رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى أرمينيا..الثورة المخملية فى مفترق طرق

إيمان عارف
جانب من المظاهرات المؤيدة لزعيم المعارضة

منذ اندلاع المظاهرات الاحتجاجية فى أرمينيا منتصف الشهر الماضى والتى أطلق عليها لاحقا الثورة المخملية، والجميع فى حالة ترقب لما ستسفر عنه الأوضاع فى تلك الدولة الواقعة جنوب القوقاز والصغيرة من حيث المساحة والمهمة من حيث موقعها السياسى والاقليمي، فإلى جانب موقعها الجغرافى المجاور لتركيا وأذربيجان ولديها عداء تاريخى معهما، فإنها تحتفظ بعلاقات تعاون اقتصادى وعسكرى وثيق مع روسيا كونها كانت من جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق، حيث توجد قاعدة عسكرية روسية بأرمينيا، ومن خلالها تراقب القوات الروسية الحدود المشتركة مع أذربيجان، وهو ما يعنى أن عدم استقرار الأوضاع السياسية فى أرمينيا ربما يكون له تداعيات سلبية على هذه المنطقة بكاملها.

ولعل ذلك كان السبب فى الاهتمام الذى حظى به هذا الحراك الشعبى السلمى حتى الآن، رغم تعقد الأزمة التى ظلت تراوح مكانها والتطورات التى تشهدها يوما بعد يوم، وكان آخرها فشل زعيم المعارضة «نيكول باشينيان» فى الحصول على الأغلبية اللازمة فى البرلمان لانتخابه كرئيس وزراء انتقالى لحين اجراء انتخابات نزيهة وشفافة لانتخاب رئيس وزراء جديد للبلاد، خلفا للسياسى المخضرم سيرج سركسيان، الذى اضطر للاستقالة بعد 11 يوما من اختيار البرلمان له بسبب الرفض الشعبى العارم له ولمحاولاته التمسك بالسلطة حتى النهاية. حيث حصل باشينيان على 45 صوتا من اصوات النواب ولكنه كان يحتاج الى 53 ليحصل على الأغلبية فى المجلس الذى يتكون من 105 مقاعد.

وفى الوقت الذى حذر فيه نيكول باشينيان زعيم المعارضة من أن استمرار الحزب الحاكم فى المماطلة سيؤدى لانفجار الوضع فى النهاية، خاصة وأنه يحظى بدعم شعبى غير مسبوق، فإن كلا من رئيس الحكومة المؤقت وأعضاء مجلس النواب من الحزب الجمهورى الحاكم الذى يسيطر على أغلبية المقاعد مازالوا متمسكين بموقفهم الرافض لما يعتبرونه تصعيدا وعنادا من زعيم المعارضة ورغبه فى فرض ارادته عليهم، معتبرين أنه يتعين عليه بدلا من ذلك معالجة الازمة مع جميع القوى السياسية. وهو أمر بدا واضحا سواء فى رفض رئيس الحكومة المؤقت لقاء زعيم المعارضة الاسبوع الماضي، وكذلك فى رفض نائب رئيس مجلس النواب مطالب باشينيان بأن يسمح للإعلام بتغطية وقائع التفاوض مع الحزب الحاكم، حيث وصف هذا المطلب بالعبثية، وبأنه يصب فى النهاية فى مصلحة أذربيجان وتركيا عدوتى أرمينيا. الأمر الذى دعا زعيم المعارضة لاتهام الحزب الحاكم بأنه يسعى لتعميق الأزمة بدلا من حلها، وأنه مصر على التمسك بالسلطة رغم فشله فى التصدى لمشكلات الاقتصاد وتفشى الفساد.

وهنا يشير المراقبون الى أن المعارضة لديها أسبابها فى هذا التوجس، فرئيس الوزراء المستقيل سيرج سركسيان سبق له تولى منصب الرئاسة لفترتين رئاسيتين من عام 2008 إلى منتصف الشهر الماضي. ولأن الدستور يمنع الرئيس من البقاء فى المنصب لأكثر من فترتين، فقد قام نواب الحزب ممن يتمتعون بالأغلبية فى البرلمان باختياره ولكن هذه المرة كرئيس للوزراء بصلاحيات واسعة، حيث تم تعديل الدستور سابقا عام 2015 بعد استفتاء مثير للجدل، وتم بموجبه نقل القسم الأكبر من الصلاحيات لرئيس الوزراء وحول الرئاسة إلى منصب شرفى إلى حد كبير.

ويبدو أن هذه الخطوة لم تكن محسوبة جيدا بعد أن اعتبرها العديد من المواطنين محاولة للالتفاف للبقاء فى السلطة لفترة ثالثة، ومن ثم تسببت فى تفجر الموقف بكامله.

ومع ذلك ومع تعقد الموقف وانفتاحه على كل الاحتمالات بعد فشل باشينيان فى الحصول على الأصوات الكافية ليصبح رئيس وزراء انتقاليا، رغم أنه كان المرشح الوحيد بعد امتناع الحزب الحاكم عن تقديم مرشح فى محاولة لتخفيف حدة الأزمة القائمة، فقد رصد المحللون أكثر من ظاهرة اتسمت بها هذه الاحتجاجات السلمية.

أولها المشاركة الكثيفة من الجميع وخاصة الشباب والطلاب فى مختلف المراحل التعليمية، الذين نزلوا لشوارع العاصمة يريفان وتمسكوا بالبقاء لأيام طويلة مبررين ذلك برغبتهم وحرصهم على ايجاد مستقبل أفضل لهم. وبينما فسر بعض المتظاهرين ذلك بأنهم طالما شعروا بالسخط على الاوضاع السائدة ولكنهم لم يجدوا من يستطيع أن يقودهم ويحفزهم حتى ظهر باشنيان، وأنها المرة الأولى منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفيتى عام 1991 التى يعتقدون فيها بوجود مستقبل أفضل، فإن البعض الآخر يرى أن هذا الجيل لم يعش الحقبة السوفيتية، ولم يشهد الدعاية المروجة للحزب الواحد والصوت الواحد وبالتالى فهو أكثر حرية واصرارا فى المطالبة بحقوقه.

وثانيها رد الفعل الروسى الهاديء تجاه هذه الأزمة وهو أمر يعد غير مسبوق فى مشكلة تتعلق بدولة ليست فقط جزءا سابقا منها، بل مازالت تحتفظ بعلاقات وطيدة معها، فإلى جانب التحالف الاقتصادى بين موسكو ويريفان فأن أرمينيا جزء من التحالف العسكرى الاقليمى مع روسيا، ومن ثم يبدو اهتمام روسيا بهذه الدولة طبيعيا ومفهوما.

وقد عكس بيان الكرملين هذا التأنى حيث أكد أن تجاوز الأزمة الداخلية يتطلب أن تتحلى القوى السياسية بضبط النفس والاستعداد لحل المشكلات العالقة ضمن الاطار الدستوري، بينما اكتفت وزارة الخارجية الروسية بإعلان أن موسكو تتابع باهتمام تطورات الوضع فى أرمينيا. ويبدو أن هذا الادراك لأهمية روسيا دفع زعيم المعارضة فى وقت سابق للقاء وفد من النواب الروس، وتعهد بعده بالحفاظ على علاقات وثيقة مع روسيا ومع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الاوروبي.

هذا الموقف الروسى يعد مغايرا تماما لما حدث إبان ثورة جورجيا عام 2003 والثورة البرتقالية فى أوكرانيا عام 2004، وحتى فى الأزمة الأوكرانية الأخيرة. وتفسير ذلك فى رأى بعض المراقبين أن الجانب الروسى يتفهم أن جذور الازمة فى أرمينيا داخلية، على عكس ما حدث فى حالات أخرى فى الفضاء السوفيتى السابق، حيث كان التدخل الخارجى واضحا وملموسا، فما يحدث فى أرمينيا لا يدخل فى نطاق الثورات الملونة.

كما أن روسيا تدرك جيدا أنه حتى فى حالة نجاح هذه الاحتجاجات وانتقال أرمينيا إلى فصل جديد من تاريخها، فإن اعتمادها الاقتصادى والعسكرى على موسكو لن يتغير، خاصة وأن النزاع القائم مع جارتها أذربيجان حول إقليم ناجورنو كارباخ مازال قائما ولم يحل.

لقد دعا باشنيان -42 عاما- وهو صحفى سابق ونائب برلمانى حاليا المواطنين لبدء حملة عصيان مدنى شامل لحين تفاعل نواب البرلمان والحزب الحاكم مع الازمة الحالية، خاصة وأن الدستور ينص على ضرورة أن يعقد البرلمان جلسة أخرى لاختيار رئيس الوزراء خلال أسبوع وإذا فشل مرة أخرى يتم حله، كما أنه يؤكد مرارا أنه الوحيد القادر على اقتلاع الفساد من جذوره وقيادة البلاد نحو انتخابات برلمانية حرة، الأمر الذى يجعل التكهن بتطورات هذه الأزمة أمرا بالغ الصعوبة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق