رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«السِِباكة» بداية إصلاح التعليم.. !

سؤال بينى وبينك ودون أن يسمعنا أحد: هل نحن فعلًا فى حاجة إلى المزيد من خريجى الجامعات؟ وسؤال آخر وليسمعنا من يسمع: هل غالبية خريجينا الجامعيين حاليًا يعملون؟ بل.. هل هم أصلًا مؤهلون لسوق العمل؟ إذا كنت صريحًا وامتلكت الجرأة الكافية فإن إجابتك حتمًا ستكون: لأ وحياتك.. فالكثير من هؤلاء الخريجين الآن حائرون تائهون يتساءلون: لماذا كان كل هذا العمر الذى ضيعناه فى الجامعات بينما نحن لا نجد العمل.. ولا يريدنا العمل؟

سؤال ثالث: ما هو التعلم؟ أليس اكتساب المهارات الجديدة؟ فهل تعليمنا الحالي- بذمتك ودينك- يعلمنا أى مهارات؟ ألا تسمعهم وهم يستخدمون لفظ التعلم يقولون: تعلمت السواقة، أو تعلمت السباكة، أو تعلمت التفصيل؟ هل قال قائل: تعلمت الجغرافيا أو الفيزياء أو البايولوجي؟ وإذا قالها ألن تعاجله أنت بسؤال مفجع: يا هذا هل تعلمت الفيزياء حقًا أم أنك حفظت المنهج ثم نسيته بعد الامتحان ؟

يا عمّ.. وما مناسبة هذا الفيض من الأسئلة الماسخة الآن وهى أسئلة طالما رددناها منذ أيام الملكة حتشبسوت؟ المناسبة يا سادة هى هذا الطوفان من الكلام الذى يكاد يغرقنا منذ أعلنت وزارة التعليم عندنا البدء فى تنفيذ خطط إصلاح التعليم.. وما تسبب فيه هذا الإعلان من غضب وهيجان وانتقادات واحتقان.

قل لي: هل سمعت فى خطط تطوير التعليم الجديدة المطروحة تلك شيئًا عن تعليم الأطفال السباكة، أو النجارة، أو ميكانيكا السيارات، أو الحياكة، أو توصيل الكهرباء والغاز إلى داخل المنازل، أو إصلاح التليفزيون والثلاجة والبوتاجاز؟ أبدًا.. كل الحديث يدور عن ممارسة الرياضة (وكأنهم جميعًا سيكونون محمد صلاح مع أن المدارس ليست بها أصلًا أفنية للعب) ، أو الرسم (مثل بيكاسو الذى لم يكن مصريًا أساسا)، أو الموسيقى (وليرحم الله عظيمينا الراحليْن عبد الوهاب وأم كلثوم اللذين لم يتخرجا من الجامعة !).

فى الماضى كان التعليم وسيلة المرء منا إلى رفع مستوى معيشته، والعبور من طبقة إلى طبقة أعلي، بل وإلى التخلص من الفقر والعوز.. فهل مازال التعليم عندنا يحقق ذلك؟ اسألوا إن شئتم الأثرياء الذين أرسلوا فلذات أكبادهم إلى أرقى جامعات الدنيا وأنفقوا عليهم الملايين ثم عادوا.. فهل عند عودتهم وجدوا عملًا (حتى لو كانت عندهم واسطة)؟ .. فين يا حسرة والشركات والمؤسسات والهيئات الراقية قد اكتظت عن آخرها وتسعى حاليًا إلى التخلص من الكثيرين لديها؟

.. وبمناسبة الحديث عن اللجوء إلى الواسطة لإيجاد فرصة عمل.. كم من الناس عندك عندهم واسطة؟ وما عواقب ذلك الإحساس المرير الذى يسود المجتمع الآن (لأن الولد ما عندوش واسطة)؟ .. ثم كيف تضمن أن «بتاع الواسطة» هذا صالح لممارسة العمل؟ كيف وأنت (واخده فوق البيعة).. فإلى متى سيحتمل أصحاب الأعمال هؤلاء الذين هم «فوق البيعة؟» وأساسا أساسا كيف تبنى مجتمعًا سليما كل من يعملون به ناس «فوق البيعة»؟ ولماذا كل هذا؟ لأنك ببساطة لم تعلمهم منذ نعومة الأظفار مهارات حقيقية تطلبها سوق العمل.

عند هذا الحد ستقفز إحدى الأمهات المرموقات زاعقة فى وجهك: يعنى هل تريد لابنى أن يكون سباكا أو سائقًا أو نجارًا.. هل جننت؟ أبدًا يا مدام.. لا جنون ولا يحزنون.. والله إن نجح الولد فى أن يكون طبيبًا بجد (موش كده وكده لزوم الوجاهة والمنظرة الاجتماعية الكدّابة).. أهلا وسهلا.. فليكن.. المهم أن يمارس ولدك ما يحب عمله كى يحب نفسه ويبدع.. ألم تسمعيهم يقولون: اعمل ما تحب كى تحب ما تعمل؟ وهل من المعقول أن نكون كلنا أطباء وصيادلة ومهندسين وسفراء بالخارجية؟

تعالوا نجيب من الآخر. هل تعرفون أن أمريكا بجلالة قدرها بلغ فيها معدل بطالة خريجى الجامعات الذين تحت سن 25 سنة 10 %، وأن الديون المتراكمة على طلاب الجامعات هناك باتت أكبر من الديون الائتمانية المتراكمة على عموم الأمريكيين، وأن متوسط المصروفات للجامعات الخاصة يبلغ 27 ألف دولار سنويًا؟ هل تعرف أن نسبة عمال البريد الحاصلين على شهادة جامعية هناك أكبر الآن من نسبتهم قبل 40 سنة، وأن العاملين بمحال البيع بالتجزئة 40 % منهم يحملون شهادات جامعية، وأن أكثر من ثلث الأمريكيين يعملون بوظائف مربحة جدًا رغم أنهم لم يدخلوا الجامعة؟.. ستصرخ: مالناش دعوة بأمريكا وخلِينا فى حالنا.. لكن فى رأيك إلى متى سيظل حالنا الحالى هو حالنا؟

الخلاصة: أنه لن ينصلح حال التعليم عندنا بحق وحقيق إلا بتحويل مسار التعليم نحو التخديم على سوق العمل.. وتوجيه دفته نحو تصنيع المجتمع.. إذ لم يعد هناك معنى للاستمرار فى تعليم لا غاية من ورائه سوى الوجاهة الفارغة على حساب المستقبل. وللعلم هى عملية تبادلية، بمعنى أنه فى الوقت الذى سينتج لنا التعليم خريجين صالحين لسوق العمل فإنهم هم أنفسهم من سيطورون المصانع والورش والصناعات بحيث يصبح المجتمع ورشة ضخمة من الإنتاج تكفل تحويله إلى مجتمع متقدم.

كنا على سبيل المثال ننتظر أن يتضمن التطوير الجديد مناهج مبسطة لتعليم هذه المهارات.. وأن يبدأ ذلك من السن الصغيرة للأطفال.. وما الضير مثلا فى أن يكون بكل مدرسة ورشة مصغرة يتعلم فيها الطفل تلك المهارات.. فإذا كبر ووجد متعته فى واحدة منها فليلتحق بمصنع متخصص فيها.. ما المشكلة؟.. ثم ما فائدة الساعات الطويلة المملة التى يمضيها الطفل فى سماع المدرس يتحدث حديثًا لا علاقة له بالواقع ويغوص غوصا فى الماضى التليد؟ على أى حال هى مجرد فكرة والأجر والثواب على الله.


لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات

رابط دائم: