رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

النسخة «قبل الأخيرة» من الكذب!

سهير حلمى

صاحب رؤيا كونية، مشبعا برسالة إنسانية يريد إيصالها، يتمتع بقدرة نادرة على المضى فى كل الاتجاهات إلى أعلى كالنار وإلى أسفل كضوء الشمس .. ممسوسا بالفن وبقايا خجل وهو يدعوك للابتسام وفى عينيه نظرة عتاب على عالم يمور بالقسوة والعنف والظلم والأكاذيب .. الصعلوك الصغير الذى سحر العالم بقبعته وكشف الكذب بعصاه ،الذى كان يدرك بفطرته أن الطريق الأصعب هو الأسهل على المدى البعيد .. اللا منتمى الذى وصف جان كوكتو أعماله بقوله : «عندما أشاهد أفلامه القديمة أفكر بكافكا ، فشابلن جعل المخفى مرئياً للجميع، سألته فى إحدى المرات : لماذا أنت حزين ؟ فأجابنى : لأنى أصبحت غنياً عندما لعبت دور الرجل الفقير !»


هو شارلى شابلن (1889-1977) أعظم ممثل إيمائى فى العالم .. وواحد من أهم الممثلين فى القرن العشرين الذين كشفوا أكاذيب الصحافة والتحيزات السياسية التى بلغت حد التعصب فى أمريكا ، حيث يمر هذا العام الذكرى الـ (70) لاستجواب مكتب التحقيقات الفيدرالى الذى أجرى معه عام 1948 بسبب الشكوك التى حامت حول ولائه للحزب الشيوعى وتعاطفه مع الاتحاد السوفيتى أثناء الحرب العالمية الثانية .. فى نص التحقيقات التى ترجمها د. رمسيس عوض نقلاً عن سجلات ووثائق الملف المتخم فى F.B.I الذى يزيد على (2000 صفحة) .. يتجلى مدى المضايقات وحملات التشويه وتلطيخ السمعة والكذب التى مارستها الإدارة الأمريكية.. إزاء شابلن وغيره من الفنانين الذين كانت لهم رؤية مختلفة للحرب .. تغيرت الوجوه وأدان المجتمع الأمريكى « المكارثية » وسخر فيما بعد من حملات توزيع الاتهامات لكن من يقرأ محضر التحقيق مع شابلن والأسئلة التى وجهت له من قبل المحققين والصحفيين .. سيشعر بأن السياسة والإعلام الأمريكيين متشابكان إلى أبعد مدى .. وأن هذا التشابك هو من ثوابت السياسة الأمريكية شأن بنود الدستور (المقدس) لا تمس ولا تناقش ولا تنتهك .. هذه التحريضات توجه لبلاد العالم الثالث .. حيث يتم تصدير صورة معاكسة للتحريض على السلطة السياسية من قبل الإعلام ، ونعود لمقتطفات كاشفة أخرى من التحقيق مع شابلن ولنتأمل اهتمامهم البالغ بالمساعدات لمنظمات أو جمعيات فى بلاد أخرى .. فتقرأ الآتى :

> هل تذكر أية منظمات أو جمعيات قدمت لها إعانات فى غضون السنوات العشر الأخيرة؟ فالصحافة أشارت إلى اهتمامك بالحركات التى يرعاها الشيوعيون فى هذا البلد؟

هذا غير صحيح. الشيوعيون يرعون حركات مهنية أهتم بها بوصفى ليبراليا مهتما بقضايا السلام ولكنى لا أهتم بالشيوعية.. ولم أقرأ كتابا عنها أو كتابات كارل ماركس.. أنا أفهم أن كلمة شيوعى تعنى روسيا.. أنا لم أنتم إلى أى تنظيم، وحافظت على استقلالى طوال حياتى.




> سُئلت فى حوار صحفى عن فيلمك «المسيو فيردو» إذا كنت قد عبرت فيه عن تعاطفك مع الشيوعية فأجبت بأنه سؤال يحتاج إلى مزيد من التحديد ! هل تشرح لنا ماذا تعنى بهذه الإجابة؟

فى فترة الحرب كان كل الناس يتعاطفون بدرجة ما مع الشيوعية.. أعنى بذلك التعاطف مع روسيا.. أنهم يقاتلون ويدافعون عن قضيتهم ويستمر المحقق فى استفساراته.. ويتطرق شابلن لذهابه لإلقاء كلمة فى سان فرانسيسكو فى حشد من الناس بعد دعوة منهم نتيجة لغياب السفير الأمريكى فى روسيا عن هذا الحشد لمرضه المفاجئ.. وألقيت كلمتى وجاءتنا آنذاك أنباء معارك ستالينجراد وأنهم قاتلوا ومات الكثيرون منهم.. فامتدحت روسيا والشعب الروسى فى خطابى ومنذ ذلك الحين وهم يمتدحون كلمتى.. وبدا لى أن هناك قوى تسعى لتمزيق صفوفنا ودق أسفين بين « الحلفاء وروسيا».

> هل تبرعت فى يوم من الأيام لدعم حزب العمال الجديد؟ هل تبرعت بمبلغ كبير للحزب الشيوعى ؟ هل تبرعت لمنظمة تعرف باسم «أمريكا السوفيتية القادمة؟» هل تبرعت فى يوم من الأيام للجمعية الروسية الأمريكية لتقديم المساعدات الطبية لروسيا ؟

أجاب شابلن : أنه من الجائز أن يكون قد تبرع للجمعية الروسية الأمريكية ولا يعرف على وجه التحديد؛ لأن طلبات التبرعات تقدم إلى الأستوديو وهو قد يستجيب لبعضها .. ثم نعت شابلن إدعاء صحيفة تبرعه للقضية الشيوعية (بالكذبة الكبرى) وأضاف أنه أسهم فى المجهود الحربى بمبلغ نصف مليون دولار.

> ما رأيك فى الطريقة التى استولت بها روسيا على تشيكوسلوفاكيا؟

لا أعرف الكثير عن هذا الموضوع فأنا جاهل به لم يكن هناك قتل أو سفك دماء.. أعتقد أن الصحافة الأمريكية حاولت شن حرب على روسيا.

> هل تعتقد أن الأسلوب الشيوعى فى الحياة أفضل من الأسلوب الأمريكى؟

لا بطبيعة الحال .. ولو كنت أعتقد ذلك لذهبت لأعيش هناك ولكنى لا أعادى السوفيت إلا إذا قاموا بغزو أمريكا عندئذ سأكون أول من يهب ويحمل السلاح ضدهم.. وضد أى غاز للولايات المتحدة.. ثم أردف قائلاً: الصحافة لا تحب كل من تحدث بصراحة شديدة.
أنا أحتقر الصحافة لأنها؛ تنسج حولى الأكاذيب.. لقد عشت حياة عادية للغاية ولا أؤمن بالقتل وسفك الدماء.. غضبى يزيد كلما زاد الضغط على الأقليات.. ولا أؤمن بأى مذهب عنصرى.. النازيون والفاشيون مصابون بالجنون.. كنت ومازلت أؤمن بالديمقراطية وهى تتعرض للانتهاكات الآن لقد عشت خمسة وثلاثين عاماً فى أمريكا لم أهتم فيها إلا بعملى وهو لا يناهض أو يعادى أى شئ على الإطلاق.. ولعله يتضمن بعض التعليقات المنتقدة التى تصب فى مصلحة البلاد.. وحين سُئل لماذا لم يتجنس بالجنسية الأمريكية: أجاب: إنه يعتبر نفسه مواطنا عالميا منذ كان فى التاسعة عشرة من عمره.

ثم عقدت «الفنانون المتحدون» مؤتمراً صحفياً لمناقشة فيلمه «مسيو فيردو» وهو فيلم أنتجه عقب إلقاء قنبلتى هيروشيما وناجازاكى جسد فيه وحشية الحروب والصورة الزائفة للحضارة التى تهتم بأمرين هما: المال والهدم .. والقى الضوء على الشعور بالاغتراب والتهديد بالزوال ولجوء بطل الفيلم لحل مشكلاته عن طريق جرائم القتل والسرقة .. مثلما كانت القنابل الذرية حلاً مرعباً لإنهاء الحرب العالمية الثانية .. وفى المؤتمر أمطره الصحفيون بأسئلتهم:

> ما الذى نفعله بالقنبلة الذرية يا مستر شابلن؟

لست مشتغلا بالسياسة ولا العلم .. هناك أناس أكثر ذكاء يمكنهم الإجابة.

> وجه بعض النقاد انتقاداتهم يا مستر شابلن إلى منظر فى فيلم «المسيو فيردو» يصور قسيساً داخل زنزانة السجن.. يبدو أن بعض الناس انتقدوك بسبب هذا المشهد؟

مشهد القسيس يحظى بالعطف الكبير من جانب المشاهدين خاصة عندما أنظر إليه وأقول: «ماذا أنتم فاعلون بدون الخطيئة»؟ فيجيب: الذى أفعله الآن على وجه التحديد يابنى إننى أحاول أن أمد يد العون إلى إنسان ضائع فى محنة» ويعقب شابلن: أعتقد أن هذا شىء بديع وإنسانى.

ويستطرد شابلن: عند تقديمى لأى فيلم لا ألتفت مطلقا إلى ذوق المشاهدين  كل إخلاصى مع نفسى وسوف يلمس العمل قلب الجمهور.. ثم انبرى الصحفى «جيمس اجى» غاضباً مما وصفه: 

"الحشد الغفير فى بلد يتباهى بالحرية وهو يتجسس على «مواطنة إنسان» ويلقون بظلال الشك والريبة ويحاولون إجباره بما ينبغى له أن يفعله ولا يفعله ويمارسون عليه الضغوط لأنه لم يتجنس بالجنسية الأمريكية ويبتزونه من أجل آرائه السياسية "

فيما بعد رحل شابلن فى رحلة إلى أوروبا تاركاً وصاياه الفنية .. بأهمية ضبط درجة الإيماء مع عدد الحاضرين شأن الخطابة تماما .. ومؤكدا أن «الكوميديا الخفيفة تتطلب ملابس أنيقة وسيدة جميلة وحديقة غناء» لافتاً الانتباه إلى أنه كان رجلا صعب المراس تسببت عبقريته فى الإيماء فى جعله أقل فصاحة باللسان لذلك لم يذهب للترفيه عن الجنود أثناء الحرب مثل بوب هوب؛ لأنه لم يكن يجيد «الأستاند أب كوميدى».. وصفه المدعى العام الأمريكى بأنه شخصية «بغيضة».. ولكن وهو فى عرض البحر صدر قرار بإنهاء ترخيص إقامته فى أمريكا.. وعدم عودته إليها .. فاستقر فى سويسرا.. علماً بأن له ولدين أمريكيين اشتركا فى الحرب.. وكان مشهد الختام موجزاً فى وصف ما حدث على ألسنة النخبة العالمية: "ما حدث مع شابلن كان سلوكاً شائناً لا يرقى لسمعة أمريكا "

«حينما أراد سيللا إعادة الحرية إلى روما لم تكن روما قادرة على تقبلها» كما أخبرنا «مونتسيكو» فى روح القوانين وهكذا ظل شابلن بعيدا عن جنة الحرية المزعومة.

لعنة هوفر وفيتنام فى الإعلام الأمريكى

تولى أدرجار هوفر رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالية لمدة 48 عاماً.. عاصر خلالها أشهر رؤساء أمريكا مثل روزفلت وأيزنهاور وترومان وكيندى وجونسون ونيكسون.. أحكم قبضته على البلاد.. وساد الخوف فى عهده وارتعب بعض الرؤساء، الذين كانوا يخشونه ويعملون له ألف حساب؛ لأنه كان يتجسس عليهم ويحتفظ بملفات تحتوى على كل أخطائهم.. مع البقاء لمدة طويلة فى منصبه تضخمت سلطته وازداد عنفاً وراديكالية وأصبح يشكل خطراً على سمعة البلاد وأحوال العباد .. ولكن حين قامت السينما الأمريكية بتجسيد شخصيته قدم المخرج الكبير كلينت ايستوود صورة شخصية جداً عنه لم تكشف ظلال الظروف الاستثنائية التى اضطرت بلداً يتغنى بتداول السلطة للإبقاء على شخص فى منصبه لمدة خمسين عاماً ( من 1924 ــ 1972 ) تقريباً.. السينما انتقائية بالطبع لكنها تحرص على اتخاذ زاوية الرؤية التى تلائمها وعلى التشابكات والتوظيف السياسى للفيلم – إذا كان سياسياً – عرض أخيراَ فيلم The Post الذى قدمته ميريل ستريب وتوم هانكس والذى تدور قصته حول نشر جريدة «الواشنطن بوست» وثائق حرب فيتنام ومغامرتها بالوقوع نتيجة لذلك تحت طائلة القانون.. لكن إدارة الجريدة وصاحبتها يعملون على إعلاء الحقيقة فوق أى اعتبار .. هذا هو ظاهر القصة لكنها فى الحقيقة خير مثال على الاستغلال الأمثل لقضية تاريخية وتوظيفها سياسياً لإدانة الرئيس ترامب (الجمهوري) بما يرفضه كل المؤيدين للحزب الديمقراطى الذى ينتمى له معظم الفنانين ورجال الصحافة والإعلام فى أمريكا، فالقضية لم تكن قضية مبدأ فى الأساس.. فهيلارى كلينتون ارتكبت من الجرائم والشرور والفساد ما يملأ عرائض وملفات.. ولكن الحدث القديم الذى ركز على شخصية نيكسون الجمهورى والذى يعد رغم فضيحة ووترجيت -التى برأه منها خلفه فورد- من أفضل الرؤساء فى تاريخ الولايات المتحدة.. عملياً كان الرئيس جونسون هو الذى توسع فى حرب فيتنام التى صمت عنها كل الرؤساء: ترومان وأيزنهاور وكيندى وجونسون ونيكسون.. الفيلم يأخذنا لمنطقة التعديل الأول للدستور ويتطرق للمظاهرات التى اجتاحت البلاد تنديداً بالحرب وفورة الشباب فى مظاهرات عام 1968.. بعيداً عن نجوم الفيلم ومخرجه فهم من أيقونات هوليوود.. بدا أداء شخصية كاى جرهام لميرييل ستريب باهتا – طبيعة الدور – لم نشاهد أى تدرجات لونية ولا يقارن بإبداعاتها والأمر كذلك لتوم هانكس الذى استمد بعض الملامح من شخصية برادلى الذى كان يعرفه شخصياً على حد تعبيره وأضفى شيئا من الكاريزما على الحوار المقتضب مثل العبارات المأثورة.. الفيلم يجسد واقعة حقيقية لكننا يجب ألا نغفل عن التسريبات التى يتم تمريرها طواعية من فترة لأخرى لإضفاء المزيد من الديمقراطية على المشهد المحكم بقوة أصحاب القرار لا صناع الميديا.. لم أتعاطف مع إقدام الجريدة على نشر وثائق من آلاف الصفحات ومراجعتها فى غضون عشر ساعات لتقرير يخص حرباً عسكرية راح ضحيتها الآلاف ومازلت مستمرة آنذاك.. من هنا يتبدى حرص صناع القرار فى واشنطن مهما تظاهروا بالممانعة والرفض على تمرير بعض التسريبات للفضاء العام والجمهور العريض لمعرفة ردود أفعالهم أو صرف أنظارهم عن شئ أكبر وأهم يجرى إعداده.. أخذنا الفيلم لأجواء الحرب الباردة التى تطل برأسها من جديد ويعتقد 34% من الأمريكيين فى عينة استطلاع أجرى فى عام 2017 أن روسيا دولة غير صديقة.. ولكن فى الفيلم ترد عبارة هامة على لسان وزير الدفاع الأسبق «ماكنمارا» حين عاتبته مالكة صحيفة الواشنطن بوست على إخفائه حقيقة الحرب عن الشعب الأمريكى الذى فقد الآلاف من أبنائه أجابها بقوله: «الدراسة وضعت للأجيال اللاحقة ولا يمكن للصحافة الآن أن تكون موضوعية» تلك هى الحقيقة التى كشفتها الأكاديمية الشهيرة «حنا ارندت» حين ذكرت أن براعة الأكاذيب السياسية تظهر من خلال التعامل مع الوقائع المعلومة للجميع وليس من خلال الأسرار فالكذب العصرى الذى وصفه أيضاً الكسندر كوارى فى الثلاثينيات: «بأنه أصبح غير مسبوق يتم بطريقة منسقة ومتوالية وفجة».. يلقى فيلم The Post الضوء على أجواء أخرى حين كان الكذب يعد فى الإعلام حدثا جللا واستثناء وليس القاعدة كما يحدث الآن فى مرحلة – عدم اليقين – ومابعد الحقيقة.. أجواء الصحافة الورقية والترقب والسبق والشبق الصحفى والشغف بالمهنة ومتابعة رص الحروف الرصاص وصوت ماكينات الطباعة وهى تصطك بالانفراد الكبير.. عربات التوزيع وهى تلقى بالحزم المربوطة من الصحف أمام أكشاك الباعة .. لم يعد هناك (جودو) لكى ينتظره أحد.. جراء السيل الهادرمن الأخبار فى الصحافة الإلكترونية اختفت كل هذه الأجواء التى أراها أجمل وأعمق ما فى الفيلم عن موضوع الوثائق بكثير.. وعن التعديل الأول فى الدستور الأمريكى الذى يناقشه الفيلم ويؤكد أنه كان معززاً للصحافة الأمريكية فى حق النشر وبمقتضاه استطاعت جريدة الواشنطن بوست والنيويورك تايمز ــ التى سبقتها ــ نشر الوثائق دون أن تقعا تحت طائلة العقوبات.. يلفت مايكل سكدسن مؤلف كتاب «علم اجتماع الأخبار» أنظارنا إلى أن: التعديل الأول فى الدستور لا يعنى الحرية المطلقة ولا حل مسائل الرقابة والقيود كما يفهمه معظم الصحفيين.. فحدود القيود فى أمريكا.. قد تفوقها حدود سطوة السوق ورقابته.. بل أن تنوع التعبير فى الصحافة الأمريكية مقيد بحاجة الناشرين ومصالحهم المقيدة بنظام السوق والتكتلات الكبرى والمعلنين والأيديولوجيا السائدة.




بل أن بوب وودوارد الصحفى الشهير الذى كشف النقاب عن فضيحة ووترجيت.. ينصح الصحفيين بالسعى وراء القصة الإخبارية التى شبهها «بالنفايات المقدسة» وإدهاش القراء حتى يقولوا بانبهار: يا لها من قصة أكثر من إجهادهم بالنقاش العام.. وهكذا فالأخبار وفقاً لوودوارد شىء يصنع مثل الخبز.
ولن نذهب بعيداً إذا اكتشفنا أن النيويورك تايمز جاءت فى المرتبة العاشرة ضمن مصادر الأخبار الملفقة التى ينظر إليها الأمريكيون.
الحروب التى تشنها الدول يكون لها أسبابها وأخطاؤها المعلنة وقد تم الإفراج عن وثائق البنتاجون الكاملة رسمياً عام 2011.. ولكن من المشاهد أن الدول والحكومات لا تتراجع فى معظم الأحوال عن دوافع وأسباب دخول الحرب.. فلم يعتذر أى رئيس أمريكى عن إلقاء قنبلتى هيروشيما وناجازاكى ولم يعتذر رئيس وزراء اليابان.. أعتذر الإمبراطور فقط عام 2015 بمناسبة مرور 70 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية عن أخطاء اليابان فى كوريا والفلبين والصين .. الأكاذيب الكبرى تتسم بالتكرار وتحمل رسالة بسيطة .. لكنها تتسم بالكثير من المصداقية؛ لأن القاعدة الجماهيرية تصدقها.

تشومسكى .. ساحر القبيلة

يعد عالم اللغويات تشومسكى (مواليد 1928) من أكبر عشرة علماء على قيد الحياة وواحداً من الشخصيات الثقافية الأكثر تأثيرا واقتباسا فى الكتب والمراجع على مستوى العالم.. هو الناقد الأبرز لحرب فيتنام والسياسة الخارجية الأمريكية والعولمة والحرب على الإرهاب.. صاحب الحضور الطاغى والاهتمامات المتعددة فى العلوم الإنسانية واللسانيات وعلم المنطق.. الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.. يذكرنا دائماً بأن الإعلام الدعائى فى النظم الديمقراطية يعادل الدور الذى تقوم به (العصا) فى النظم المستبدة .. من خلال دراساته المستمرة لتفكيك منظومة وسائل الإعلام الغربية وأساليب السيطرة عليها، يحتفظ هذا العالم الجليل بألق خاص، أطلق عليه البعض الفيس بريسلى (اللغة) لحيويته وتوهجه وإسهاماته المتجددة فى مجال اللغة والدراسات الإعلامية.. هو أول من تناول بالشرح والأمثلة كيفية صناعة الإجماع، وكيفية جعل الرأى العام فى المجتمعات الديمقراطية مؤيداً لقضايا بعينها.. عن طريق استخدام النخبة الصغيرة فى تشكيل (الجماهير العريضة) أو القطيع الضال .. الذى لا يصح أن نترك له إدارة شئون البلاد لأنه؛ يتسم بالعاطفية والغباء ولا يستطيع تحديد الصالح العام لذلك يتم ترويضه.. فالإعلام الأمريكى والغربى يختلق الكثير من الحقائق ويزيف التاريخ .. حتى اليابان محت فى كتبها الدراسية كل ما يتعلق بسوء معاملة اليابانيين للأسرى أثناء الحرب العالمية الثانية.. وأقدمت الصين على تعديل فترة أهوال الثورة الثقافية فى عهد ماوتسى تونج وغيرها من الأحداث المؤسفة.

ينعى تشومسكى الديمقراطية الأمريكية التى انحرفت نحو حكم الأثرياء.. فالسلطة السياسية ترى أن الناس حصلوا على حقوق كثيرة يجب التحكم بها ولو بصورة مقنعة.. ولكن المجتمع الأمريكى مازال يتمتع بإرث ضخم من الحريات وحقوق الإنسان يمكنه دائماً من تصويب أخطائه.

تشومسكى النموذج الأمثل للمعارض الوطنى الذى يصف أكاذيب صحيفة "النيويورك تايمز" بألم أسنانه الموجع.. وأنها ليست أفضل أحيانا من البرافدا الروسية.. حين سُـئل كيف يعارض السياسات الأمريكية ويعمل فى معهد يتبع وزارة الدفاع.. كان رده أنه كمثقف لن يتقاعس عن خدمة بلاده فى أغراض الدفاع .. التى تستخدم فيها تطبيقاته وأبحاثه اللغوية ..

إضافة لكتاباته عن سيطرة الإعلام الأمريكى والحروب التى يشنها تجاه دول الشرق الأوسط لنشر اليأس والإحباط وصرف أنظار الناس عن الإيجابيات وتعظيم السلبيات ونشر محاولات زعزعة ثقافة المواطنين فى دولهم ونشر الشائعات وتسليع الأخبار ونشر نموذج يختلف عن نموذج المواطن الغربى الذى لا يهتم بالشأن العام إلا بالمقدار الذى يؤثر فى حياته اليومية.. لطالما كان تشومسكى ملهما لغيره من العلماء عن أهمية الدراسة المتواصلة للصلة بين اللغة وأسلوب التفكير والقدرات التوليدية التى تكمن فى اللغات.. فكتب أحدهم عن الكيفية التى يتم الربط بها بين اللغة والمستوى الاقتصادى للفرد.. ففى بعض اللغات كالإنجليزية والعربية والإيطالية والروسية تختلف صيغة الحاضر عن المستقبل: «سأزور الطبيب غدا» ولكن فى اللغتين الألمانية والصينية يتحدث الفرد عن الحاضر بصيغة المستقبل أزور الطبيب غدا .. وهذا الفارق فى اللغة يترتب عليه تفاوت فى أسلوب الحياة والمستوى الاقتصادى للشعوب.. لأن الألمان والصينيين يتعاملون مع المستقبل كالحاضر ولا يؤجلون أعمالهم.. هو وعاء اللغة ومصطلحاتها التى يتم صكها وتستخدم أسلوبا للتضليل والإدعاء والمتناقضات .. ليظل العالم الجليل الذى أرجع سبب ابتسامته الهادئة وحيويته الدائمة إلى نظرية الدراجة: التى لا تتوقف ولا تسقط أى إنسان يبدل عجلاتها.. سيظل تشومسكى باحثا بدأب وعشق للغة وتطبيقاتها فى مجال الإعلام والأكاذيب التى تتكاثر وتخلف وعودها دائما بأنها ستكون النسخة قبل الأخيرة.. لأن النسخة الأخيرة الخالية من الكذب لن تأتى أبدا فى الميديا العالمية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    د. احمد حسام - بريطانيا
    2018/03/09 11:29
    0-
    0+

    مقال رائع
    قرأت ذلك المقال عدة مرات كى أستوعب كل جنباته والتى تؤكد المواقف الغير أخلاقية للسياسة الخارجية الأميريكية على مر العصور، بل وتزايدها وتزايد أبعادها ووسائلها فى منطقة الشرق الأوسط. لكن، وعلينا ألا ننسى أو يغيب عن ناظرنا أن بريطانيا التى فقدت إمبراطويتها التى لا تغيب عنها الشمس، أصبحت تابعا أمينا للسياسة والمؤامرات الأميريكية عامة وفى الشرق الأوسط على وجه الخصوص. أدعو المسئولين فى مصر أن يقرأوا ذلك المقال الذى يصلح كدراسه وفصلا من دروس كلية الإقتصاد والعلوم السياسية فى مصر. والله الموفق لكى تنجو مصر من أنياب الأمريكان.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق