رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«القانون مفيهوش خيري»

دائما ما يثير حبس أحد الإعلاميين أو مجرد خضوعه للتحقيق كثيرا من اللغط والاتهامات فى الوقت نفسه بما يجعل من مقاربة تلك القضية أمرا محفوفا بالمخاطر. ذلك أنه عندما يخطئ أحد أفراد القبيلة الإعلامية يتداعى كل أفرادها من كل صوب وحدب دفاعا عنه ظالما أو مظلوما وهجوما على الدولة واتهامها بأنها تنتهك حرية الرأى والتعبير، وكأن لدى الإعلامى حصانة أو على رأسه ريشة تحول بينه وبين الخضوع للقانون القائم بصرف النظر عن طبيعة ذلك القانون! والمغردون بعيدا خارج سرب القبيلة ممن يصرون على تناول القضية بعيدا عن إثارة قضية حرية الرأى والتعبير والخطر الذى يحدق بها نتيجة التعامل مع خطأ أحد الإعلاميين طبقا لما يقره القانون يعنى على الفور اتهامهم بأنهم ضد حرية الإعلام وأنهم سلطويون لا يريدون أن تقوم قائمة لحرية الرأى والتعبير، وهو ما حدث فى حالات كثيرة لعل أهمها واقعة القبض على صحفيين من مقر نقابة الصحفيين. منطق القبيلة الذى يتعامل به الإعلاميون ينطلق مما سماه ججيجوش كوودكو فى كتابه «حقائق وأخطاء وأكاذيب: السياسة والاقتصاد فى عالم متغير» القانون المتعارف عليه فى الوسط الإعلامى وهو ألا تنتقد وسيلة إعلامية وسيلة أخري، فالنقد الذاتى هو الشيء الوحيد الذى لا تمارسه وسائل الإعلام فى الوقت الذى تنعم فيه بحرية انتقاد ومهاجمة الجميع، مؤكدا أن الكلمة لا تقل خطورة فى تأثيرها عن الأسلحة، فالأسلحة الآن هى الكلمات.

وحين نطالب جميعا بحرية الرأى والتعبير للإعلامى فإن ذلك تحصين له ليكون عين المجتمع وليتمكن من أداء مهمته على الوجه الأمثل، بيد أن تلك الحرية مقيدة بما يقره القانون، تماما كما أن استخدام رجال الأمن سلاحهم مقيد بأحكام القانون. فإذا كان رجل الأمن غير مخول له استخدام سلاحه بعيدا عن مهمته الأساسية فإن الإعلامى أيضا غير مخول له استخدام سلاحه (الكلمة) بعيدا عن مهمته الأساسية، وحين يخطئ أى منهما فإن القانون يجب أن يكون حاضرا. وإذا كان المجتمع وفى مقدمته الإعلاميون لا يتسامحون مع رجل أمن نتج عن استخدامه سلاحه مشكلة ما ولو حتى بالخطأ، وبما أنه لا يوجد مجال مع رجل الأمن للاستعانة بتاريخه عله يشفع له عندما يرتكب خطأه الأول، فإنه لا يمكن تفهم استنفار قبيلة الإعلاميين ليدافعوا عن أحد أفراد القبيلة متناسين القانون ومغلبين فكرة أن الخطأ لم يكن مقصودا وأن تاريخه يشفع له. المثال الأخير على ذلك هو ما حدث إزاء واقعة التحقيق مع الزميل خيرى رمضان، وهو التحقيق الذى جاء على خلفية بلاغ يتهمه بإهانة جهاز الشرطة بعد مداخلة فى مقدمة برنامج «مصر النهاردة» كان يقصد منها الدفاع عن رجال الشرطة. القبيلة الإعلامية لم تشكك فى أن زميلهم أخطأ، ولكنهم تداعوا للدفاع عنه باستخدام حجج من قبيل أنه خطأ غير مقصود وأن تاريخه فى الدفاع عن الشرطة وعن مؤسسات الدولة يشفع له ويؤكد أنه لم يكن يقصد إهانة الشرطة. ومع التسليم بأن كل تلك الحجج صحيحة تماما وواردة، فإن ما لا يجب أن يمر مرور الكرام هو الادعاء بأن ما حدث مع الزميل خيرى رمضان إنما يصب فى مصلحة الجماعات المعادية لمصر خاصة الإخوان، ويعطيهم فرصة «للشماتة» وأن مثل تلك الطريقة للتعامل مع الإعلاميين المؤيدين للدولة يعنى بالضرورة تركهم معسكر الدولة ويعنى قبل ذلك أن حرية الرأى والتعبير باتت فى خطر كبير. وهنا لابد من لفت النظر إلى عدة ملاحظات:

أولاها أن هؤلاء وهم يدافعون عن زميلهم بدوا وكأنهم يصورونه يعمل بتوجيهات الدولة ويقدم ما تريد بصرف النظر عن اقتناعه به ومن ثم وجب على تلك الدولة حمايته، وهو الأمر الذى يخرجه من دائرة الإعلاميين الذين يجب الدفاع عنهم ولا يجعل منه رمزا لحرية الرأى والتعبير. وبكل تأكيد فإن ذلك بعيد كل البعد عن الزميل خيرى رمضان الذى يقدم إعلاما مختلفا ومميزا مقارنة بما هو رائج فى الساحة الإعلامية حاليا، وهكذا بدت القبيلة وكأنها مصرة على اغتيال ابنها بحجة الدفاع عنه.

وثانيتها أن دفاع الإعلاميين عن زملائهم بهذا الشكل هو أحد الأسباب الرئيسية للصورة السلبية المتكونة لدى الرأى العام عن الإعلام والإعلاميين وتراجع مستوى الثقة الشعبية فيهم بشكل عام وتراجع قدرة الإعلاميين أنفسهم عن التأثير فى الرأى العام الذى بات ينظر إليهم على أنهم يضعون أنفسهم فوق القانون.

وثالثتها أن ما حدث مع الزميل خيرى جاء طبقا للقانون رغم ما فى تطبيقه من تعسف واستعجال، وأن الدولة لو اتخذت موقفا آخر من شأنه حمايته من التحقيق كونه من مناصريها لكان ذلك هو مصدر الشماتة ومصدر الإساءة إلى الدولة. إذن المشكلة ليست فى تطبيق القانون ولكن فى القانون المطبق الذى ما زال قاصرا على مواكبة ما ضمنه الدستور المصرى لحرية الإعلام وحرية الرأى والتعبير بصفة عامة.

ورابعتها أن القبيلة الإعلامية وهى تتحدث عن حق الإعلامى وضرورة توفير السبل الكفيلة لتسهيل أداء مهمته يتناسون تماما حق من وقع عليه الضرر جراء ذلك الحق ويتنكرون لحقه الأصيل فى اللجوء إلى القضاء على النحو الذى يقره الدستور والقانون. وبدلا من السعى لتغيير القانون وتفعيل دور المؤسسات المنوط بها ضبط الأداء الإعلامى فإنهم يطالبون الضحية والدولة معا لتجاوز الخطأ مدعين أن «الذكاء» السياسى يفرض على الدولة تعاملا مختلفا مع الإعلاميين ومع كل ما من شأنه فتح ملف الحريات خاصة فى ظل ما تتعرض له من ضغوط دولية بشأن ذلك الملف. تغليب البعد السياسى على البعد القانونى فى القضايا المتعلقة بالرأى والتعبير هو نفس المنهج الذى ترتكز عليه سياسة استهداف مصر التى تمارسها الكثير من الجهات الدولية العاملة فى مجال حقوق الإنسان وحرية الرأى والتعبير.

باختصار فإنه إذا كان من الواجب علينا جميعا البحث فى توفير مزيد من الضمانات للإعلاميين وتغيير فلسفة العقاب على الأخطاء المهنية وطرق تطبيقها فإن حق المجتمع يفرض ضرورة التأكيد والالتزام بقاعدة أن القانون «مفيهوش زينب وكمان مفيهوش خيرى».


لمزيد من مقالات ◀ د. صبحى عسيلة

رابط دائم: