رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة- يكتبه: أحمد البرى
رسالة من ميّت!

أحـمــد البــــــرى

وجدت لزاما علىّ أن أبعث إليك بهذه الرسالة التى قطعت عهدا على نفسى أن أوصّلها لك، حيث كنت فى زيارة إلى صديق لى أصيب بوعكة صحية ألزمته الفراش، وقد حدّثنى عن بعض جوانب حياته، والمشكلات القاسية التى يعانيها، وقال إنه كتب قصته فى رسالة، وأعطانى إياها عسى أن يستفيد قراؤك من ردك عليها، ولكى تشير عليه بما يساعده على تخطى المتاعب التى يحياها، وفى اليوم التالى وقبل أن أخرج إلى عملى، جاءنى اتصال هاتفى من أحد أقاربه الذين تربطنى بهم علاقة وطيدة، وأبلغنى أن صديقى العزيز مات بأزمة قلبية حادة، فانخرطت فى بكاء مرير، حزنا على رفيقى الذى عاش أيامه الأخيرة فى عذاب لا يتحمله بشر، وبعد أيام تذكرت رسالته التى أودعها عندى، وها أنا أسلمها إليك من باب الأمانة، وأزيح عن صدرى حجرا ثقيلا جاثما على صدرى منذ رحيله، وهذا هو نص الرسالة: «ولدت يتيم الأم، إذ ماتت فى أثناء ولادتى، وحرمت من حنانها، ولم أذق طعم الأمومة ولا المرح واللعب منذ خروجى إلى الدنيا، حيث تزوّج أبى بأخرى قاسيت على يديها الأمرين، من ضرب وإهانة وحرمان، ولما كبرت وتخرجت فى كليتى حرصت على الارتباط بزوجة تتميز بالطيبة والحنان لكى تعوضنى عما عانيته فى حياتى، ولا تسألنى أين أبوك؟، فلقد كان غائبا معظم الوقت عن المنزل، وقد ترك الحبل على الغارب لزوجته لتفعل ما تشاء، ووجدت ضالتى فى فتاة توسمت فيها كل الخصال الحميدة، وهى الإبنة الصغرى لسيدة فاضلة، وكانتا تعيشان وحدهما بعد زواج كل البنات، وقد طلبت منى أن تعيش أمها معنا، ففرحت جدا، واعتبرتها أمى التى لم أرها، وأثنيت على هذه الخطوة التى تجعل هذه السيدة أما لى ولها، وانتقلت حماتى للإقامة معنا، ورأيت فيها أما عطوفا، وعوّضتنى عن الحنان الذى افتقدته منذ نعومة أظافرى، ووجدتنى أقبل على خدمتها، وتلبية طلباتها من غذاء وعلاج، وترقّيت فى وظيفتى، ورزقنى الله ببنتين رائعتين، صارتا هما وأمهما وجدتهما كل حياتى، وتفتّحت أمامى أبواب السعادة والأمل، حيث وفقنى الله إلى عقد عمل متميز بدولة خليجية، وأخذتهن جميعا معى، وأمضيت فترة العقد، ثم عدنا إلى مصر، وأول ما فكرت فيه هو شراء شقة أوسع من الشقة التى كنا نعيش فيها، وصارت لحماتى حجرة خاصة بها، وللفتاتين حجرة مماثلة، كما اشتريت «شاليها» فى موقع جميل، وسجلت الشقة والشاليه باسم زوجتى، وفتحت حسابا مشتركا فى أحد البنوك باسمينا، وأصبح لها حق السحب والإيداع فى أى وقت دون الرجوع إلىَّ، وفجأة توفيت حماتى، فإذ بزوجتى تتحول إلى شخصية أخرى، ولم يعد يشغلها إلا وسائل التواصل الاجتماعى، وكوّنت أكثر من «جروب» على «فيسبوك»، وصارت تجلس ليلا ونهارا أمام الكمبيوتر، ولا همّ لها إلا الحديث عبر هذه المجموعات، وارتبطت بعلاقات كثيرة مع المطلقات والأرامل والمختلعات، وأهملت البيت تماما، ولم أجد بدا من أن أتحمل هذا الوضع المؤلم، أملا فى أن تعود إلى رشدها بعد تعافيها من الحالة التى ألمت بها عقب وفاة أمها، ولكن فوجئت بها تطلب منى الطلاق وتلح عليه، بدعوى أن أمها كانت تتقاضى معاشا كبيرا عن والدها، وسوف ينقطع بعد وفاتها، وأنها أحق به بشرط أن تكون مطلقة، فلم أوافقها على رأيها، وقلت إن هذا حرام، فأصرت على الطلاق، وتفننت فى تعذيبى نفسيا، إذ توقفت عن الحديث معى، واستقلت بحجرة فى المنزل، ولم يعد يشغلها شىء سوى مجموعات التواصل الاجتماعى، أما شئون المنزل، فقد حذفتها من أجندتها، حيث توقفت عن إعداد الطعام وغسل الملابس وتنظيف المنزل، وأحالت حياتى إلى جحيم، وأمام هذا العناد استجبت لطلبها وطلقتها فى حضور شاهدين، وفى اليوم التالى نقلت كل ما يخصها فى المنزل إلى شقة استأجرتها باسمها، وتركت لى البنتين، ولم تبال بالحالة النفسية السيئة التى أصبنا بها، فاحتويتهما وحاولت تهدئة روعهما بأن أمهما بخير، وأنها فى زيارة لعدة أيام إلى المحافظة التى نشأنا فيها، وستعود إليهما فى وقت قريب! وبعد أيام توجهت إلى البنك، لسحب مبلغ احتجته لمصاريف البيت، فإذا بالحساب خال تماما، بعد أن سحبت مطلقتى الرصيد كله، فسقطت على الأرض مغشيا علىَّ، وحملنى عدد من عملاء البنك إلى المستشفى، وبيّنت الفحوص إصابتى بأزمة قلبية حادة، وأفادت التقارير الطبية بضرورة إجراء جراحة كبيرة لى بالقلب، فبعت سيارتى، واقترضت من صديقى باقى ثمن الجراحة، ومرت أيام العدة الشرعية لزوجتى، ففوجئت بأنها تزوجت شابا تعرفت عليه عن طريق «فيسبوك»، ولم يصدق الأهل والجيران ما فعلته.. وقد انقلبت حياتى أنا والبنتين رأسا على عقب، وأصبحت أسير الفراش، ولا أستطيع الوقوف على قدمىّ، ولا أجد ما أقوله سوى «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فيا كل الأزواج والزوجات عليكم بتقوى الله فى السر والعلن، وحافظوا على نعم الله التى لا تعد ولا تحصى، والأمر له ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى».

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

هناك مواقف يجب أن توقظ الإنسان وتصنعه من جديد لا أن تصيبه باليأس والإحباط، وهناك دروس من تجارب لم تكن فى الحسبان، من الضرورى أن تعلم المرء الانتباه، لا أن تؤدى إلى انكساره وسقوطه صريعا للآلام والمتاعب، وربما الهلاك، ومنها ألا يرفع سقف توقعاته من الآخرين حتى لا يشعر بخيبة الأمل، حتى لو تعلق الأمر بأقرب الناس إليه، فلقد فات صاحب الرسالة رحمه الله أن يضع ضوابط محددة لعلاقته المالية بزوجته، فتكون لكل منهما ذمة مالية منفصلة عن الآخر، وألا يترك الحبل على الغارب لها لتفعل ما تشاء، وتتواصل مع من تريد عبر ما يسمى «مواقع التواصل الاجتماعى»، فكثيرون من روادها شخصيات افتراضية، ويتسترون أحيانا وراء أسماء وهمية، ويتلاعبون بضحاياهم فى كل المعاملات، حتى فى المشاعر، فينزلق وراءهم ضعاف النفوس، ومنهم زوجته التى نصب شاب شباكه حولها، ووقعت أسيرة له.

لقد افتقد صديقك الحنكة فى تعامله مع زوجته التى من الواضح أنها تزوجته بضغط من أمها، واستغلت افتقاده حنان أمه التى ماتت فى أثناء ولادته أسوأ استغلال، فالسبب الرئيسى لتوتر العلاقة بين الزوجين هو غياب المحبة بينهما، وعدم تفهم كل منهما مشاعر الآخر، فالزوجة الحنون تستطيع احتواء زوجها، وتخفف وطأة ضغوط الحياة عليه، والرجال الذين يتمتعون بعلاقة جيدة مع زوجاتهم أقل عرضة للإصابة بالأمراض الناتجة عن التوتر، ولا ترتبط هذه المسألة بالجمال، فالصفات الشكلية على عكس ما هو شائع ليست هى العامل الرئيسى فى الحب، فالرجل يفضل حنان الزوجة على جمالها، وتستطيع المرأة ذات العواطف الرقيقة أن تمتلك قلب زوجها بسهولة، فهو يتعلق بحنانها أكثر من جمالها، والمرأة الجذابة غليظة العواطف تجعل الرجل ينفر من معاشرتها ولا يشعر بأنوثتها إطلاقا، بمعنى أن حنان الزوجة هو بوابتها الرئيسية إلى قلب الرجل، فهو يعشق الزوجة التى تحتويه وتتفهمه وتقدر مشاعره، ولكن زوجة صديقك لم تكن له هذه المشاعر، وإنما كانت مدفوعة إليها ظاهريا بضغط من أمها، تقديرا للرجل الذى احتواها وفتح لها بيته، وظلت تحت رعايته إلى أن رحلت عن الحياة، وهنا أظهرت زوجته وجهها الحقيقى.

لقد تصور أن زوجته تحمل صفات التضحية والتنازل والعطاء مثل كل أم، خصوصا أنها هى الوحيدة التى لازمت أمها بعد زواج شقيقاتها، ما جعله يختارها لتكون زوجة له، لكنه فوجئ منها بما لم يكن فى الحسبان بعد رحيل أمها التى كانت «صمام الأمان» فى استقرار الأسرة، وهذه هى حال كل حماة بالنسبة لزوج ابنتها، إذ ترى أنه رجل جديد انضم للأسرة، وأن حسن التعامل معه ينعكس إيجابا على ابنتها, وهذا هو سر استقرار أسرته طوال وجود حماته على قيد الحياة، والذى ساهم فيه أيضا أنها عاشت مع ابنتها، ورافقتها كظلها فى كل شئ، ومن ثم لم تكن هناك فرصة لاختبار مشاعرها نحوه، وعلاقتها به، وما الذى يمكن أن تفعله إذا أتيح لها الاختلاط بالآخرين على نحو ما حدث بعد رحيل أمها؟.

وقد أخطأ صديقك فى فتح حساب مشترك مع زوجته، وإطلاقه لها حرية السحب والتعامل مع الحساب، فالأفضل هو أن يكون لكل منهما حساب مستقل، دون أن يقلل ذلك من مكانة المرأة عند زوجها، أو مكانته عندها.

أما عن وسائل التواصل الاجتماعى، ومنها الـ «فيس بوك»، فإنها تحرض على التفكك الأسرى، وربما الخيانة الزوجية، بل إن الكثيرين يبدأون علاقة عاطفية بعد تلقى رسالة «ساذجة» ليست دليلا على الحب، ولا يعقل أن تكون أساسا لهدم أسرة من أجل زواج جديد تحيط به الأوهام والخيالات!، وهو ما وقعت فيه زوجة صديقك الراحل، فرسمت خطة لإقناعه بتطليقها من أجل الحصول على معاش أبيها، متجاهلة أنه لا يجوز لها فعل ذلك لما فيه من الغش والخداع المحرم، لكنها أرادت ايهامه بذلك لكى تخرج من حياته، وتتزوج بمن صوّر لها خيالها المريض أنه فارس الأحلام، ولم تلق بالا لطفلتيها الصغيرتين، ولا للمتاعب والأهوال التى ستعترض طريقهما فى الحياة.

إن قصة صديقك المؤلمة رسالة تحذير من الوجه الآخر لوسائل التواصل الاجتماعى التى يقع الكثيرون فى براثنها دون وعى، وأرجو من والدة البنتين اليتيمتين أن تعود إلى رشدها، وأن تجمعهما معها من جديد، وأن تبتعد عن الطريق الذى تسير فيه وراء أهوائها، فالشاب الذى غرر بها سوف ينبذها من حياته عندما يستنفد أغراضه منها، ويستولى على أموال والد ابنتيها التى سحبتها من البنك استغلالا لطيبته وثقته فيها، وأرجو أن تطمئننى على أحوال البنتين، وتبلغنى بما يمكن أن أقدمه لهما، ومن يرعاهما بعد رحيل أبيهما، وانصراف أمهما إلى «فارس الأوهام»، وليدبر الله أمرا كان مفعولا.

وتبقى كلمة أخيرة أوجهها لمن قد يتعرض لصدمة مماثلة لما تعرض له صديقك، وهى أن الصدمة قد تفعل بالمرء شيئين، إما أن تدمره، أو أن تصنع منه شخصا تصعب هزيمته، وذلك على حد تعبير «إدموند بيرك»، فليواجه المرء كل الصدمات بشجاعة، ويضع الأمور فى نصابها الصحيح، ثم يتوكل على الله، وهو سبحانه حسبه فى كل خطواته.. إنه سبحانه وتعالى نعم المولى، ونعم النصير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق