رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الثقب الأسود فى ثورة 23 يوليو

طالما تبلورت الحركات الجماهيرية الكبري حول الوطنية المصرية نفسها، فما يستحق الحراك من وجهة نظر المصريين هو دوما وفقط تلك القضايا الكبري التي أجمع عليها الضمير العام، من قبيل الاستقلال الوطني في مواجهة الاحتلال البريطاني، سواء الصريح أو المضمر علي نحو ما كان في ثورة 1919، وعند إلغاء معاهدة 1936م. أو من قبيل الصراع مع إسرائيل بين أربعينيات وسبعينيات القرن العشرين، مطالبة الرئيس عبد الناصر بمحاكمة القادة الفاشلين وإعادة بناء الجيش، وللرئيس السادات باتخاذ قرار الحرب وهو ما تحقق بمعركة العبور في أكتوبر 1973م. أو في سياق تحركات ثورية كبيرة علي نحو ما شهدته مصر في 25 يناير و30 يونيو.

وفي المقابل لم تتبلور تلك الحركات الجماهيرية أبدا في قوالب أيديولوجية ولم تتصارع سياسيا من داخل الفضاء المدني، اللهم إلا في الحقبة الليبرالية التي لم تكمل العقود الثلاثة، حيث التفت حول حزب الوفد، وإن لم يكن هذا الالتفاف أيديولوجيا حول فكرة ليبرالية، مثلا، قدر ما كان التفافا حول ما اعتبرته تلك الجماهير بمثابة رأس رمح الحركة الوطنية. وفي عصر يوليو تجمد الصراع الاجتماعي، وتحولت الممارسة السياسية إلي قنوات سلطوية بحتة، سواء رسمية تتمثل في أجهزة الدولة السيادية والبيروقراطية، أو سلطوية مقنعة في صورة حزب دولة علي شاكلة الإتحاد الاشتراكي، الذي اعتبره الرئيس عبد الناصر بمثابة جبهة وطنية تكرس لتحالف قوي الشعب العامل، أي الطبقات المصرية الأكثر فقرا من العمال والفلاحين، واللذين اعتبرهما ناصر بمثابة التجسيد الموضوعي للشخصية المصرية عند منتصف القرن العشرين، تلك الشخصية التي تم قهرها بفعل مراحل متوالية من الاستعمار المملوكي ـ العثماني ـ الغربي، فيما نظر ولو بشكل خفي إلي عناصر النخبة المصرية من الطبقة العليا كموالين للاستعمار، سواء عرقيا حيث الأصول التركية والشركسية والأرمينية والألبانية، أو ثقافيا لنمط الحياة الأوروبي، الأمر الذي أصاب الثقافة المصرية بكسر لم يتم جبره حتي الآن، أوقعها في فخ الأحادية وأفقدها التنوع الخلاق والحيوية الضرورية لأي مجتمع. وبدلا من حقبة ليبرالية مشوهة كانت فيها النخبة هي الهدف والغاية علي حساب المجتمع، فكان لدينا رأس كبير يقف علي جسد نحيل، أصبح المجتمع هو الهدف مع إقصاء النخبة فصار لدينا جسد كبير بلا رأس حقيقي. في الأولي كان ثمة استنارة فكرية دون تحديث مجتمعي، وفي الثانية كان ثمة تحديث مجتمعي دون تعددية فكرية، وهو الأمر الذي أبقي المشروع الناصري، رغم عمقه ووطنيته، في إطار سلطوية بحتة، تظل بمثابة ثقب أسود في ثورة 23 يوليو، جعلها رهينة للمقادير السياسية التي أتت برجل ذي مزاج مختلف سار بمصر في طريق آخر دون ممانعة تذكر من كتلة مجتمعية لم يكن لديها أية أدوات للمقاومة السلمية.

=وحتي عندما ولدت الأحزاب السياسية من رحم تجربة المنابر عام 1976، فقد نشأت حول الرئيس أو بأوامره، انطلاقا من مركزية حزب مصر ثم الحزب الوطني، وكلاهما كان عائقا أمام التعددية الحقيقية في ظل غياب أي نظام حزبي فعال، لحساب أحزاب قشرية، تقيم مع النظام علاقات زبائنية تجارية، تلعب في سياقها أدوارا معطاة ضمن حدود مرسومة، مقابل هدايا مادية ورشي سياسية، وهو أمر ساهم فيه ما هو معروف عن تجذر النزعة السلطوية في بنية الشخصية المصرية، فالسلطة فيه تشبه لهبا مضيئا في ساحة مظلمة، يسير إليها الجميع ولو علي غير هدي، علي طريقة الفراشة التي تلتصق حتي تحترق، وليس علي طريقة السياسة، التي تحاور وتفاوض وتساوم حتي تقتنع، الأمر الذي أعاق تبلور وتنافس القوي السياسية علي أرضية مدنية، وخارج فضاء الإسلام السياسي. ومن هنا كانت المحصلة السلبية لثورة يوليو رغم أهمية مشروع التحديث الناصري، فمن دون ديمقراطية حقيقية تضمن تداول السلطة، ومن دون طبقة سياسية ناضجة تلعب دور الحامل التاريخي للدولة المدنية لا بقاء لشيء، وجل ما يطمح إليه مشروع يدور حول شخص هو الاستمرار بطول عمر هذا الشخص، وتلك مشكلة كبري تواجه المجتمعات التي ترهن مصائرها لدي رجال ولو كانوا من طراز الأبطال. لقد رحل جمال عبد الناصر كبطل تاريخي ثم رحل أنور السادات، كرجل دولة، وبقيت مصر أسيرة لرجل من طراز حسني مبارك، تغلب عليه صفات رجل الإدارة، ولذا جرت السياسة طوال عهده، وكأنها في حال موت سريري، تمارس باعتبارها فعلا روتينيا يقوم علي تنفيذ اللوائح وتمرير الأوامر من أعلي إلي أدني، لتصدر القرارات المصيرية في ظلمة ليل كالح، بعد فاصل من تصفيق نواب حزب حاكم مهيمن، بلا حوار حقيقي، ودون تعاطف مع أطروحات الأقلية ولو لمرة واحدة في أي قضية مهما تكن جماهيرية.

ولعله يكون صحيحا أن العقود الثلاثة لهذا النظام شهدت استقرارا، ولكنه ليس ذلك الاستقرار السياسي النابع من رسوخ التوازن بين مؤسسات النظام والقوي المجتمعية، علي نحو يضمن قبولها له ويحقق لها إمكانية التأثير في صنع القرار الوطني، بل الاستقرار الأمني المؤسس علي الإعمال المفرط لقانون الطوارئ، والإشراف المباشر علي شتي التفاعلات المجتمعية بدءا من انتخابات اتحادات الطلاب الجامعية، وحتي النقابات المهنية، وصولا إلي التغلغل داخل الأحزاب السياسية، ومحاولة تدجين قياداتها، أو بث الخصومة داخلها وإشعال النار بين المتنافسين عليها بقصد شل حركتها وتعريتها أمام أنصارها وفي عيون المجتمع السياسي كله. وهكذا دخلت عناصر النخبة المصرية في فلك التبعية، سواء إلي أقنية السلطة بحثا عن مكاسب شخصية حصل عليها البعض فانشغل بها عما سواها، أو رغبة في الإصلاح من قبل بعض آخر، ولكن ضاع صوته وسط النفاق السلطوي المهيمن. وحتي من بقي من هؤلاء في موقع المعارضة، فقد اضطروا إلي المهادنة مع توالي القهر، وغياب الأمل في تبادل السلطة، ما أفضي لغياب الزعامات الكبري التي توالت علي تاريخنا الحديث، أقله منذ أحمد عرابي مرورا بثورة 1919م وسعد زغلول، حتي نهاية عصر الرئيس السادات، وهنا صارت مصر أشبه بجسد ضخم دون رأس، ولم يكن غريبا أن تأتي ثورة 25 يناير من خارج إطار النظام السياسي كله، بشقيه: الحكم والمعارضة، بإلهام من حركات شبابية، بديلا عن نخبة متآكلة، ولا تزال تتآكل.

[email protected]
لمزيد من مقالات ◀ صلاح سالم

رابط دائم: