رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

يامتولى

أسماء هاشم

تعرفون متولى وأخته شفيقة، متولى الذى «عزل الجتة من زورها» كما ذكر الريس حفنى فى مواله، لكنكم لا تعرفون افتتان جدتى برجولته وبطولته. تحكى عنه وتردد حكايته وتضيف لها أحيانا بعض التفاصيل لتتناسب وبطولته. حولت جدتى المسجل الذى أرسله أبى بعد سفره للعمل فى الخليج إلى محطة إذاعية تبدأ بثها اليومى بربابة الريس حفنى التى ما إن يحرك الوتر على قوسها حتى تجتمع الجارات فى سقيفة الجدة ليستمعن لسيرة شفيقة ومتولى ويتنافسن فى سرد تفاصيل جديدة عن شفيقة، تفاصيل عف لسان الريس حفنى عن ذكرها. الريس حفنى يكرر المقاطع بإلحاح فلا تفوت السامع أى فقرة من حكاية متولى. كما أن صوته الرنان كما ربابة مشدودة يصدح فى فضاء النجع ويرتفع كجناحى طائر ضخم يظلل المكان.

كانت جدتى تتمايل مع ربابة الريس حفنى وتسح دموعها وهى تتابع رحلة متولى حين انقطع الشريط وهى تخرجه من المسجل لتشغله على الوجه الثانى فزعت ملامحها وهى تستغيث بمن يخرج الجزء الحبيس منه ويعيده لسيرته الأولى.. وقتها تطوعت الجارات بوصف علاج الشريط وساهمت أخريات فى إتمام العملية إذ أحضرت طلاء الأظافر من بيتها وبدأت فى لصق طرفيه وظلت تحافظ على التصاقهما وتمسك بهما برفق حتى تم جفاف الطلاء، حين شغلته استشعرنا ارتياحا ملأ وجهها واطمأنت رفيقات جلسة الاستماع أن مكان المعالجة لم يؤثر على تسلسل الحكاية ولم يتحشرج معه صوت الريس حفنى. وبدأ رنين صوت الريس حفنى يصدح بالحكاية من بداية دخول متولى الجيش وترقيته وثم إذلاله من العسكرى الــ «ماشى بكيفه» حتى وقوفه أمام القاضى حسن «اللى كان كله فضل وإحسان» ومرورا بعدم رضوخه بتوسل شفيقة وصرخته وهو يقطع رقبتها «دى رقعة ما تطلعشى من توبى». متولى الذى تتمنى كل عضوات جلسة جدتى أن يرين أولادهن مثله كان يرعبنى كل ليلة وأظل مختبئة تحت الغطاء.

مالا تعرفونه أيضا أن مشهد الذبح يطارد ليلى ويتكرر ببطء سينمائى فأراه يجرجرها ويطوى شعرها على كفه الغليظة المفتولة يضغطها إلى الأرض ويعرى عنقها الاسطوانى ويضع السكين الحادة ليقطع الجلد الرقيق. يجز ويجز حتى تغيب سن السكين فى اللحم ولا تتوقف إلا بعد فصل الرأس عن الجسد. أصرخ على صوت ارتطام الرأس بالأرض وهو يلقيه على قارعة الطريق ليراه الذين تجمعوا ليشهدوا ما فعل، بينما هو يعلن لهم بجلبابه الملطخ بالدماء ويده التى مازالت قابضة على السكين «أنا جرحى فى قلبى سكنته يا ناس وسعوا لى سكة انتوا».

أصرخ هربا من مشهد السكين والدم ينقط من شفرته الحادة وعيون شفيقة الشاخصة وفمها الفاغر وصرخة الاستغاثة التى لم يسمعها أحد. ألوذ بأطراف الغطاء وأقضى لحظات رعب حقيقى قبل أن أنتبه أنه كابوسى الذى لا يفارقنى. يطاردنى كل ليلة حتى صار صراخى يفزع أخواتى المكدسات إلى جوارى كما صار يزعج أمى التى نشاركها نفس الغرفة. فتجلس مغلوبة على أمرها وهى تنظر لى، كل ما تفعله أنها تطلب منى أن انشغل بمذاكرتى وتعزلنى عن حفلة جدتى وجاراتها بصوت الراديو الموضوع فى غرفتها.

أمى التى ترونها الآن ترتدى ملابس نساء قريتى وتدور بأكواب الشاى على عضوات جلسة جدتى.. هذه السيدة منذ مثولها بين يدى جدتى، وهى تستسلم لقانون القرية وقانون جدتى ربما لا تعرفون أنها منذ سنوات كانت تتقافز كفراشة ملونة بقوام ممشوق يرتفع على كعب حذائها، ويكشف فستانها القصير بتنورته الواسعة ساقيها الملفوفتين. منذ سنوات بعيدة وعلى رصيف قطار الصعيد تخلت أمى عن حذائها، ذى الكعب المدبب الذى ينقر الأرض بإيقاع خطوتها وتخلت كذلك عن فساتينها ذات التنورة الواسعة وكشكشاتها العديدة التى تظهرها كفراشة متقافزة. ارتدت أمى فستانا بأكمام طويلة يغطى الركبتين، وتغطت بشال من القطيفة السوداء مثل البالغات من بنات القرية. رافقها الأهل فى الرحلة الطويلة التى تجاوزت الخمس عشرة ساعة لتزف هنا فى بقعة نائية أقصى الجنوب لابن عمها.

غرفة وحيدة هى كل ما يخص أمى فى البيت الواسع الذى ارتفع بناؤه وتعددت طوابقه بعد سفر أبى إلى الخليج. فى كل إجازة لأبى كان البيت يرتفع طابقا حتى صار مميزا بين بيوت القرية بعلوه الشاهق ورغم ذلك ظلت غرفة أمى وحيدة فى الدور الأرضى نتكدس فيها مع خمس بنات تستضيفهن الجدة فى غرفتها المجاورة فى إجازات الأب القصيرة والمتباعدة. جدتى ترى أنه لا يصح أن ننتقل إلى طابق آخر فى نفس البيت ما لم يكن معنا رجل وظلت الطوابق وغرفها تنتظر ميلاد الولد/ الرجل الذى يؤمن البيت بحسه ويحمى أمه ويربى أخواته البنات. مع ميلاد الحفيدة الخامسة تبددت أحلام جدتى، فقد سببت الولادة المتعثرة تهتكا فى رحم الأم استلزم استئصاله. أقامت جدتى عزاء حارا بكت وهى مربعة على الأرض بملابسها السوداء، فبدت كمغزل بمحور مكسور. بعدما أنهت وصلة بكائها انتصبت وشغلت مسجلها ولملمت ربابة الريس حفنى الجارات. وبثت أنفاس متولى فى فراغات البيت.

..................

رغم استقرار أمى فى القرية لم تتخل عن سماع أغنيات حليم التى ظلت تنتظرها فى الفواصل بين برامج الراديو الموضوع على رف بغرفتها، وترددها فى أثناء انشغالها بأعمال البيت كما لم تتخلَ عن لهجتها القاهرية التى أورثتنا لكنتها الرقيقة الناعمة التى لا تحبها جدتى وربما لا تعرفون أنها تجاهد كثيرا لإصلاح اعوجاج لسان حفيداتها قبل أن يميل فرع الشجرة كما تقول.

ومثلما تقاوم جدتى تسرب الرقة للهجتنا الصعيدية الحادة قاومت مواصلة تعليمنا. يكفى البنت - برأى جدتي- أن (تعرف تقرأ وتكتب ويبقى معاها شهادة) وتقصد الشهادة الإعدادية . فالمدرسة الإعدادية فى القرية ولا ضرر من ذهاب البنات إليها خلاف المدرسة الثانوية التى بالمدينة التى تبعد عن القرية بمسافة تقطعها السيارة على طريق رديءالسفلتة تهتز خلاله السيارة لمدة تقترب من الساعة وتتصادم أجساد الركاب.

حين نرافق جدتى للمدينة للكشف عند الطبيب تحشرنا بين جسدها وجدار السيارة وتظل تقلص المساحة التى يحتلها جسد الواحدة منا حتى تكاد تتلاشى تماما. خلاف تحذيرات الجدة من رفع العين بالنظر أو رفع الصوت بالكلام.

عبر عدة رسائل مسجلة بين أمى وأبى نجحت أمى فى إقناع أبى بالتحاق أولى بناتها بالمدرسة الثانوية وطمأنته بصورة لى أرسلتها له مع شريط سجلت فيه شكرها له ووعدته بما هو أجمل. بدوت فى الصورة أكبر عمرا بطرحة كبيرة غطت شعرى.

..................

لا أخاف من الركاب من رجال وشباب قريتى بقدر خوفى من سائق العربة المشهور فى القرية بنشر ما يسميه (فضايح بنات المدارس) ويروج حكايات عن بنات المدرسة الثانوية اللاتى يتأخرن عن موعد المدرسة ويدلل على مزاعمه وتخميناته بشهود عيان رأوهن فى شارع المعبد الذى يقف على ناصيته المطلة على الكورنيش كازينو وحيد يلتقى فيه العشاق وتقدم فيه البيرة .

السائق مثل جدتى مغرم بسيرة متولى يكررها بإلحاح يفوق إلحاح الريس حفنى على السامعين .أتمنى لو ينقطع الشريط ويموت بالسكتة الريس حفنى وهو يشهر «وقابلتهم على السلمات وقالت يا زباين سلامات عايزة تعمل للمسا لمات» تتحول كل النساء لشفيقة حين يسرد بعض الركاب تفاصيل أخرى عن شفيقة والنساء اللاتى يسكرن و.. و... وأود لو أذوب أو أتلاشى حتى تنتهى المسافة التى تقطعها العربة إلى المدينة، التقط أنفاسى عندما ينجز متولى مهمته ويصرخ «أنا جرحى فى قلبى سكنته يا ناس وسعوا لى سكة انتوا» أتأخر حتى ينزل جميع الركاب.

فى شوارع المدينة أعرف أن لا هروب من متولى إذ تتواصل حكايته ويرن صوت الريس حفنى الذى صار دعاية جيدة لمحلات الكاسيت التى كانت تتزايد بكثرة فى تلك الأيام .. لا هروب من متولى الذى كل ليلة «عزل الجتة من زورها» ليبارك فعلته الجميع جدتى والسائق والركاب وحتى القاضى «حسن» الذى قال «بصراحة قطعوا أحسن».

مالا تعرفونه أيضا أن ملامح متولى الذى يطاردنى كل ليلة كانت تتبدل كل ليلة بعدد الرجال الذين أقابلهم يوميا من سائق السيارة التى تنقلنا للمدرسة وصولا لزميل المدرسة الثانوية الذى يراقبنا فى المدرسة مرورا بالرجل الذى زجر البنات بنظرة استنكار حين أطلقن الحكايات وبعض الضحكات.

لا أعرف متى تخلصت من كابوسى الليلى ومن متولى الذى زرعه الريس حفنى فى القرية وزرعته جدتى فى بيتنا. لكن أمى يبدو أنها قررت أن تقضى معى على متولى وأصرت أن ننتقل إلى الطابق الأعلى. هنا تمكنت أمى من طرد صوت الريس حفنى بصوت الراديو الذى لا يتوقف بداية من قرآن السادسة صباحا وحتى أغنيات السهرة. كلما كانت جدتى ترفع صوت المسجل كنت ألوذ بكتبى وبصوت الراديو وعلى خلفية ما يبثه الراديو كان يتشكل عالمى برسوم وخطوط متوازية ومتداخلة ترسم صورا لشخصيات أخرى تفاعلت معها وغادرت

معها لمكان بعيد لا يعرف متولى.

..................

> المقاطع بين الأقواس من موال متولى الجرجاوى بصوت «الريس حفنى»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق