رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السينما عادت.. ما المشكلة ؟

أولاً، وقبل أى كلام، وفى قول واحد (وهذا هو رأينا والأجر والثواب على الله): لقد وُفقت الحكومة السعودية فى قرارها بإعادة افتتاح دور العرض السينمائى فى المملكة بعد انقطاع دام عقودًا.. وها هى صالات العرض السعودية ستبدأ الأربعاء المقبل (كما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية) عرض الفيلم العالمى الذى يلقى استحسانا عالميا كبيرا ويحقق نجاحا فائقا؛ فيلم «بلاك بانثر».

لكن - وقبل البدء فى مناقشة هذا الأمر- دعونا نطرح دفقتين بريئتين من الأسئلة.. أولًا: هل هناك شقيق سعودى - أو شقيقة - لم يشاهد ولو لمرة واحدة فى حياته فيلما سينمائيا؟ ألا يتابع المواطنون هذه الأفلام على اليوتيوب وفى الفنادق والأندية.. بل وأحيانا داخل المنازل نفسها؟ فهل عندما شاهد هذا الشقيق أو تلك الشقيقة الفيلم خرج على الناس (والعياذ بالله) وقد تزعزعت عقيدته؟ لم يحدث ولن يحدث، إذ كيف لفيلم أن يزيل إيمانا بالله الخالق رسخ بالقلوب وجرى فيها مجرى الدم؟ وهل إيمان المرء منا ضعيف إلى حد أن يؤثر فيه عرض سينمائي؟

ثانيًا: هل المواطن السعودى أقل من بقية مواطنى الدنيا كلها فى متابعة ما يجرى فى العالم من تطورات؛ سواء على مستوى العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والعلاقات والقضايا الدولية، أو الثقافة والفنون (بما فيها فن السينما)؟ فلماذا الافتراض بأن السينما وحدها هى التى تمثل خطرًا على عقل الأمة؟ أليست المخاطر محدقة بنا من كل مكان، ولن ينقذنا منها إلا الثقة فى الله تعالي، ثم بالنفس، ثم حب الوطن، ونضوج شخصياتنا لنكون قادرين على المواجهة؟

البعض من المتوجسين خيفة من تلك الخطوة (ومعهم كل الحق) أعربوا عن مخاوفهم من أن تكون السينما بابا يعبر منه الشيطان فيفسد أخلاق وسلوك وعادات شباب الأمة، وذلك من خلال الرسائل الشيطانية الخبيثة الخفية التى يبثها صُناع الأفلام أحيانًا بغرض اصطياد عقول هؤلاء الشباب. والسؤال هنا: هل الدولة ضعيفة أن تكون قادرة على درء الخطر وتقديم الضمانات الكفيلة بحماية الأمة؟

.. ثم هل المجتمع السعودى - بما عُرف عنه من تقاليد وأخلاق راسخة - سيسمح بتمرير تلك الرسائل التخريبية؟ إن صلابة المجتمعات من داخلها هو ما يحميها من أى آثار ضارة تأتيها من خارجها. وعلى كل حال، فقد كانت وزارة الثقافة والإعلام السعودية واضحة الوضوح كله فردّت على هذا التخوف بالتأكيد على أن محتوى العروض سيخضع للرقابة وفق معايير السياسة الإعلامية للمملكة.. فلماذا الخوف إذن؟

علاوة على ذلك، فإن فى حكاية عودة السينما هذه جانبًا آخر لم يتوقف عنده الكثيرون (سواء من المؤيدين أو المعارضين)، ألا وهو الجانب الاقتصادي. إن السينما -يا سادة- هى بالأساس صناعة وإنتاج وأموال.. ألم تسمعهم يقولون «صناعة السينما»؟ فهل هناك من يتجاهل حقيقة أن أى اقتصاد قومى لأى دولة بالعالم الآن تعتبر السينما فيه جناحا من أجنحة قوته؟ اسألوا إن شئتم عن إسهام «هوليود» و«بوليود» فى الاقتصاديْن القوميين الأمريكى والهندي!

البعض من خبراء الاقتصاد السعودى يشيرون إلى أن نحو 24 مليار دولار سوف تتم إضافتها خلال سنوات قليلة إلى إجمالى الناتج المحلى السعودى بسبب صناعة السينما، كما أن تلك الصناعة المهمة يمكن أن تؤدى إلى إيجاد 30 ألف فرصة عمل جديدة.. ترتفع إلى 130 ألفًا مع حلول عام 2030 .

بل والأكثر من هذا، فإن البعض قد يحاجج بأن السينما - على النقيض من المخاوف السائدة الآن- يمكن أن تتحول (إذا ما تعاملنا معها بذكاء ودراسة واحترافية) إلى أداة لنشر دين الله الحق الوسطى المعتدل، والنأى بالعقول الشابة عن الانحراف الفكرى والتطرف المذهبى اللذين يُعدان الوقود الأكبر لنجاح تنظيمات الإرهاب فى تشويه صورة الإسلام.

وقد يحلو لواحد من أصحاب هذا الرأى أن يسألك: بماذا شعرت وأنت تشاهد فيلم الرسالة للمخرج السورى الراحل مصطفى العقاد، والذى دار عن كفاح رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لنشر دعوة الإسلام للعالمين؟ هل راودتك ولو ذرة شك واحدة والعياذ بالله فى عظمة هذا الدين وعبقرية ما سعى نبى الله محمد (ص) إلى تعليمه للناس كافة؟ ألا يمكنك أن تقول الشيء نفسه عن العديد من الأفلام التى أنتجت وسوف تُنتج فى قادم الأيام؟

إننا فى مصر عرفنا السينما قبل نحو مائة عام (يذهب النقاد إلى أن أول فيلم أنتجته السينما المصرية كان فيلم ليلى الذى أنتجته عزيزة أمير عام 1927).. فهل أنستنا السينما -نحن المصريين- إيماننا بالله الخالق؟ انظر إن شئت إلى مساجدنا العامرة بذكر الله، وإلى جموع الحجيج والمعتمرين يتوجهون إلى الأراضى المقدسة للركوع والسجود والابتهال تضرعًا لخالق الكون. ثم ألم تر إلى مصر- وهى فى عز رواج سينماها- وقد أنجبت أحفظ وأخشع الأصوات قراءة وتلاوة وتجويدًا لكتاب الله الكريم؟

إن السينما فن كبقية الفنون، وهى إحدى مظاهر الحداثة والتطور البشري.. فكيف نحرم ساحاتنا العربية من هذا المعين الذى لا ينضب من المتعة والتثقيف والتوعية مادام ذلك سيتم تقديمه وفق عقيدتنا وأعرافنا وتقاليدنا الراسخة؟ وحتى فيما يتعلق بتعامل السينما مع قضايا المرأة.. هل من العدل أن نحصر هذه القضايا فى مجرد حديث عن العرى والخلاعة والمجون؟ إن المرأة العربية هى نفسها التى سترفض تقديم صورتها على هذا النحو. إننا نحن الذين نصنع السينما وليست هى التى تصنعنا.. فنحن كاتبو النصوص، ونحن الممثلون، ونحن المخرجون.. فلنصنع إذن السينما الملائمة لنا، والتى تسهم فى بناء مجتمعاتنا، وكفانا دفنا للرءوس فى الرمال!


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: