رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صديقى الجميل الذى ترك الإخوان

تأكد المصريون أن سبب تحالف تيار الإسلام السياسى مع قوى خارجية، هو أن الدولة المصرية تسعى لامتلاك أسباب القوة والتأسيس لمشروع عربى مؤسس على قواعد علمية وعسكرية واقتصادية. تؤكد ردود أفعال قادة الإخوان على العملية الشاملة فى سيناء ضد التنظيمات الإرهابية المسلحة أنها جماعة لا علاقة لها بالوطنية، وأنها مأجورة تنتصر لمن يدفع لها.

هذا ليس بجديد فقد قال العقاد عنهم قديمًا «إنها جاسوسية مأجورة تتوارى بالإسلام للإيقاع ببلاد الإسلام»، لكن لم يكن العداء للدولة الوطنية وللجيش وأجهزة الدولة وحتى للشعب بتلك البجاحة.

من يؤوى آيات عرابى وعاصم عبد الماجد ويسهل لهما بث دعايتهما السوداء ضد الدولة والجيش؟ هذا السؤال وغيره لم يعد مطروحًا بعد انكشاف طبيعة المشروع الذى تشارك فيه جماعة الإخوان وحلفاؤها مع أجهزة استخبارات خارجية ضد مصر. نجحوا نسبيًا فى التغطية على طبيعة نشاطاتهم مع نشأتهم فالمناخ وقتها قد ساعدهم، ولم يكن الأمر كذلك واضحًا مع بداية الثمانينيات، لكن الآن يكفى قراءة منشوراتهم على صفحاتهم، لتتبين على الفور مدى انخراطهم فى مشروع شق العالم العربى وتفتيت وحدته، ولن تستغرق الوقت الكثير لتكتشف لحساب أى جهة خارجية يعملون. كتبوا عن عدائهم للديمقراطية والدولة المدنية والتعددية والأحزاب كثيرًا قديمًا وحديثًا، لكن الممارسة العملية أوضحت حقيقتهم لمن لم يقرأ لهم أو عنهم، فما من تجربة لهم فى الحكم إلا أثبتوا أنهم أصحاب شوط واحد ديمقراطية، والبقية استبداد وشمولية دينية مقيتة.

تأكد ذلك فى تجربة ملهم الإسلاميين العرب حزب العدالة والتنمية التركي؛ ففى مؤتمر الحزب فى سبتمبر عام 2012م بمناسبة عشر سنوات على حكمه كرئيس وزراء لتركيا زعم أردوغان أنه يؤمن بالديمقراطية، والآن ذبحها بسكاكين عدة ليتمكن من البقاء فى السلطة لآخر يوم فى عمره.

أردوغان كان قد سجن لبعض الوقت قبل صعوده وكذلك قيادات الإخوان وباقى الجماعات، ولم يتعلموا من تجربة السجن شيئًا مفيدًا، وأهم دروس السجن كونه يربى الإنسان على التواضع، وفى حوار قديم لنيلسون مانديلا مع أوبرا وينفري، قال كنت مغرورًا فى بدايات شبابى لكن السجن ساعدنى للتخلص من الغرور الذى لم يجلب لى شيئًا إلا الأعداء.

تلك أتعس صفاتهم على الإطلاق والتى لم تظهر بهذه الفجاجة كظهورها اليوم؛ فتستمع إلى الواحد منهم وهو يكاد ينفجر بالتكبر والانتفاخ، لكنه منفوخ بمخزون من الجهل والتصورات الخائبة التى لا أصل لها فى دين ولا معقولية لها فى سياسة. انتشرت حركات الإسلام السياسى لعقود طويلة فى أعماق المجتمع ووظفت المفاهيم الإسلامية وأخرجتها عن سياقاتها بغرض تعبئة الناس حول تصوراتها السياسية، وظلت الخطة تتمحور فى تكثير المخدوعين بالخطاب الدينى حول تلك الكيانات حتى الوصول بالمخدوعين لدرجة الظن بأن من جمعوهم بالطقوس والنصوص التى تم تحريف معناها، هم مبعوثو الرب لتطهير الأرض ونشر الفضيلة، وصولًا للوفرة الجماهيرية التى تدفع بهم لأعلى مستويات السلطة. كانت مجتمعاتنا فى أزمة حقيقية إذ كيف وصل هذا المد الموازى لهذه الدرجة من التوغل والتأثير العابر للطبقات الاجتماعية لدرجة السيطرة على أحياء بكاملها فى فترة من الفترات؟ الإجابة لا تتعلق باستحقاق نفسى ولا أكاديمى ولا خبرات مكتسبة، أو تحصيل علمى ونبوغ سياسي، فهذ التيار يفتقر لهذا كله، إنما مزاوجة بين الإغراء المادى للمطحونين والعبث فى أدمغة قليلى المعرفة وسطحيى الثقافة الدينية والفكرية.

اختلف الآن الوضع، لأن غالبية المجتمع اليوم صارت على معرفة بأساسيات الدين ولديها ما يمكنها من حرمان دجالى تلك الجماعات من خداعها مجددًا. أصابهم الهوس بسبب انفضاض الناس عنهم لدرجة أننى سمعت لوجدى غنيم شطحة تفسيرية ما سبقه بها أحد، فى تفسيره لآية «فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا...»، زاعمًا بأنها دليل على أن أصحاب علامة رابعة مذكورون فى القرآن، لكون هذه الصفات الأربع تنطبق عليه ومن معه من الفارين! تغير المجتمع وصار يمتلك ما يكتشف به أكاذيبهم وحيلهم، وأكثر من ذلك أننى تواصلت أخيرا مع شباب تركوا هذه الجماعات بعد أن تبينت لهم الحقائق، وقرأت لأحدهم كتابًا أرسله لى يريد نشره، وبه أفكار تنسف مناهج تلك التنظيمات وتكشف ضحالتها. كأنى أقرأ لموباسان روايته «صديقى الجميل»، وفيها يلبى دعوة صديق قديم للعشاء، وبما أنه فقير فقد اكترى كسوة مناسبة، وعندما وصل منزل صديقه نظر فى المرآة فشاهد شخصًا مختلفًا أنيقًا كأنه ينظر لشخص غريب لم يره من قبل، ثم أدرك بعدها أنه هو نفسه، متمتمًا «ما أجمل هذا الابتكار». اكتشف فى نفسه أيضًا أنه يتحدث بلباقة ويبهر الضيوف، إنه وجد ذاته أخيرًا بعيدًا عن مشاهد الماضى الحزينة الكئيبة التى عزلته عن الحياة.


لمزيد من مقالات ◀ هشام النجار

رابط دائم: