسرا من التواصل، فى إطار من الاحترام المتبادل، بشرط أن تتخلى عن التربص بزوجة ابنك وأمها، ومطلقتك وابنيك، وعليك أن تسعى إلى علاقة طيبة بينهم وبين زوجتك الحالية وابنك منها، فالقطيعة بينهم سيكون مردودها خطيرا فى المستقبل، ولن يعرف الأخوة بعضهم، وسيعيش كل منهم بعيدا عن الآخرين، فأعد النظر فى فلسفتك المتعلقة بأسرتك، وزن الأمور بموضوعية، واستعن بشقيقك فى رأب الصدع، وليتحمّل كل واحد مسئوليته، وعلى إبنك الأكبر أن يتعامل معك بما أمر به الله تعالى من بر الوالدين، والإحسان إليهما، ومصاحبتهما فى الدنيا بالمعروف.. أسأل الله لكم الهداية والتوفيق والسداد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق