رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

زواج معز مسعود وشيرى عادل من علامات الزمن!

لا أنسى أبدا فى ذكرى وفاة الفنان الراحل (نجيب الريحاني) الخمسين أن قامت القنوات الإعلامية بإحياء ذكراه، فلا أحد ينكر قامته الفنية، وأثرها النفسى والاجتماعى الممتد من زمنه وحتى الآن، إلا أن ما أثار الدهشة أن مندوب أحد المواقع الإلكترونية، لم يجد أحدا من المقربين للفنان الراحل ليعطيه معلومات مميزة عن الفنان الراحل، بعد أن تمت تغطية كل تفاصيل وحواشى المسيرة الفنية والاجتماعية والشخصية لهذا الرائد المبدع، فما كان منه إلا أن ذهب إلى مقبرته ليعرف من حارسها من يزوره، وتطرق إلى كشف حال الهيكل العظمى وما بقى منه! إلى هذا الحد وصل الهوس بالتعلق بالأفراد المخلصين، لا يميز بين ما إذا كانوا على قيد الحياة أو أصبحوا ذكرى تاريخية! ولا يعبر هذا المثال الصارخ إلا عن حاجة الإنسان إلى الانتماء للوطن والتاريخ والجغرافيا خاصة عند شيوع عدم الاستقرار الاجتماعى المرتبط بالمسيرة الاقتصادية والسياسية.

يحتاج الناس إلى نخبة اجتماعية يطمئن إلى حكمتها المعرفية، وتلخص وتحول المعلومات إلى طريق عملى فى الحياة، وعندما تشيع حالة عدم الثقة والاضطراب يتجه الناس إلى التاريخ القريب أو البعيد، فكلاهما يعبران عن زمن مغاير أفرز نخبته القائدة، بحكم الفلسفة السائدة للارتقاء بالشأن العام للناس وأعراض الحنين للماضى ورموزه كلها، أعراض تعبر عن أزمة اجتماعية للبحث عن هوية، وكان أبرز نتائج هذه الأزمة احتلال الدعاة الدينيين الصدارة فى قيادة الناس فكريا واجتماعيا، ووصل الأمر إلى تدخلهم فى التنظيم السياسى والاقتصادي! مما يعبر عن ضعف مؤسسات الدولة فى القيام بدورها فى تشكيل الوعى العام، بعد أن تولى الأمور موظفون غير أكفاء، فانتهى الأمر إلى تهميش الثقافة، حتى جاءت ثورة المعلومات لتزيد الأمور سوءا.

هذا الانفجار المعلوماتى أربك الناس وشوش المعرفة، فكان رد الفعل هو الاحتماء بالمعرفة المضمونة، التى لا يأتيها الباطل، فأقبلوا على الدعاة باعتبارهم أصحاب علم لا يفنى ولا يتغير، وظنوا أن ذلك يحميهم من الطوفان المعلوماتي، الذى لا قبل لهم بتحويله إلى مسار فكرى ناضج، فكانت المعرفة سائلة كالماء، كما يرى د. (نبيل علي) فى كتابه العقل العربى ومجتمع المعرفة ويطلق عليها من أوصاف تتصل بالماء كفيض المعرفة وسيل الأفكار والتيارات الفكرية والركود المعرفى ومنابع ومصبات وموجات وفيضانات وروافد وأوعية... كلها تصب للتعبير عن المعرفة وحتى لا يغرق الناس فى بحر بلا منارة ولا قبطان، فلجأوا إلى الدعاة للهروب من فيضان المعرفة الذى يلاحقهم بلا ربان!

النخبة الثقافية العميقة هى الربان الواعى بتشكيل مسارات فكرية تناسب بنية المجتمع، ودرجة تطوره، وطبيعة ثقافته، ليخطو إلى الأمام فى مسارات فكرية مستندة إلى علوم طبيعية وإنسانية وأنثروبولوجية محققة ومدروسة، يدخل فى صميم طبيعتها الانفتاح المعرفي، فلا ينغلق على فكرة نهائية صماء، نلقيها على الزمن والواقع، بالعنف المضاد للعقل، والعلم، والإنجاز الإبداعى فى الفنون والثقافة عموما. إلا أن هذه النخبة لم تجد وراءها لا مؤسسات للدولة تستفيد منها، وتنشر وتمارس وعيها وسط الناس فى أماكن تجمعاتهم، أو وسائل الإعلام الجماهيرية. ولا رؤوس أموال تتبنى أفكارهم لتطوير الواقع الاجتماعي، كما كان يحدث فى عصور سابقة من تبنى الأمراء والأغنياء للمواهب الفكرية والفنية، بينما كان المجال مفتوحا أمام الدعاة، من واقع اجتماعى مهيأ لاستقبال ما يلقونه عليه بلا نقد أو تفكير عقلاني، وكذلك الدعم المادى الهائل من القوى الأجنبية إقليمية وعالمية على السواء، لنشر الفكر الماضوى كما هو، بلا أى مجهود علمى أو إنتاج معرفى فى سياق علم الأديان المقارنة، وتم استدراج الناس تحت سيف المقدس، للهروب من التقييم المنهجى لأقوالهم وأفكارهم، وسلط سيف التكفير على كل اجتهاد علمى حقيقى للعلماء المخلصين، وضاعت المعرفة الدينية التى تنتمى للزمن المعاصر الذى نعيشه وسط جلبة دعاة الفضائيات وخلقت عقدة الخوف.

وكان الداعية الشاب (معز مسعود) من أبرز الدعاة فى تلك المرحلة، وليس ذنبه أن يجد المحطات الفضائية تتسابق عليه، وهو بعد فى مقتبل العمر، ولم يحظ بقسط وافر من البحث والعلم، وهو و أمثاله - فى رأيى - قد عوضوا غياب مدرس الدين والأنشطة الاجتماعية فى المدارس، فأقبل عليه الشباب كنموذج يحتذي، شكلا وموضوعا، وعرض مادته العلمية قبل نضجه وتحصيل قسط وافر من المعلومات الدينية، وإخضاعها للعمليات الذهنية الضرورية، وعندما يغير من آرائه واتجاهاته الآن يتهمه مريدوه بالتغير والتقلب، ولا ينظرون إلى مرضهم (النفس ـ اجتماعى) بالتعلق المرضى بالأشخاص كأنهم أصنام تعبد من دون الله، ويطالبونهم أن يستقروا على ما هم عليه!

وأعتبر أن زواج الداعية من فنانتنا الجميلة (شيرى عادل) ما هو إلا أكبر دليل على تطور الوعى بمعنى الألفاظ ودلالتها، فلم تعد العفة والطهارة والنقاء والورع والتدين والأخلاق ترتبط بشكل معين للمرأة، أو زى اجتماعى مفروض عليها، بل بمدى إنسانيتها وتعاطفها مع الآخرين، و(شيري) ـ حتى الآن ـ هى المعادل الموضوعى للفتاة المصرية العصرية المهذبة بمعنى الكلمة، أما المعترضون الأيديولوجيون فنتاجهم كان سفاحة سوهاج التى ترتدى ما يريدون، وتردد ما يقولون، ولكن لم يمنعها ذلك من حرق الطفل حيا داخل الفرن.. فهذا الفكر الشكلى من علامات الساعة، لعجزه عن بناء عواطف، بينما زواج (معز) من (شيري) فهو من علامات الزمن المعاصر وألف مبروك.


لمزيد من مقالات ◀ وفاء محمود

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: