رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

د. محمد ماهر قابيل الحاصل على جائزة الدولة فى الآداب:
أشباه المثقفين استغلوا وظائفهم ليصطنعوا لأنفسهم شهرة لا يستحقونها

د.رجاء ليلة

الثقافة هى جوهر الوجود الحضارى للمجتمع فى كل مكان وزمان؛ فهى التى تشكل العقل والوجدان، وتقرر ما ينبغى أن يكون على أساس ما هو كائن، وتحدد وسيلة التطور من الأدنى إلى الأسمى، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الضعف إلى القوة.

فى السطور المقبلة نطرح كل التساؤلات المرتبطة بالثقافة على أحد رموز الثقافة؛ الكاتب والمفكر الدكتور محمد ماهر قابيل الحاصل على جائزة الدولة فى الآداب سنة 1993، الذى اختارت وزارة التربية والتعليم «نشيدين» من تأليفه فى كتابين للتربية الدينية الإسلامية بالمرحلة الابتدائية لمدة خمس سنوات للصفين الرابع والخامس الابتدائى، كما اختارت الوزارة أيضا إحدى قصصه بعنوان «أبى نجار السواقى» وهى التى حصل عنها على جائزة الدولة فى الأدب، وسلسة «قصة مثل» فى القائمة الببليوجرافية للكتب المختارة للمكتبات المدرسية بمختلف المراحل التعليمية خلال عام 1992 - 1993، وكذلك سلسلة «بلوتو» عام 1994 - 1995. وقام بتأليف 35 مؤلفا فى مختلف مجالات فروع المعرفة ونشر له العديد من البحوث فى الكثير من الدوريات العلمية والمجلات المتخصصة منها «السياسة الدولية» و«الأهرام الاقتصادى» و«الموقف العربى» وعدد من المجلات الثقافية.

..................

يقول د. محمد ماهر قابيل إن الثقافة فى المجتمع تؤثر فيه وتتأثر به إيجابا وسلبا، فالثقافة فى جوهرها نظام قيم، وهى بالتالى يمكن أن تشكل الوعى الجمعى على نحو يرسم صورة الحياة الواقعية كما تعكسها تلك الثقافة. والنموذج الدال على ذلك ما صنعته الثقافة الإسلامية فى المجتمعات التى أخذت الهوية الإسلامية والثقافة العربية معا، أو حتي أخذت أحدهما دون الآخر؛ فمصر بعد الفتح الإسلامى أخذت العقيدة الإسلامية والثقافة العربية معا، وكذلك كان الحال فى السودان وليبيا وتونس والمغرب، أما فى مجتمعات أخرى مثل المجتمع الفارسى فقد أخذ العقيدة الإسلامية دون أن يأخذ الثقافة العربية كثقافة سائدة وظل محتفظا بهويته الفارسية، فأخذ أحد المكونين دون الآخر. وانعكست الثقافة الإسلامية على حضارته لكنه ظل محتفظا بهويته القومية.

ويضيف قائلا: يبدو من ذلك مدى تأثير الثقافة على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى المجتمع ولكن فى المقابل تنعكس الخبرة الواقعية أيضا بدورها على الثقافة؛ فعندما تضعف القوة العسكرية ويهزم المجتمع فى مواجهة المد الخارجى تبعا لمنطق فائض القوة ينعكس التراجع الاقتصادى السياسى الاستراتيجى على الثقافة السائدة تبعا لمنطق: أنا منتصر إذن أنا أقوى، وأفضل. وأنت مهزوم إذن أنت أضعف وأقل.من ثم يكون من حقى أن أفرض عليك ثقافتى مثلما أفرض عليك قيمى وقوانينى وربما حتى تقاليدى المعمول بها فى بلادى.وهكذا تؤثر الثقافة الذاتية فى حالة المد القومى وتنحسر فى حالة الجزر القومى وتكون تلك العلاقة التبادلية بين الثقافة وبين الخبرة الواقعية وهكذا سادت الثقافة الإسلامية فى مجتمعاتها حتى انهزمت تلك المجتمعات استراتيجيا، ففرض عليها المنتصر ثقافته وانقطعت حضاريا عن أصولها الأيدولوجية، ولم يعد من السهل وصل الأسباب التى انقطعت فصار الموقف الثقافى فى المجتمعات الإسلامية أشبه بخلطة من العشوائية والتخبط لا تنتمى إلى الهوية الحضارية للأمة وتحولت الهوية إلى مطلب بين المطالب وإلى قوة مضطهدة بين القوى.

ويرى محمد ماهر قابيل أن الثقافة تعلو رأس الحياة وعندما يستقل المجتمع استقلالا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وإستراتيجيا حقيقيا تتحقق له العزة والكرامة ويكون فى موقف الفعل والمبادرة لا رد الفعل والتبعية وتتوازن الثقافة على قمة المجتمع فى حالة من الثبات والاطمئنان لكن عندما يضعف المجتمع وتتداعى عليه القوى يختل توازن الثقافة على قمته حتى تهتز وربما يطرحها أرضا ويطأها بقدميه.

وعن حال المثقفين اليوم يقول: ربما كانت الحيرة هى أصدق وصف لحال المثقفين العرب الذين ضيعتهم المسافات الشاسعة بين ما هو كائن وبين ما ينبغى أن يكون بين الواقع الطموح وأيضا الضرورة والواجب.. المتاح والمفروض وكذلك بين الممكن والمستحيل. استغرقتهم المفارقات حتى وصلت إلى مرحلة تغرقهم فيها بحيث لا يطفو منهم على سطح الحقيقة إلا قلة قليلة غائبة أو مغيبة ربما مصيرها عادة القتل المعنوى إن لم يكن القتل المادى.

أما عن دور المثقفين حاليا فيقول: لو كانت للثقافة نقابة مهنية تعتمد المعايير الصارمة لوصف «المثقف» ربما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتبين المثقفون من المتمسحين بالثقافة والمنتحلين لها زورا وبهتانا. المثقف الحقيقى قائد رأى فى المجتمع وعندما يقود المجتمع يقوده من منطق الرؤية الذاتية لكن عندما تطغى أشياء أخرى على القيم العليا يختل نظام القيم ويتحول المثقف إلى متغير تابع لمتغير مستقل هو عادة السلطة المحلية القائمة وبالتالى يتحول المثقف من قائد إلى منقاد سواء اعترف بذلك أم أنكره وبعضهم يعترف صراحة دون مواربة أنه فى خدمة السلطة القائمة أيا كانت تلك السلطة وبالتالى لا يجد حرجا فى أن يتجه الاتجاه وعكسه ويرى الرأى ونقيضه ويذهب المذهب وضده طالما استدعت الظروف السائدة ذلك. وثمة مسافة طويلة بين المثقف وبين مدعى الثقافة هى ذاتها المسافة بين الثقافة وبين صناعة الثقافة مثل المسافة بين الجمال وصناعة الجمال مثل المسافة أيضا بين الفن وصناعة الفن ويبدو ذلك فى مشهد المثقف الحقيقى والمحجوب عن الأضواء وحتى عن النشر فى مواجهة مدعى الثقافة الذى يجد طريقه بسهولة إلى وسائط الشهرة فيتحول إلى العنوان المتضخم على لا شيء.

صناعة الثقافة هى متهم حقيقى بتلك المفارقة، فكم من مثقفين رواد وقمم محجوبون عن الوصول إلى الناس وكم من شخصيات جوفاء تتصدر الساحات وتعتلى المنابر دون أن تستحق ذلك.

ويتناول محمد ماهر قابيل التغيرات الثقافية اليوم وانعكاسها على الكتاب بقوله إن التطور التكنولوجى والسياسى ينعكس على الثقافة بتغير وسائط نقلها وبالتالى تغير أطر وجودها، فثقافة الكتاب الورقى تختلف بصورة أو بأخرى عن ثقافة الكتاب الإلكترونى، وعندما تدور العجلة دورتها ليعلو الهابط ويهبط العالى فتتداخل الألوان حتى مقتل الطيف ذاته يكون المتلقى بالتالى إزاء مشهد مضطرب لا يتفق مع ضرورات الثبات وحيثياته.

ويصف حال الثقافة فى المجتمع قائلا إنها أشبه بمتفرقات من المفارقات التى حولت المثقف إلى كائن منقاد أو مهمش مدجن خائف ومتردد وحائر فى حالة من الذهول إزاء تلاحق المتغيرات من حوله دون أن يملك القدرة على أخذ زمام المبادرة أو حتى المواكبة بحيث يتحرك إلى الوراء حينا ويتخبط يمينا وشمالا حينا آخر أو يتقدم على غير المعادلات الضابطة للتقدم فيكون تقدمه قفزا عشوائيا إلى هاوية المجهول بدلا من أن يكون صنعا محددا للمستقبل المستهدف.

كما يوصف المثقف أحيانا كأنه يسبح وسط العاصفة فى محيط متلاطم الأمواج دون أن يصل إلى شاطئ الحقيقة أو حتى يقترب منه أو يحتفظ بأمل الوصول إليه.. يظل المثقف فى تلك الحالة الاستثنائية أشبه بمن يحاول أن يتشبث بطوق نجاة ليحافظ على رأسه طافيا فوق سطح الماء يلتقط أنفاسه حتى يحتفظ بالحد الأدنى من الحياة دون أن يرتفع بأحلامه إلى صنعها وربما كان جلد المثقف بسياط الحاجة والخوف والقهر والعجز هو الذى يقوده فى النهاية إلى تلك الحالة المتردية من التشكل بالشكل دون إمكان تحقق المضمون.

ويقول الكاتب الكبير بحسم: إن مأزق المثقف فى ذلك أنه يستغرق فى الأخذ بأسباب البقاء على قيد الحياة؛ على قيد الوظيفة، حتى يفقد الحياة والوظيفة معا، دون أن يحقق الرسالة الثقافية التى كان عليه أن يحققها .هو فى ذلك أشبه بالموظف الذى يعنى بتوقيعه فى دفتر الحضور والانصراف دون أن يعنى بأداء العمل فيتحول استيفاء الشكل الثقافى إلى منتهى المراد من المثقف وتتلاشى الثقافة ذاتها فى الخضم الذى لا يقوى عليه المثقف. هى إذن معادلة الإمكان والعجز؛ العطاء والأخذ، الوقوف على حافة المنحدر ليكون الهم الوحيد هو الحيلولة دون السقوط بلا أى أمل فى الصعود. وهذه سياسة ربما تكون متعمدة من الذين يعنيهم أن تتخلف الأمة وأن تنهزم وتتمزق وتتفرق إلى أقليات متناحرة يكون المثقفون فيها بعض الضحايا بدلا من أن يكونوا قادتها إلى الوحدة والقوة.

وعندما تتراجع الثقافة تحت ضغوط الحياة اليومية وسط حصار الظروف القهرية التى لا تقدر الثقافة ولا تريدها لا تتمكن الثقافة من القيام بدورها، فإذا لم تتلاش كان عليها أن تحتجب آسفة على مجتمع لا يبالى بها.فيكون مصير الثقافة أن تنتظر أو تتوارى أو تدخل سراديب النسيان حتى تؤول إلى دفاتر ما مضى وما كان. ويكون قدر الثقافة أن تتقهقر لتخلى الساحة لأشياء ثانوية تتواصل على حساب الثقافة وأشخاص يعيشون على موت الثقافة ويسود المشهد أشباه المثقفين الذين استغلوا وظائفهم فى وسائل الاتصال الجماهيري كى يصطنعوا لأنفسهم شهرة لا يستحقونها ويتكتلوا معا ليحولوا بين المثقفين الحقيقيين و الوصول إلى الناس وليس لأشباه المثقفين من الثقافة إلا اسمها ولكنهم يجيدون ممارسة الانتحال فينتحلون لأنفسهم الصفات الثقافية التى تظهرهم بمظهر قادة الرأى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق