رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حيرة طالب ثانوى!

يا لها من حيرة، تلك التى وجد طلاب الثانوية العامة - ومعهم أولياء أمورهم- أنفسهم فيها إثر ظهور النتيجة قبل أيام. على الفيس بوك تدافع الطلاب يسألون الطلاب القدامى عن أنسب الكليات، وتساءل أحدهم: هىّ طب عين شمس ها تأخذ كام؟ فرد عليه طالب قديم: ها تاخد عمرك. وسأل آخر: مجموعى كبير ومحتار أدخل هندسة ولا لأ؟ فأجابه مجيب: يا عم كله مثل بعضه! فعلامَ تدل الأسئلة.. وإلامَ تأخذنا الإجابات؟.

إنها الحيرة ولا شىء سواها. لقد بذل الولد والبنت خلاصة جهدهما، وسهرا الليالى حتى انتفخت الأعين من قلة النوم، ثم عندما بانت النتيجة إذا بالأسئلة الصعبة تبرز من مكامنها، وفى مقدمتها أروح فين؟.. صحيح.. يروحوا فين.. وليه؟ إننا هنا أمام معضلة ثلاثية الأبعاد: البعد الأول، أن كليات القمة بالجامعات الحكومية بات الالتحاق بها عصيا على الغالبية نظرا إلى ارتفاع المجاميع. ولا شك أنه لم يعد خافيا على أحد أن ثمة شكوكا باتت تحوم حول الفرص التى تتيحها تلك الكليات للملتحقين بها فى المستقبل وكانت توفرها من قبل. ماشى.. ستلتحق يا باشا بالطب، أو الهندسة، أو الاقتصاد والعلوم السياسية، أو الإعلام.. فهل ستوفر لك كليات تلك القطاعات بعد التخرج المستقبل المنتظر كما كان الأمر من قبل؟ لا أحد يمكن أن يشفى غليلك بإجابة شافية.. وتبقى الحيرة دائما سيدة الموقف.

البعد الثانى، هل ثمة علاقة بين ما سوف تدرسه بالجامعة والوظائف المتوافرة بالمجتمع؟ سؤال عويص، ورغم أن إجابته معروفة لنا جميعا إلا أن الكثيرين يأبون الاعتراف، إما خوفا من المكاشفة، وإما أملا فى أن تتغير الأحوال ( إذ المستقبل أولا وأخيرا بيد الله عزّ وجلّ). ومع ذلك فإن لسوق العمل عندنا هذه الأيام متطلبات كثيرة ليست المواد التى درسناها بالجامعة إلا واحدا منها.

وأما البعد الثالث، فهو أن كليات الحكومة بها حاليا من المشكلات ما تنوء بحمله الجبال، بسبب الاكتظاظ وكثرة الأعداد، حتى إن البعض من مدرجاتها أصبح يشبه استادات كرة القدم (لكن دون متعة كرة القدم!).. وليس أدلّ على ذلك من أن الكثير من الطلاب المتفوقين جدا (ذوى المجاميع التى قاربت على المائة بالمائة) أصبحوا يهرولون إلى الجامعات الخاصة التى أوشكت مصروفاتها بلوغ عنان السماء.. فلماذا هذا التدافع يا ترى؟ ببساطة لأن تلك الخاصة يتوافر بها من التسهيلات ومناخ العملية التعليمية مالا يتوافر فى الأخرى بتاعة الحكومة.

أعمل إيه؟ وأروح فين؟ وأروح لمين؟ نجاح ونجحنا.. تفوق وتفوقنا.. مجموع ديناصورى لم يحققه أينشتاين وجِبنا.. فماذا تريدون منا أكثر من هذا؟ ذلك ما ينطق به الآن لسان حال أبنائنا الحاصلين على الثانوية العامة. لقد أتت نتائج التنسيق تشير إلى أن مجموعك يا حبيبى ما لم يزاحم نسبة المائة بالمائة فلن يكون لك مكان بكليات المرحلة الأولى.. طيب ماذا يفعل الذى لم يشم نسائم المائة بالمائة؟ سيقولون: عنده المرحلة الثانية.. فهل الأولى أسعد حالا من الثانية أو الثالثة؟.. نكاد نشك!.

إنك تنظر فى أعين أولياء الأمور المساكين فلا ترى سوى الزيغ والتوهان ومن آذانهم تكاد تنطلق أبخرة الغيظ المشوب بالانزعاج. تراهم فتحسبهم يصرخون فى صمت: يا خلق الله.. أنفقنا على حبات القلوب دم القلوب، وأمضينا عام رمادة سيظل رعبه يراود كوابيسنا ردحا طويلا، وها هى النتيجة قد ظهرت فظننا أن المشوار قد انتهى فإذا هو يبدأ مع مزيد من التعب والمعاناة وخضّة القلب. يا ناس.. نحن وأبناؤنا لا نعرف كيف نتصرف.. أفيدونا يا أهل الخبرة.. يا من سبقتمونا إلى مراتع الحزن الفسيحة.. نعمل إيه؟.

هل من الممكن تصور روشتّة للحل ولو على سبيل المسكنات؟ أليس لدى وزارتى التعليم والتعليم العالى العلاج الأمثل الذى سيقضى على أصل الداء ويقتلعه من جذوره؟ تعالوا نحاول.. فلا ضير من المحاولة حتى لو فشلت. هيا نسأل أنفسنا- طلابا وأولياء أمور- هذه الأسئلة التى تحمل فى بطونها إجاباتها: لماذا لا نكون واقعيين، ولو لمرة واحدة فى حياتنا، ونعترف بأن الثانوية العامة هذه ليست نهاية الكون؟

لماذا لا نصارح أنفسنا بالحقيقة التى باتت أسطع من شمس أغسطس بأن الجامعة لن تقدم لنا الكثير، ومن ثم فلا داعى للاستموات عليها هكذا؟ لماذا لا نصرخ فى وجه الخوف بعلو الصوت بأن سوق العمل لا علاقة لها بكليات قمة أو قاع بل بمجموعة مهارات علينا اكتسابها حتى ننجح فى الحصول على فرصة عمل؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا كل هذا الحزن؟ يا أخى اقبل أى كلية ثم ابدأ من الآن فصاعدا فى تنمية مهاراتك فى الاتجاه الذى تحب وتهوى بعيدا عن الاستيريو تايب السائد فى عقولنا منذ ثانوية الأجداد.

يا بنىّ.. اجعل من سنوات الجامعة سنوات استمتاع وبهجة لأن تلك السنوات الأربع أو الخمس هى أجمل سنوات العمر. ستسأل: يعنى اعمل إيه بالضبط؟ أرقص؟ أيوه يا سيدى.. افرح واضحك من القلب.. (على رأى الإعلان!). اسمع منك له. خذوها حكمة من عجوز أكلت الجامعة من روحه ثم شربت: إن أى كلية يكتبها لك الله تعالى خير وبركة. وساعة التخرج ربك يحلها.. مين عالِم. ألم تسمعهم يقولون فى الأمثال: رُب صاحب مائة فى المائة بالثانوية العامة لم يجد سعادته ووجدها صاحب ستين أو سبعين (بالمائة)؟ خلاصة القول: لا تجعل من الثانوية العامة، ومجموعها، وكلياتها، وبابا غنوجها، شبحا يطاردك فى صحوك ومنامك.. انسها.. وابدأ حياة جامعية جديدة هانئة مريحة بأى كلية.. فالمرء لا يعيش إلا مرة واحدة!.


لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات

رابط دائم: