رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاعرية أحمد الخميسى

وأنا أتصفح مختارات أحمد الخميسى القصصية - التى صدرت عن هيئة الكتاب العام الماضى بعنوان ليل بلا قمر - لفتت نظرى الطبيعة الغنائية للقصص القصيرة التى كتبها من وحى تجارب الحب, وتضم هذه المختارات بعضاً منها.

سمحت لنفسى أن أتعامل معها كما لو كانت قصائد حب, فأستشهد بسطورها كما أفعل لو كنت أكتب عن ديوان شعر. والحق أن اللغة فى هذه القصص فيها من سمات الشعر أن الكلمات والسطور أحياناً غاية مقصودة لذاتها وليست مجرد وسيلة لنقل الحدث القصصي, بل هى سطور من الشعر العذب لا تحتاج فى غنائيتها حيل الشعر التقليدى من وزن وقافية. انظر كيف تبدأ قصة كنارى التى تتحدث عن المحبوبة وحكاية العاشق معها: «وسط ستة مليارات إنسان, وملايين الجبال والبحور, لديّ فقط, كل ما لديّ, عصفورة واحدة صغيرة، أقول لها قبل نومي: تصبحين على خير يا كنارى الصغيرة، تقف على راحة يدي, لا أضغط عليها بقوة, وخشية أن تبعد عنى لا أُبعِد أصابعى عنها..» وبعد أن يحكى العاشق حكاياته مع العصفورة؛ ذلك الكائن الضئيل الذى استطاع بمعجزة ما أن يطير بصاحبه الثقيل مرتفعاً به فى قبة السماء.. يحكى الكاتب كيف غلبهما النعاس فى نهاية يوم الحب: «حل الغروب حولنا. وسرقنى النوم, بسطت لها كتفي.. لكنها كأى كناريا لا تنام طويلاً. تستيقظ بعد قليل, وتضم رأسى الضخم إلى صدرها. وتغنى لي: نم يا صغيري, لا تخف... ويندى كل شيء داخلى بالحنان مثل بستان فى الفجر حين أفكر أنه ليس لدى هذه العصفورة سواى وحدي» وفى قصة «إيمى» كائن رقيق وهش من نوع آخر, لا يمتلك قوة العصفور الداخلية فى قصة كناري. والحب هنا ليس متبادلاً, لأن إيمى تعيش فى عالم خاص بها وحدها, وما يهمنا هنا هو كيف يصف راوى الحكاية إحساسه نحوها: «انت ترجين كل كيانى رجاً متصلاً دون توقف... ما إن أقترب من أى شيء حتى أكتشف أننى أحبك، حين أتجه للمطبخ وأضع إبريق الشاى على النار أجدنى أحبك، حين أستلقى لبعض الوقت على السرير أجدك ملء قلبي, عندما أرفع سماعة التليفون, وحينما أخلع قميصي, حتى يدى وهى تغسل وجهى تذكرنى أنى أحبك».

وفى قصة «ومض» أنضج تعبير شعرى عن تجربة العشق بين كل ما قرأته لأحمد الخميسي، هى قصة طويلة نسبياً تعبر عن تجربة بدأت وترسَّخت ببطء حتى تحولت إلى زواج انتهى بموت المحبوبة، تبدأ القصة بيوم مطير بعد فقدان الحبيبة بوقت غير محدد، يتراءى طيفها؛ يرى العاشق الجالس إلى مقهى اتقاءً للمطر امرأة لها كل ملامح رحاب تمر أمامه فيتبعها, لكنها تكون قد توارت عنه: «نسمة دارت حولى تفوح بالياسمين الذى كان يسبق رحاب وهى مقبلة كما تمهد النغمة لدخول اللحن الكبير.. توارت رحاب ومن كثرة ما طلبها دمى جُنّ قلبي..» ولا يجد المحب ليلاه إلا فى الذاكرة, فيحكى لنا أول لقاءٍ بينهما, وما حدث وهما يغادران معاً المقهى الذى احتضن لقاءهما الأول: «فركت سيجارتى بطرف حذائى فسبقتنى بخطوة، جُلت بعينى فيما حولى وأنا ألحق بها.. كأن أحداً سكب نوراً على الشوارع والأسفلت والعابرين وحتى على الهواء، سرت بجوارها بحذر، خفت إن لمستُها سهواً أو هفّ عليها ضوءٌ أو هبط ظل أن تتلاشى من أمامي».

هذه لمحات من شاعرية أحمد الخميسى, بالمعنى الرومانسى الغنائى لكلمة شاعرية؛ لكن الشعر له أعماق وأبعاد أخرى نجدها فى كل أدب عظيم, ولا تخلو منها أعمال أحمد الخميسي, وبالتأكيد هذه المختارات, كما سنرى بإذن الله فى المقالة القادمة.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: