رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الهجرة.. أزمة تغير أوروبا وتهدد شمال إفريقيا

فى الوقت الذى لايزال البحر المتوسط يشهد على معاناة الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين الذين لم تعد أحلامهم تتسع سوى للبحث عن الحياة عبر ركوب قوارب الموت، كاد الصراع حول قضايا الهجرة واللاجئين يخلف انقسامات داخل الاتحاد الأوروبى خلال قمته الأخيرة فى بروكسل.

عندما شهدت أوروبا ذروة الهجرة فى عام 2015، حيث بلغت أكثر من مليون مهاجر، تباينت مواقف الأوروبيين بين الاستعداد المذهل للمساعدة، وبين العداء الكبير للأجانب وإحراق منشآت اللاجئين مع اتهام الاتحاد الاوروبى بفقدان السيطرة. وعلى الرغم من الانخفاض الكبير لأعداد المهاجرين خلال العام الماضى والنصف الاول من العام الحالي، فقد بقيت قضية الهجرة على قائمة التجاذبات، بعدما تمكن رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوروبان من فرض أفكاره الرافضة لها باسم الدفاع عن قيم أوروبا المسيحية، ونجاحه فى الترويج لها فى وسط وغرب أوروبا، حيث تشكل موقفه كتيار سياسى متكامل، خاصة بعد وصول اليمين المتطرف إلى الحكم فى الكثير من الدول على غرار النمسا وإيطاليا.

انتصرت قمة بروكسل، نهاية شهر يونيو المنصرم، لأفكار أوربان، فى اجتماع عسير تمخض عنه 12 بندا منظما لقوانين دخول المهاجرين إلى أوروبا. ولكنها كشفت، فى المقابل، حجم التغير فى دول الاتحاد الأوروبي، وحجم الانشقاقات التى وصلت حد وجود خلافات داخل البلد نفسه، واتخاذ مواقف غير مسبوقة، مثل ما حدث فى ألمانيا، حيث اصطدمت المستشارة انجيلا ميركل مع وزير داخليتها، الذى رفض، بصلاحياته كرئيس وزراء مقاطعة بافاريا الألمانية، دخول المهاجرين، متحديا بذلك ميركل وألمانيا ككل.

لقد عكست قضية الهجرة واللاجئين، وجود أزمة سياسية داخل دول الاتحاد وفى اوساط الرأى العام. فرغم اتفاق معظم الخبراء على أن هناك حاجة أوروبية للمهاجرين للتعويض عن أوضاعها الديموجرافية المتدهورة، واستعادة النمو، فإن مجرد وصول عدد من الحكومات المعادية للهجرة الى السلطة، سواء فى ايطاليا او النمسا، أو اختراق دول مثل ألمانيا، او تعريف بعض الدول نفسها بأنها ديمقراطيات غير ليبرالية مثل المجر وبولندا، قد وضع قضية الهجرة على طاولة مزايدات الحركات الشعبوية التى تقدم المهاجر كـ «كبش فداء» فى حلبة الصراعات السياسية ولعبة التجاذبات الانتخابية سعيا منها لاستقطاب جزء كبير من جمهور الناخبين المعادين للأجانب، والذين يعتبرون أن تجول المهاجرين فى شوارع أوروبا يهدد نمط حياتهم الراسخ. ما يجعل الأزمة الحالية كاشفة عن معركة وجود بين الليبرالية المتعاطفة والأحزاب الشعوبية غير الليبرالية.

فى يونيو الماضي، قرر ماتيو سالفيني، وزير الداخلية الإيطالى اليمين المتطرف، إغلاق موانى بلاده أمام قارب اكواريوس للمهاجرين غير الشرعيين الذين أنقذتهم منظمات غير حكومية فى البحر. وعقب ذلك، أعلن نظيره الألماني، هورست ريهوفر (رئيس حزب الاتحاد الاجتماعى المسيحي)، أنه لن يتردد فى إسقاط المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إذا لم تشدد سياستها للهجرة، بما فى ذلك إخراج المهاجرين الذين دخلوا الى ألمانيا عبر دولة أخرى من الاتحاد الاوروبي. فى الوقت نفسه أعلن المستشار النمساوى المحافظ سيباستيان كورتز، الذى سلم مفاتيح وزارة الداخلية إلى النازيين الجدد فى حزب العمال، ميلاد «محور بلدان العزيمة القوية ضد الهجرة»، يضم النمسا وإيطاليا وألمانيا، التى لم تجد مستشارتها أمام هذا الواقع الجديد سوى القول: ليس صحيحا أننا نغلق الأبواب أمام المهاجرين، لكن من المهم فرض مراقبة أفضل على دخولهم.

يحاول القادة الأوروبيون فرض واقع سياسى جديد فى قضية الهجرة. ويسعى الاتحاد الأوروبى الى تجاوز الأزمة الحالية عبر الإجراءات التى انتهت اليها قمة بروكسل، والتى يعتبر الاتفاق حولها الجزء الاسهل بالمقارنة مع صعوبة تنفيذ المقاربة التى تعتمد على تشديد القيود على الحدود بين دول الاتحاد، وتقديم المزيد من الدعم المالى لدول جنوب المتوسط لخفض عدد المهاجرين. أما أخطر ما فى الموضوع فهو ما تضمنه الاتفاق الاوروبى حول إقامة منصات إنزال إقليمية للمهاجرين خارج الاتحاد لردعهم عن عبور البحر المتوسط. ما يعنى محاولة جعل بعض دول شمال افريقيا وطنا بديلا للمهاجرين عن بلدانهم الأصلية من خلال إقامة هذه المنصات، لتكون بمنزلة نقاط لـفرز المهاجرين واللاجئين الذين سيمنح لهم الضوء الأخضر لدخول فضاء شينجن من عدمه. وهذا ما دفع المغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر للإسراع فى إعلان رفضها استضافة هذه المنصات، ومعارضة هذه الأساليب المستحدثة من جانب الاوروبيين للتعامل مع القضية.

إن إدارة أزمة الهجرة كما تتصوره اوروبا وتحاول بعض قياداتها الشعبوية فرضه لا يمكن لدول شمال أفريقيا، التى لا يعدو دورها مجرد كونها دول عبور، أن تقبله. وفى التقدير انه يتعين على الدول الأوروبية فى محاولاتها إيجاد حل فعال لهذه الازمة ان تخرجها اولا من القالب السياسى الذى وضعتها فيه، وان تتكاتف جهودها الوطنية والدولية لمعالجة جذور الأزمة فى دول المصدر، التى تعانى هى أيضا، خسارة شبابها الذين يغامرون بحياتهم فى عرض البحر بسبب الحاجة والظروف الأمنية السيئة، بالتوازى مع مراعاة أمن واستقرار دول العبور التى لا يمكن بأى حال من الأحوال تصور أن يدرج أى حل على حساب مصالحها الخاصة.


لمزيد من مقالات ◀ وفاء صندى

رابط دائم: