رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

(أيوب المصرى) إِذْ يَبْكِى تَوَابِيتَنَا!

على حجره العتيق فى حارة مصرية قديمة يجلس (أيوب المصري)، يتابع حالة تعاطى واقعنا مع (تابوت الإسكندرية) المُكتشف قَدَراً، ولأن ذاكرة (أيوب) تأبى التجريف أو التحريف أو النسيان، تنطلق فى مداها نداءات المبدع المصرى الراحل (شادى عبد السلام)، التى استهلت رائعته السينمائية (المومياء) الساقطة من ذاكرة واقعنا، تعلو النداءات جلية المعانى (يَا مَنْ تَذّهَبْ سَوفَ تَعُودْ، يَا مَنْ تنَام سَوفَ تَصْحُو، يَا مَنْ تَمْضى سَوفَ تُبْعَثْ)، إنها النداءات التى انطلقت أملاً، من وعيٍّ مصريٍ خالص التمنى والانتماء والمقصد، دونما أى أجندات أو حسابات أو مآرب أخري، فيقول الفنان العظيم عن نداءاته ((أريد أن أعبر عن نفسى وعن مصر، أريد أن أعبر عن شخصية الإنسان المصرى الذى يستعيد أصوله التاريخية وينهض من جديد)).

(أيوب المصري) من على حَجَرِه العتيق يستقبل أخباراً منهمرة من أفواه أهل الفتوى فى علم (التوابيت المصرية القديمة)!، بعضهم يجلس على المقهى العتيق فى الحارة، والبعض الآخر يجلسون أمام كاميرات البرامج الفضائية يمارسون فعل (الفتيّ) المُسَمَّى تُجارياً (تنظير)!، وتتابع التصريحات غير الرافضة لتسويق أى شائعة بشأن التابوت (فرعونى ويعود لعصر الأسرة الثانية عشرة يحوى رُفات الإسكندر الأكبر مجرد تابوت حجرى تقليدى يخص أحد العسكريين)، فيما يؤكد أحد الخبراء غير الحاضرين فى مشهد الكشف (لا قيمة له حيث يعود للعصر البطلمي)، وينبعث صوت (أيوب) راوياً (كانْ فِيهْ مَرَّه تابوت * قَديم قَوِى ومَحْطُوطْ * قَفَلَوا عليه زَمَان * و حَكَمَوا يِعِيشْ مَا يِمُوتْ)، إنه يقين المصرى القديم قِدم الإنسانية، والقادر على أن يُجَدِدْ أسباب قوته حال توافر الإدارة الراشدة لاستنهاضها.

موجعٌ هذا التَذَكُر اللازِمْ لتقييم الواقع، ويتوجع أيوب الراوى وهو يقول (كان مَرْ مَرْ كِتير * وفَاتْ مُلُوكْ أَمَامِيرْ * طَرَاطِير* والِلِّى انْعَقَدْ مَفْرُوطْ* * كان فَرْفَطْ المُفْتُوحْ* مِنْ جِيبْنَا بَقَى بَحْبُوحْ* والسَفْح صَار مَسْمُوحْ* ولِفِينْ يِرُوحْ مَرْبُوطْ* كان حِصه لِلتَاريخ* وفِصُولْ تِجُولْ تَلْطَيخْ* مَسَاخيط تِجيب بَطارِيخْ* قَلِّبْ تِعيشْ وتِفُوتْ)، وهكذا انفرط عقد التواصل بين حضارة كانت وورثتها عقود طوال من الفساد والإفساد، أنتجت شخوصا غير قادرة على استيعاب قدر التركة الثرية التى خلفها الأجداد، وسنوات طوال من الفعل المُجَرِّف لأسباب النمو، أَهَلَت لإنتاج خَلَف قادرين على تفويت كل فرصة للفت انتباه العالم لحقيقة ميراثهم القادر على النهوض بالإنسانية كلها وليس مصر فحسب.

كان (أيوب المصري) قد تابع خلال فترات قريبة مضت، حالة استنهاض عالمية إعلامية قامت بها دول لتسويق حضورها عالمياً وإنسانياً عبر فعاليات مختلفة بداية من الانتخابات الرئاسية والأعاصير كما فعلت (أمريكا)، أو الأزمات الإنسانية كما حدث مع (أطفال الكهف) فى تايلاند، وكذا فى تسويق جوائز علمية ومهرجانات فنية ومسابقات رياضية، أو حتى فى استثمار الأزمات السياسية لإثبات السيادة وتحويل المعارضين إلى (إرهابيين) كما فعل الخليفة المُدَعى فى تركيا، حوادث مختلفة تحولت إلى منصات قفز إعلامية لجذب أنظار الإنسانية صوب أمم وحضارة وأوطان، ولا يُستثنى من هذا الحضور العالمى نموذج دولة الاحتلال الصهيونى التى أدارت إعلامياً حرائق طبيعية وأعادت تصديرها لتقول للعالم إنها حاضرة فى مشهده متجاوزة جرمها الإنسانى باغتصاب وطن.

يتنهد (أيوب المصري) تنهيدة حارة تلسع وعيه الوطني، سقط فى أيدى المصريين تابوت عمره على الأقل ألفا عام، وتاه الكشف الدال على قِدَم الحضارة، تاه بفعل إعلام يسعى إلى سبق بغير وعي، وتاه بفعل إدارة حالة أثرية بغير انفصال عن عوار البيروقراطية المتأصلة، وتاه بفعل حالة تربص قادرة على إغراق كل حقيقة فى مستنقع الشائعات، يدق (أيوب) المنادى على طبلة الوعى (كَانْ حَفْرّ كان تَنْقِيبْ* قرار يِوَدِى فـ قرار يِجِيبْ* وناس تَتَابِعْ وناس تِغِيبْ* لِجانْ فِـ لِجَانْ ولُقَاهَا نَصَيبْ* وعمَل مَعْمُول حتماً ويِصيب* ومُلوكْ الجَانْ بعتوا المنَاديبْ : تُوتْ تُوتْ تُوتْ* شِدْ حِيلَكْ يا تَابوت* إِرْخِى الأُوكَرَهْ وكُرْ البَكَرَهْ بِدْنَا نِفُوتْ* إوْعَى تِتَبِتْ أو تِتْثَبِتْ قَشَّرْ بِيضَكْ يا كَتْكُوتْ).

إن أزمة (أيوب المصري) القابض على وطنه منذ القدم، أنه يتطلع إلى إدارة تؤمن بثراء ما يملك من إرثْ، وتسعى لإعادة اكتشاف مكامن القوة فى هذا الإرث، وتعمل على تفعيل الماضى دعائم نهضة تقيل عثرات واقعنا، ومنصات قفز نحو مستقبل مدده حضارة لم تجف منابع مددها، إنه الأمل الذى يحتضنه كل (أيوب) فى مصرنا حتى لا يدفننا الواقع فى توابيت العجز، لتروى الأجيال القادمة مأساة تفريطنا قائلة (كانْ فِيهْ مَرّهْ تابوت* واللِّى دَفَنُهْ خَالد عَاش* خَلِّفْ .. خَلِّفْ شَعب طَنَاشْ* فَجَأَه بَلُّهْ بَلَلُّهْ فَـبَاشْ* والأوباش* بَاعُوا الماضي* باعوا الحاضر والمستقبل*باعوا بَلاش).


لمزيد من مقالات ◀ عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: