رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طيور الارض

نجلاء علام

كثيرا ما كنت أتساءل عن معنى تحليق الطيور فوق أماكن بعينها، هل تدفعها تيارات الهواء إلى ذلك؟ هل هى إشارات لسرب قادم من بعدها؟ أم فرحة التحليق وامتلاك السماء؟

لم أعرف إجابة قاطعة، ولكن الإجابة السهلة التلقائية اليومية التى كنت أسمعها على لسان أمى عندما يدور أى سرب طيور فوق بيتنا، وهو يخترق سماء شارعنا فى موسم الهجرة، تجيبها بصوتها المشروخ دائما من أثر الصراخ أمام ماكينة الغزل حتى يسمعها من بجوارها : «أهلا بطير الخير، تحمل رسالة لمن، يا رب تكون رزق»!.

ويظل السؤال معلقا داخل إجابتها مترددا فى ذهنى، حيث لا إجابة مؤكدة، المؤكد أن طيور الخير ودعت أمى وهى فى نعشها متوجهة للمقابر، خرجنا فى الصباح الباكر نحمل النعش إلى المقابر بخطى سريعة، كنا عشرة رجال فقط، صرخت فى نساء الجيران وزميلاتها فى الأشغال الكثيرة التى تنقلت بينها أن يجلسن فى الشقة، فالدفن مقصور على الرجال، أما رجال العائلة فقد تفرقوا كل فى اتجاه، عائلة أبى انقطعت أخبارها بموته، وعائلتها أيضا انقطعت أخبارها بموتها، فلستَ مرغوبا فيك وأنت تعول طفلين صغيرين، وهكذا تم الاكتفاء ببعض الجيران، كنت أتبادل حمل النعش أنا وأخى إبراهيم وكانت الطيور تحلق حولنا وتدور وكأنها تودعها وكأنها تلقى لها بالرسالة الأخيرة.

كان الحصول على قميص جيد من سوق المستعمل أمرا شاقا، وقفت أمام العربات الكارو الكثيرة المحملة بالبضائع المختلفة الألوان والمقاسات، مر سرب الطيور بالشارع الطويل، وحلق حول منتصفه، دار عدة دورات ثم اختفى فى السماء، ذهبت إلى منتصف الشارع وهناك وجدت ضالتى قميصا كأنه جديد بألوان زاهية على مقاسى، كتب البائع على العربة خمسة جنيهات وعندما رأى القميص فى يدى صرخ فى الطفل الواقف بجواره : قلتلك الحاجات الحلوة تعلقها هناك.

وأشار إلى شمّاعة رُصت عليها الملابس الأنيقة كتب عليها: خمسة وعشرون جنيها، أعطيته الخمسة جنيهات ومضيت.

لم أكن أتحدث مع نفسى عمَّا سأفعله ولا عمَّا يحدث لى أنا وأخى، ولم أعتد الشكوى بينما ورث إبراهيم عن أمى عادة تكرار الأحزان والأحداث، وكنت دائما مصرًّا على أن تكرار الأحزان يزيد من إحساسك بها، أما الأحداث فعليك أن تتصرف حيالها توقفها أو تستفيد منها، أو تتجنبها وتمحوها من ذاكرتك إذا لم تستطع أن تغيرها، وعلى هذا انفصلنا أنا وإبراهيم، هو أحب الشكوى والأحزان وراح يتسربل فى ذكرها ولهذا سافر إلى الصعيد للبحث عن عمه وتجارته الواسعة، وبقيت أنا فى القاهرة أصارع الأيام.

بعض العمل فى المساء لا يضر، السهر فى السوبر ماركت والدليفرى لا بأس، التأهب للذهاب للجامعة صباحًا فى أيام السكاشن والتنقل بين ثلاث وسائل مواصلات نزهة لطيفة، الوقوف فى طابور الإعانة والحصول على شهادة الفقر لصرف نصف الكتب الجامعية مجانا لا ضير، التركيز فى المذاكرة فى آخر شهر والنجاح بمقبول إنجاز، الرضا بطعم الفول والطعمية فى الوجبتين اليوميتين طوال الاسبوع «نباتى»، قميص فى الصيف للجامعة وفى الشتاء بلوفر اشتريته من نفس العربة فى الشارع الواسع أناقة، ومرت الأيام ............

كيف لا تَحِنُ طيور السماء إلى الأرض، على الأرض تبسط الأشجار وتنتشر الحبوب، توفر الأرض لساكنيها سبل البقاء وحتى الطيور الجارحة توفر لهم الأرض الضحية بسهولة، فما الذى يجعل الطيور تترفع وترتفع عن الأرض، وتحن إلى سحب تليها سحب فى طبقات لا تنتهى، تزعق الطيور بها ولا مُجيب، هكذا صرتُ مشغولا بأمر الطيور التى تحوم فوقى فى دوائر ثم تعلو وتختفى.

بقلب سليم واجهت الهزائم الصغيرة، لا أحد يفرح لك وأنت تحمل الشهادة الجامعية، لا أحد يبحث لك عن عمل يكفيك، لا أحد يزين لك الصبر، وتعلمت صحبة نفسى حتى أصبحت الصديق والصاحب والناصح والحبيب، وتقدمت لعشرات الاختبارات ولم أُقبل، فى النهاية قررت أن أعطى نفسى راحة، تنقلت بين الشوارع النظيفة واطلعت على أحدث الأزياء ومررت بالشارع المنتظر، كان هادئا وقورا يشعرك بالهيمنة ورفعت عينى إلى السماء، كان سرب الطيور يشق سماء الشارع وفجأة دار مرتين حول المبنى، وجف قلبى وللمرة الأولى تمتمت للسرب قبل أن يصعد للسحاب هل أنت متأكد؟! ظل السرب فى صعوده كأنه يخيرنى ودخلت.

قالوا إن دخول مؤسسته حلم، والعمل بها ارتقاء، والتقرب منه منحة، فكيف استطعت الوصول إلى كل هذا فى سنوات قليلة، كانت الطيور تزورونى كل فترة تحوم حولى وكأنها تبارك اختيارى.

المحبة داء البشرية، نتعلق بالمحبة لنبرر أخطاءنا ونزيف واقعنا ونتحمل مسئوليات، أما فى صحبته فأنت غير مضطر للكذب على نفسك وادعاء محبته، أنت مشبع داخلك بشعور الاطمئنان، شعور الفخر أنك تنتمى لهذا الشخص، كل ما سيأتى هو قادر عليه وكل ما كان بعضا من عقله، لا تتعلم معه فقط فنون العمل، عقد الصفقات والمفاوضات بل تتعلم أن يكون خصمك كتابا مفتوحا أمامك وأنك فى أى لحظة ستجعله يقرأ الصفحة التى تريدها أنت وتجعله يطوى كتابه بيده، ويقول الكلمة الوحيدة التى تشجى آذان الباشا: أوامرك.

هنا أنت فى سباق محموم لإرضائه ، تكفى نظرة منه لتعرف ماذا يريد، بجوار السور وقفنا نستتر بالليل، كانت مهمتى الإشراف والتوجيه، أعرف أنه يريد عملية نظيفة دون إصابات أو دليل، جاء الرجل فظهرنا من خلف السور، كان كمن ينتظر قدره، لم يقاوم، لم يجرِ، لم يصرخ، فتح الباب ودخل ودخلنا وراءه، عرضت أمامه الأفلام المسجلة له، وصور الأوراق التى تثبت إدانته، كنت وأنا أتحدث أرى الباشا أمامى يساندنى يقول لى إن الثقة بالنفس أهم شىء، اجعله يشعر أنك امتلكته ، افتح أمامه أبواب اليأس ، اجعله يرى مصيره لو استمر فى الحياة.

واجعله ...... وفجأة وأنا أتحدث سحب مسدسه وكانت طلقة واحدة فى الرأس فلقت الجمجمة وأخرجتْ المخ، بهدوء انسحبنا وتركناه.

هل كانت الطيور تحوم حينها فى السماء، لا أعلم، كل ما أعرفه أنها حومت حولى فى صباح اليوم التالى وأنا ذاهب إلى العمل، حومت حولى وأنا أستعد لركوب السيارة الفاخرة التى تقلنى كل يوم للعمل، فما كان منى إلا أننى قذفتها بالطوب وصرخت ماذا تريدين بالضبط؟ هل أنتِ راضية فرحة حزينة مستاءة غاضبة؟، هل جئت تباركيننى أم تلعنينني؟ اذهبى.

والغريبة أن السائق قام ومسح فضلات الطيور من على زجاج الشباك وهو يبتسم ويقول: بشرة خير يا بيه سيأتى لك رزق!.

فى مضمار الجرى لا ينظر أحدنا للسماء، الكل ينظر إلى الأرض، ينظم نفسه ويلين عضلاته ثم يبدأ الانطلاق، يجرى فيطوى الأرض طيا، يعدو فيتسع المضمار أمامه وتقل الأرجل، ينهب الأرض بأقدامه نهبا، يشعر برشاقته وخفة أرجله وأنها لم تعد تلمس الأرض إلا حثيثا وعندما يصل إلى نهاية السباق لا يزيده هذا إلا إصرارا على الفوز فى المرة المقبلة أيضا وهكذا لا تنتهى اللعبة، وكأن الفوز لا يروى عطشان بل يزيده.

وتتراقص الحسان حول المضمار ويصبح الاختيار صعبا فالمواصفات المطلوبة ترتفع بارتفاع أسهمك فى الفوز، وينحصر الاختيار فى اثنتين تفاضل بينهما، ويفاجئنى ذات يوم، وأنا أعرض عليه تقرير العمل اليومى بحسابات الربح والربح فقط، فاحتمال الخسارة دائما غير وارد وإذا حدث سيحوله لربح فى دقائق، يفاجئنى بالسؤال: لماذا لم تتزوج حتى الآن؟.

نظرت له نظرة اطمئنان فمازالت أفكارنا تتلاقى وتكمل بعضها، وحينها ضحك وأكمل هل تقارن بين ليلى ومى، إذا قبلت نصيحتى تزوج ليلى فبرجها متوافق مع برجك!.

هكذا حتى فى العمل كان يوجه وينصح ويشرح ولكنه لا يلزمك بشىء حتى تختار، وهو دائما قادر على جعلك تختار ما يختاره وقادر على جعلك تحب اختيارك وتفرح به وتراه أفضل البدائل، هكذا تزوجنا أنا وليلى، كان زفافا أسطوريا تحدثت عنه جميع الأوساط، وجاد عليّ فى حفل الزفاف بأكثر مما توقعته، فقد أهدانا طائرته الخاصة حتى نسافر بها إلى جزيرة فى عمق المحيط الهادى وحجز لنا بها قصرا كى نقضى به شهر العسل، كانت ليلة من ألف ليلة، ما عكر صفوى عندها ظهور إبراهيم، لا أعرف من أين جاء ولا كيف عرف بمكان وموعد الزفاف، ولكنه جاء واحتجزه الأمن وجاءنى كبير الأمن وأنا جالس بجوار العروس كى يسألنى عنه قال: إن شخصا يقف بالخارج اسمه إبراهيم، ملابسه رثة ويبدو أنه مدمن ويدعى أنه أخوك!.

إن نوعا من صد الهجوم الآن بكياسة وبصوت خفيض سيبدو مثل إذعان لقائد أمن المؤسسة، ووصمة لن أستطيع محوها فيما بعد ولهذا صرخت فيه أعنفه : لو لم تعرف مهام عملك يأتى الباشا بغيرك فى الحال، أنت تعلم المصائب التى تطارد الناجحين والأغنياء.

وهكذا انصرف قائد الأمن وانصرف معه شبح إبراهيم.

ولكنه عاود الظهور مرات ومرات أمام المؤسسة يقف كى يشحذ، طرده الأمن مرات وأبلغوا عنه الشرطة التى استضافته أياما فى الحجز ثم خرج، وعاد مرة أخرى وحينها تعللت بالعودة للبيت لأمر مهم وصرفت السائق وقدت السيارة ببطء وأنا أدندن بنغمتنا المفضلة التى كنا نصفر بها ونحن أطفال فى الأماكن المزدحمة حتى نتلاقى، ومشى إبراهيم وراء النغمة وعند شارع بعيد فتحت الباب فدخل إلى السيارة وهو يقول: حلمت البارحة بأمنا وكانت تبتسم وتحمل فى يدها طائرا لونه أبيض وقالت لى: أعط هذا لعباس.

فقلت بسرعة: مروان اسمى مروان.

انطلقت بالسيارة أنظر للطريق بينما انشغل إبراهيم بالتحديق فى الطيور الكثيرة التى تحوم فى السماء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق