رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صقور سيناء

عصام دراز

إهداء: إلى روح الشهيد «عادل»
.. وإلى كل شهداء الوطن
الأسماء الواردة فى القصة من خيال الكاتب



(1) اركبوا القارب بسرعة.

هتف الضفدع البشرى الذى كان يدفع القارب عبر القناة

تحركوا نحو القارب بحذر شديد. كان للحظات ثمن، وللكلمة ثمن، وللنفس قيمة كبرى. ركبوا القارب بهدوء. وبمجرد أن ركبوا القارب، بدأوا يشعرون بحركة القارب فوق مياه القناة، بهدوء شديد، وحذر شديد لكى لا يصدر أى صوت. حتى لو كان صوت المياه.

شعر عادل قائد الدورية بشعور غريب. لم يكن خوفًا. ولم يكن قلقًا، ولكنه شعر بأنه يحلم. ظلام دامس، وقارب يسبح فى مياه داكنة، وفوق النجوم تتلألأ بشدة. تتلألأ بصورة لم يشاهدها من قبل. كان كأنه يحلم حلمًا رائعًا. شعر بلسعة برد وهو وسط القناة. أشعرته هذه اللسعة بأنه فى مهمة خطيرة. ينتظرها جيشه كله.

نظر إلى الشاطئ الآخر الذى فوجئ به يقترب منه. لم يعد ينظر إلى النجوم ولكن كل حواسه تيقظت فجأة. انتبه جنود الدورية. ظهر الضفدع البشرى وراح يسحب القارب إلى الشاطئ الآخر من القناة. وضفدع آخر راح يوجه القارب إلى مكان النزول.

اصطدم القارب بالشاطئ. هتف الضفدع من الماء:

هيا .. هيا .. اهبطوا بسرعة.. الله معكم.

هبط قائد الدورية ومعه رجاله بهدوء إلى شاطئ القناة.

لحظة غريبة. نظر عادل حوله. لقد اختفى القارب فى الظلام. وذهب رجال الضفادع البشرية. إنه الآن فعلا على أرض سيناء. كادت أفكاره تتشتت، ولكنه حزم نفسه بسرعة وقال لرجاله:

تسلقوا الساتر الترابى فى بطء وحذر شديدين. وعندما صعدوا أعلى الساتر، وجدوا سيناء أمامهم ممتدة تحت الظلام التام.

لقد بدأت المهمة الخطيرة فى ليلة شديدة الظلام. ظل كامنًا مكانه. راحوا يسترقون السمع لاكتشاف أى حركة قريبة منهم. فهم يعلمون أن هناك أكثر من كمين بالقرب منهم. بعد دقائق من الملاحظة والتصنت تنامى إلى سمعهم صوت راديو قادم من الظلام. أغان باللغة العبرية. ثم كلمات. وضحكات.

لقد حددوا مكان أول كمين. كان على يمينهم وعلى مسافة حوالى مائتى متر تقريبًا كان عليهم أن ينتظروا مكانهم لكى يتعرفوا على مكان الكمين الآخر.

الآن حددوا موقعهم بالنسبة للكمائن التى بالمنطقة. لقد كانت المعلومات التى حصلوا عليها من المخابرات. معلومات دقيقة للغاية. لقد قرروا أن يسيروا وسط الدوريتين وأن يعبروا الطريق الممهد الموازى للقناة زحفًا، ثم يستمروا فى الزحف بالتبادل. فردٌ يزحف والآخران ينصتان. وهكذا إلى أن يبتعدوا عن نطاق عمل الدوريتين.

ظلوا يزحفون، وينصتون حوالى ساعتين إلى أن شعروا بابتعادهم عن موقع الدوريتين.

بدأت أشعة الفجر تظهر رقيقة فى السماء. كانوا قد ساروا خمس ساعات متصلة عندما قرروا الحصول على قسط من الراحة فى ظل شجرة فى قلب الوادى.

جلسوا منهكين تحت الشجرة وخلف مجموعة من الحشائش الصحراوية.

بعد ساعتين من الراحة. قرر عادل أن يختصر فترة الراحة ويبدأ فى التحرك بسرعة. كان يريد أن يكسب مزيدًا من الأرض ليصبح فى عمق سيناء.

بدأ التحرك بعد أن حدد الاتجاه. كانت الأحمال ثقيلة، وبدأوا يشعرون بثقلها بعد الراحة. ولكن كان يعلم من خبرته الطويلة فى أعمال الدوريات أن الجسم سوف يتعود على الحمولة الثقيلة. ورغم الإرهاق الشديد بدأ فى السير.

كانت الصحراء حوله قد اكتسبت طابعًا جديدًا. لقد تغيرت نظرته إليها. لقد اعتاد أن يتحرك فى قلب الصحراء. وهو آمن. ولكن الآن يتحرك على أرض أسيرة. المشاعر مختلفة، والمهمة أيضًا مختلفة. إنه يعلم أنه لو قُبِض عليه لن يعامل معاملة أسرى الحرب، ولكنه سيعامل معاملة الجواسيس وسوف تكون عقوبته الإعدام لأنه يرتدى الملابس المدنية. لهذا انتفت عنه صفة الرجل العسكرى المحارب. لن تحميه قوانين أسرى الحرب، ولكن ستطبق عليه قوانين عقوبات التجسس.

شعر باضطرابٍ للحظات عندما فوجئ بطائرة هليوكوبتر فوق رأسه. راحت تدور الطائرة حول المنطقة التى يسير فيها وكأنها تشعر به. أمر الدورية بالتوقف وعدم الحركة، ثم أمرهم بالانبطاح أرضًا خلف الحشائش الصحراوية. راح يراقب الطائرة بقلق بالغ. هل شاهدته؟ هل هناك معلومات تسربت إلى القوات الإسرائيلية عن وجوده؟ لقد سبق أن فشلت دورية خلف الخطوط، لأن بعض الخونة أبلغوا عنها، فتم القبض على الدورية. وحوكم رجالها وصدر الحكم ضدهم بالإعدام. إنه الآن فى قلب الخطر. المسألة الآن حياة أو موت. شعر بجسامة المسئولية، ونظر إلى رجال الدورية.

كان كل منهم شاردًا فى عالمه. راحوا يراقبون مثله الطائرة وهى تدور حول منطقتهم. تردد قبل أن يعطيهم الأمر بإعداد السلاح للاشتباك. إنه يعلم أن الاشتباك لرجل الاستطلاع يعنى فشل المهمة، فجمع المعلومات لا يحتاج إلا إلى السرية المطلقة. استخدام السلاح يعنى أن المهمة انكشفت.

لقد أصبح الرجلان أمانة فى عنقه، وهذه مسئولية أخرى. قرر أن يضبط أعصابه لأقصى درجة، وألا يندفع فى إصدار قرار يندم عليه، أو لا يندم عليه، لأنه سيكون قد انتهى. ظل فى رقدته ساكنًا، حتى بدأت الطائرة فى الابتعاد عن المكان. تنفس الصعداء، وقبل أن يعطى الأمر بالنهوض والتحرك، شاهد عن بعد سيارة إسرائيلية مدرعة وأمامها عربة جيب تسيران على الطريق الممهد. كانت المسافة ليست قريبة، ولكنه قرر أن يتوخى الحذر. استمر فى رقدته إلى أن مرت السيارتان. راح يرقب المنطقة طويلاً ثم أصدر أمره بالتحرك من جديد بعد أن اطمأنَّ تمامًا على الموقف. اختار بطن الجبال للسير، وأعماق الوديان. كانت التعليمات مشددة إليه بأن يحذر السير فوق المرتفعات أو الجبال، أى يحذر «خط السماء» حيث اكتشافه يكون سهلاً.

استمر فى السير بدون راحة إلى أن اقترب وقت الغروب. كان التعب قد أنهكهم تمامًا. ولم يتناولوا طوال ست عشرة ساعة غير وجبة إفطار خفيفة فى الصباح. اختار هذه المرة ثنية أرضية على سفح جبل. أنزلوا أحمالهم وبدأ أحد أفراد الدورية يشعل قرص من أقراص الوقود التى يحملونها لتسخين الطعام.

تمدد عادل على الأرض. ونظر إلى قدميه فوجد الدماء تسيل منها. لقد كانت النباتات الشوكية بمثابة أمواس حادة. نظروا جميعًا إلى أقدامهم فوجدوا أن الدماء تسيل منها وهم لا يشعرون. أخرجوا زجاجة المحلول المطهر من الحقيبة الطبية. وبدأوا يعالجون أقدامهم.

تناولوا الطعام، ثم تمددوا فى حفرة أرضية، وناموا جميعًا. كانت الشمس قد سطعت فى السماء عندما عبرت فوقهم طائرة استطلاع مروحية. استيقظوا من النوم على صوتها. أيقن عادل أنه أصبح قريبًا من نقطة الوصول المحددة. قرر السير بسرعة للاقتراب من نقطة الوصول. كان الصباح لايزال فى بدايته، ونسمة هواء رطبة تشعل فيهم النشاط والحماس. لقد قطعوا حتى الآن حوالى أربعين كيلو مترًا سيرًا على الأقدام.

وبعد ثلاث ساعات من السير المستمر، صعدوا إلى تبة مرتفعة ونظروا لاتجاه الشرق من أعلى. بدا المنظر واضحًا كلَّ الوضوح تحت شمس سبتمبر الساطعة.

لقد امتد تحتهم وعلى مدى البصر وادى المليز، وفى الأفق ظهر جبل «أم خشيب» الهدف النهائى للمرحلة الأولى. شعر عادل بسعادة أنسته شعوره بالعطش.

قرر أن يكافئ نفسه ويكافئ أيضا رجاله، فأمر بشرب ما قيمته غطاء زمزمية ماء. نزلوا من أعلى التبة وبدأوا يتحركون فى اتجاه الهدف. أشعلت فيهم الحماسة مزيدًا من القدرة على التحمل.

وصلوا إلى سفح جبل «أم خشيب» بعد مسيرة ساعتين. بدأوا يقتربون منه فى حذر. اختبأوا فى إحدى ثناياه، وبدأوا يصعدون إلى أعلى من خلال أحد الأخوار لكى لا يكتشفهم أحد. اختار عادل تجويفًا أشبه بالكهف وأمر أفراد الدورية بأن يتجهوا إليه.

أخيرًا وصل إلى الهدف. وقرر أن يختار هذا المكان قاعدة للانطلاق. أنزلوا أحمالهم وألقوا بأجسادهم على الأرض. إنهم لا يصدقون أنفسهم الآن. إنهم خلف الخطوط، وفى قلب سيناء. وادى المليز، وها هى الطائرات فى قاعدة المليز الجوية تئز أزيزها المتوحش. إنهم الآن فى قلب الهدف.

بسرعة أمر عادل رجاله بالنهوض والعمل فورًا على إقامة الهوائى لإرسال أول رسالة إلى مصر.

فى التوقيت المحدد قام «عادل» بإرسال أول رسالة إلى «القيادة» فى القاهرة يخبرهم بوصوله إلى الهدف، وأن كل أفراد الدورية وصلوا سالمين وبحالة صحية جيدة، وأنه سوف يبدأ العمل منذ الصباح الباكر.

قرروا أن يحتفلوا بوصولهم إلى قلب المهمة. وبدأوا فى تسخين آخر علبة بلوبيف لديهم، كذلك آخر علبة فول كاملة. أما الحلو، فقطعة من الحلوى المحفوظة. قوالب من الفولية بالعسل مجمدة كأنها قوالب من الطوب الحجرى.

أطفأوا نار أقراص الوقود قبل حلول الظلام، وفى الليل تناوبوا الحراسة واليقظة.

لم ينم عادل قائد الدورية، فراح يتأمل هدفه الثمين (قاعدة المليز الجوية). كانت الطائرات تهبط وتقلع منه فى الليل. قرر أن يضع خطة للمراقبة طوال أربع وعشرين ساعة لمدة يومين إلى أن يحل موعد الخطوة التالية.

فى اليوم المحدد وقبل الساعة المحددة، نزل عادل وأفراد الدورية إلى سهل وادى المليز. اتجه إلى تقاطع الطرق المحدد، وفى الساعة التاسعة بالضبط فى اليوم الذى سبق تحديده فى مكتب مخابرات القناة، وجد جملاً قابعًا على مسافة مائة متر من الطريق. لم يكن بالقرب من الجمل أحد.

اتجه عادل ومعه فردا الدورية إلى الجمل وجلسوا على الأرض بالقرب منه. ولم تمض دقائق وإذا بأعرابى يتقدم نحوهم ويجلس بينهم كأنه منهم. لا سلام ولا حركة غير عادية. جلس بينهم وبدأ الحديث:

مرحبًا بكم.. الحمد لله على وصولكم بالسلامة.

هز عادل رأسه مبتسمًا وقال:

كانت رحلة شاقة.. ولكن الحمد لله كل شىء يسير على ما يرام. نهض الأعرابى وقال لهم: هيا بنا.. شيخ القبيلة ينتظركم لتتناولوا الغداء معه.

تحركت المجموعة. ركب الأعرابى الجمل وسار بهم فى اتجاه جبل يطل على وادى المليز من الجنوب.

ساروا حوالى ساعة إلى أن دخلوا فى منطقة أشبه بالصحن وسط التلال، مليئة بالأعشاب الصحراوية والأشجار الشوكية، وفى جانب من الصحن كان هناك عدد من الخيام. بمجرد أن دخلوا المنطقة شعروا وكأنهم قد خرجوا من الصحراء إلى قرية مفعمة الحياة. فالكلاب نبحت بمجرد أن شاهدتهم. فزع الدجاج على النباح وراح يجرى هنا وهناك. كانت الخراف تسعى بين الحشائش. حياة بدوية كاملة نزل الأعرابى من على الجمل، وسار أمامهم حتى وصل إلى خيمة تشرف على المكان. دخلوا خلف الأعرابى. استقبلهم شيخ القبيلة بترحاب شديد ودعاهم للجلوس.

بمجرد جلوسهم شعروا بأن عضلاتهم تكاد تفر من أماكنها. الشعور بالراحة والاسترخاء على الأبسطة الصوفية أشاع فيهم شعور بالأمان والسلام افتقدوه طوال أربعة أيام من السير المضنى، والقلق الشديد.

رحب بهم شيخ القبيلة وأمر على الفور بإعداد الغداء.

قدَّم الأعرابى لهم الشاى الذى صُنِع أمامهم على نار الأعشاب. بعد قليل .. دخل الطعام، حمله أولاد الشيخ.. صينية كبيرة وُضِعت عليها صحاف الطعام على الطريقة البدوية، وفى صدر الصينية رقد خروف تعبيرًا عن الكرم والترحيب بالضيوف.

بدأوا جميعًا فى تناول الطعام الذى بدا طعمه غريبًا على أفراد الدورية. بعد أربعة أيام من الطعام الجاف. وقطرات المياه التى يشربونها فى غطاء الزمزمية. قال عادل: لم أشعر فى حياتى بلذة الطعام مثل اليوم.

ضحك الشيخ، وقال: مرحبًا بكم بين أهلكم

راح الشيخ حمدان يروى حكايات متفرقة عن سيناء وقبائل سيناء بحب شديد قال الرجل:

إن سيناء هذه هى روح العالم، فعلى أرضها كلم النبى موسى ربه، وعلى أرضها كان سير السيد المسيح إلى مصر، ومن سيناء سارت جيوش الإسلام إلى مصر لإنقاذ أهلها من ظلم الرومان. إنها أرض طيبة لا مثيل لها.

لهذا نسعى لأن نحررها مرة أخرى.

أجاب الشيخ:أهلاً بأبناء النيل.

قال عادل هامسًا للشيخ: لقد حضرنا لمهمة غاية فى الخطورة. مهمة سيتوقف عليها أشياء كثيرة. سيتوقف عليها نتيجة الحرب القادمة بيننا وبين إسرائيل سيتوقف عليها مستقبل الشرق الأوسط.

قال الشيخ: عندى خبر عن قدومكم، ونحن فى خدمتكم. نفديكم بأرواحنا.

نهض الشيخ وجذب عادل من يده، وخرج من الخيمة وانتحى فى مكان بعيد. جلسا على الأرض. قال له الشيخ هامسًا: اطمئن. أنا عندى خبر عن مهمتكم.



(2)



أمضت الدورية ليلتها فى القاعدة، حيث اختاروا كهفًا فى الجبل غطوه بالأحجار ووضعوا فيه جهاز اللاسلكى وباقى المعدات. ظلوا طوال الليل يراقبون حركة الطيران فى قاعدة المليز الجوية. وفى الصباح الباكر تناولوا إفطارهم ثم بدأوا يتحركون لاستطلاع شمال وادى المليز.

ساروا مسافة كيلومترين، وفى المنطقة المحددة وجدوا الجمال فى انتظارهم ومعهم الدليل. أخبرهم الدليل بأن مندوب العريش وصل عند الشيخ. استقبلهم الشيخ حمدان فى خيمته، وقدم إليهم مندوب العريش.

سلمه عادل مظروفًا برسالة سرية من القاهرة.

بعد تناول العشاء قال الشيخ حمدان لعادل:

عندى لك مفاجأة رائعة.

قال له عادل: خير..

قال الشيخ: خير طبعًا.

دخل شاب فى مقتبل العمر. وجلس على الأرض أمام الشيخ حمدان. قال له الشيخ دون مقدمات:

احْكِ ما رأيته اليوم فى قاعدة المليز لأخينا عادل.

نظر الشاب إلى عادل متوجسًا، ولكن الشيخ شجعه ووجه حديثة إلى عادل: هذا الشاب كان يعمل داخل قاعدة المليز الجوية اليوم.

انتبه عادل. ثم تساءل متوجسًا.

فى قاعدة المليز الجوية؟ كيف؟

قال الشيخ ضاحكًا وموجهًا حديثه لعادل:

يا شيخ العرب.. القوات الإسرائيلية تستعين أحيانًا ببعض الشباب العربى للعمل فى معسكراتهم، فى الأعمال البدنية المرهقة وذلك لتخفيف العبء عن جنودهم. وكان هذا الشاب الذى أمامك من الذين كان لهم الحظ فى العمل فى قاعدة المليز. اسأله ما شئت من أسئلة. اعتدل عادل فى جلسته ثم اقترب من الشاب وهو يتأمله غير مصدق. إنه كنز من المعلومات هبط إليه من السماء. أخرج عادل دفترًا صغيرًا وراح يسأل الشاب:

ما عدد الطائرات؟

ما أنواع هذه الطائرات؟

ما عدد الأفراد الموجودين بالقاعدة؟

هل هناك قواعد صواريخ داخل القاعدة؟

ما هى أنواع الإجازات والعطلات الرسمية؟

بدأ سيل الأسئلة. والشاب يجيب بما يعرف، ثم سأله عادل إذا ما كان سيذهب مرة أخرى. أخبره الشاب أن هناك مندوبًا على اتصال بإدارة القاعدة هو الذى يحدد أيام العمل، ووعده بأن يخبره قبل ذهابه إلى العمل. دوَّن عادل الملاحظات واحتفظ بها فى حقيبة يخفيها بملابسه.

اتجهت المجموعة إلى خيمة النوم، وانصرف مندوب العريش. لم ينم عادل طوال الليل. خرج إلى خارج الخيمة وظل طول الليل قلقًا. إن أمامه ضربة العمر. راح يقلب الفكرة التى طرأت على ذهنه من كل الوجوه. كانت الفكرة باختصار أنه لو نفذها إما أن يحقق نجاحًا لم يسبقه إليه أحد، أو يعرض نفسه للقتل. احتفظ بالفكرة فى داخل نفسه، وقبل الفجر أيقظ المجموعة ثم أيقظ الشيخ وطلب منه أن يرافقه الدليل بالجمال لإرسال رسالة فى غاية الأهمية لـ «القيادة» فى القاهرة.

تحركت المجموعة فى ظلام الفجر، وفى الساعات الأولى من الصباح كان عادل يرسل كل المعلومات التى حصل عليها عن قاعدة المليز، وطلب الموافقة على الفكرة التى قرر أن يخوضها وحده

جاء الرد بالانتظار لدراسة الموقف.

أمضى طول النهار كأنه يتقلب على الجمر. راح يراقب الطرق المؤدية إلى قاعدة المليز ويراقب حركة الطائرات. كل ذلك والقلق ينهشه، حتى شعر فى نهاية النهار بأن قوته بدأت تخور من شدة الصراع الداخلى.. وأخيرًا.. بدأ يتسلم الرسالة، وبعد أن فك رموزها قفز إلى الهواء وهتف قائلاً. لقد وافقوا على الفكرة. لم يفهم باقى رجال الدورية ما يقوله، وما هى الفكرة التى أفقدته صوابه؟

قال عادل بحسم. هيا بنا إلى الشيخ حمدان فورًا.

نزلوا من أعلى الجبل واتجهوا بسرعة إلى الشيخ حمدان. أيقظه عادل من نومه، وطلب منه أن يلتقى الشاب الذى كان يعمل فى قاعدة المليز الجوية لأمر مهم جدًا.

أمر الشيخ بإحضار الشاب من خيمته. حضر الشاب وتوجه إليه عادل مباشرة وسأله:

هل أستطيع أن أذهب معكم للعمل داخل القاعدة؟

أصيب الحاضرون بالذعر.. رجلا الدورية، والشيخ وابنه.

اقترب عادل من الشاب وهز كتفه وكرر سؤاله:

هل أستطيع أن تقدمنى للمندوب الذى يختار الأفراد للعمل فى القاعدة؟

قال الشاب مذعورًا:

أحاول.

هتف عادل:

لا .. لابد أن نذهب الآن إلى المندوب ونخبره بأن هناك من يريد العمل فى القاعدة بدلاً منك..

قال الشاب:

سأذهب إليه فى الصباح وأطلب منه ذلك.

تدخل الشيخ حمدان هذه المرة وقال:

أنا أعرف هذا المندوب الذى يعمل مع القيادة الإسرائيلية اسمه «عابد». أرى أن الحذر واجب.

قال عادل: والمغامرة واجبة.. فالصيد ثمين.. ثمين جدًا ويحتاج إلى المغامرة.. فإذا نجحنا.. فإن النجاح يكون مذهلاً..

هز الشيخ رأسه ونظر إلى عادل نظرات هادئة وعميقة.. إنه موقف حرج. إن أى خطأ يعنى كارثة. ليس لرجال الدورية؛ ولكن له شخصيًا. ولكل رجال ونساء القبيلة بل وكل العرب الموجودين فى المنطقة كلها. قال الشيخ حمدان بهدوء وهو يفكر بعمق فى هذه الأزمة الطارئة:

أرى أن نفكر فى الأمر.. ولا نندفع.

قال عادل: إنه ليس اندفاعًا.. إنها فرصة.. والهدف غالٍ جدًا، لهذا لابد أن تكون التضحية غالية مثله.. لابد من قبول المخاطرة.

قال الشيخ بهدوء: نحن هنا فى موقف حرج للغاية.. وإذا حدث أى خطأ.. حياتنا كلها فى خطر. قال عادل بحسم «لقد حصلت على موافقة من إدارة القيادة ».

أصيب الجميع بالوجوم التام. الموقف فى غاية الدقة بعد هذا التصريح الخطير.

قال الشيخ حمدان بهدوء: لا تظن أننا خائفون، أو لا نريد تقديم المساعدة، ولكن المسئوليات التى نتحملها هى التى تدفعنا للتفكير. قال عادل: سوف أذهب وحدى، وسيبقى رجال الدورية فى مكانهم بقاعدة الدورية فوق الجبل.

قال الشيخ بعد تفكير طويل: على بركة الله.

سأل عادل الشاب:متى سأبدأ العمل؟

قال له:مطلوب عمال بعد غد..

قال عادل:غدًا سنقوم بدورية حول المطار وبعد غد صباحًا نلتقى هنا ونذهب إلى المندوب.

هز الشاب رأسه موافقًا.

فى صباح اليوم المحدد حضر عادل وتوجه مع الشاب إلى «عابد» مندوب الأنفار حيث كان يتخذ لنفسه مكانًا بالقرب من طريق وادى المليز الرئيسى. كان يجلس تحت تعريشة من الجريد والخشب. تقدم إليه الشاب، وقال له هذا الشاب يريد العمل معكم. سأله المندوب:هل تعرفه؟

قال الشاب: الشيخ «حمدان» يعرفه، وهو الذى طلب منى أن أصحبه إليك..

قال المندوب: الشيخ حمدان شيخنا، وطلباته أوامر.

كان يقف بجانب الطريق سيارتان نصف نقل. أشار المندوب إلى عادل أن يركب إحدى السيارتين. كان داخل العربة بعض الشباب البدو.

بعد حوالى نصف ساعة ركب المندوب السيارة الأولى وبدأ التحرك فى اتجاه قاعدة المليز الجوية.

عندما اقتربت السيارتان من بوابة القاعدة الرئيسية طلب المندوب من كل رجل أن يعد هويته. توقفت السيارتان لدى باب القاعدة الرئيسى. أحاط بالسيارتين أمن القاعدة. طلبوا من الجميع النزول. فتشوا السيارتين، ثم بدءوا فى التأكد من شخصيات ركاب السيارة. كان عادل قد احتاط للأمر، فأحضر هويته التى سلمتها له إدارة «القيادة». إنه مواطن من شمال سيناء من قرية رمانة، يعمل فى تجارة الحبوب. هكذا كانت المعلومات التى تحملها هويته. تفحص رجل أمن القاعدة الصورة ثم نظر إلى عادل نظرة طويلة. فى نفس الوقت بدأت عملية تفتيش ذاتية دقيقة لكل العمال. بعد دقائق. دخلوا جميعًا إلى القاعدة سيرًا على الأقدام، وحولهم حرس القاعدة شاهرى السلاح. تنفس عادل الصعداء وهو يتحرك داخل القاعدة. كانت لحظات عصيبة مرت بسلام.





(3)



راح عادل يختلس النظر حوله. كان فى أشد حالات الهدوء وصفاء الذهن. لقد أصبح فى قلب المنطقة الحرجة. إنه أخطر موقف تعرض له فى حياته. إما أن يخرج سليمًا من القاعدة بكنز من المعلومات الذى سوف يسجله فى ذاكرته، والذى سيكون له أكبر الأثر على خطط الجيش المصرى، أو يكتشف أمره ويكون مصيره الإعدام. لو اكتشفوا حقيقتى أن ينتظروا حتى يقدمونى للمحاكمة. مؤكد سوف يقتلوننى هنا فى القاعدة. هكذا كان عادل يحدث به نفسه.

قرر أن يتماسك وأن يمضى فى خطته إلى النهاية. أمام مبنى القيادة الرئيسى أوقفوهم فى طابور، ثم بدءوا يوزعون المهام. بعضهم توجه إلى مخازن التموين، والبعض الآخر توجه إلى قاعدة الطعام الرئيسية للضباط والطيارين، والبعض الآخر وجهوه إلى مبنى القاعدة الرئيسى لتنظيفه. كان من حظ عادل أن ذهب إلى قاعة الطعام الرئيسية. وفى هذه القاعة راح يعمل بجد ونشاط فى أعمال النظافة، وتجهيز المطبخ، ونقل كميات الأطعمة.

أمر المندوب بتجهيز الجمال بسرعة، وصحبه الدليل متجهًا إلى مقر القاعدة. نزل عادل من على الجمل فى المنطقة المحددة، وأكمل السير على الأقدام إلى الجبل، وصعده بكل نشاط، وعندما اقترب من مكان الدورية انتفض زميلاه من المفاجأة، ولكنه أسَرَّ بكلمة السر. لم يصدقوا أنفسهم وهم يرونه. وقالوا فى صوت واحد:

لقد أعددنا المتفجرات لنسف المعدات والجهاز اللاسلكى. أيقنا أنك لن تعود. لم نتصور أنك ستحضر سليمًا.

قال لهم بسرعة: جهزوا هوائيات الإرسال بسرعة. هناك رسالة هامة جدًا يجب إرسالها. جهزوا الجهاز للعمل وسأقوم بتشفير الرسالة. بدأ الجميع يعمل فى همة ونشاط؛ وبعد أن أعدَّ الرسالة بالشفرة، قام بإرسالها إلى القاهرة، وبعد إرسالها ردَّت الإدارة برسالة جوابية تحييه على شجاعته، وتعلن منحه هو ومجموعته نوط الشجاعة من الطبقة الأولى. وبعد إرسال الرسالة، إغرورقت عيناه بالدموع. لقد كان يومًا من أخطر أيام حياته. والأهم أن المعلومات التى حصل عليها على درجة كبيرة من الخطورة. من المؤكد أن نجاح الحرب القادمة سيتوقف على مدى دقتها.

تمدد على الصخور أمام الحفرة التى يبتون فيها فى جوف الجبل وراح ينظر إلى النجوم التى بدت قريبة منه. راح يستعيد ذكريات اليوم الماضى وهو لا يصدق.

لقد نجحت مهمته على أكمل وجه. راح فى نوم عميق وهو ممدد على الصخور. شاهد فى نومه والده المتوفى يحضر إليه فى قمة الجبل للتهنئة. ثم يأمره بالتحرك فورًا من هذا المكان. ومع ضوء الصباح الباكر فوجئوا بكارثة تحيط بهم. لقد شاهدوا أعدادًا كبيرة من الجنود الإسرائيليين يصعدون الجبل وهم يحملون معدات كثيرة.

أصدر أوامره بإعداد مواد متفجرة لنسف جهاز الإرسال. وبدأ يستعد لإحراق الخرائط. وحقيبة المعلومات. اختبئوا فى الكهف وراحوا يراقبون ما يحدث من خلف الصخور. وعند طرف القمة المقابل لهم فوجئوا بالإسرائيليين يبدءون العمل. لقد راحوا ينصبون الهوائيات ويمدون الأسلاك.

ظلوا فى كهفهم لا يتحركون. إلى أن هبط الليل ونزل الجنود الإسرائيليين للراحة والعودة فى اليوم التالى لاستكمال العمل. وفى منتصف الليل، نزل أفراد الدورية بهدوء من على الجبل ومعهم معداتهم كاملة واتجهوا إلى الشيخ «حمدان»، وعندما أخبروا الشيخ «حمدان» بما حدث. قال لهم: الموقف أصبح فى غاية الخطورة. هناك توتر شديد فى صفوف القوات الإسرائيلية يجب أن تعودوا الآن إلى القيادة لتسليمهم المعلومات التى حصلتم عليها. الجو ينذر بأحداث جسيمة.

أمر الشيخ حمدان بتجهيز الجمال لحمل أفراد الدورية إلى القناة. كذلك أعد لهم دليلاً يثق به. فى هذه اللحظة فوجئ الحاضرون بابن شيخ القبيلة يحضر وهو يقول منزعجًا: أبى.. القائد الإسرائيلى وصل.

اتجه الشيخ حمدان بسرعة إلى خيمته وأمر عادل ورجاله أن يسرعوا ويختبئوا خلف أحد التلال القريبة. كان الوقت ليلاً عندما دخلت ثلاثة سيارات جيب عليها مدافع رشاشة نصف بوصة. كانت السيارات تتجه بسرعة إلى مقر الشيخ حمدان. عندما وصلت السيارات الإسرائيلية إلى مقر الشيخ «حمدان» كان يقف فى انتظارهم. لقد شعر الشيخ حمدان بأن هذه الزيارة فى هذا الوقت لها دلائل كثيرة وخطيرة. من الممكن أن تكون القوات الإسرائيلية قد شعرت بوجود غرباء فى المنطقة، لهذا كان الشيخ «حمدان» يضغط على أعصابه ويسيطر عليها بكل ما يملك. نزل القائد الإسرائيلى للمنطقة، وكان برتبة المقدم، وتبعه مساعده، ثم مجندان يحملان الأسلحة. دعاهم الشيخ حمدان إلى خيمته. جلس القائد الإسرائيلى بالقرب من الشيخ حمدان. بدأ القائد الإسرائيلى حديثه مباشرة بلغة عربية ركيكة:

ما أخبارك يا شيخ حمدان؟

هز رأسه الشيخ حمدان وقال: أخبارنا كلها خير..

حاول الشيخ «حمدان» كسب الوقت وسأل بسرعة:

سوف نأمر بإحضار الطعام فورًا..

قال القائد الإسرائيلى: كنت أتمنى ولكن الظروف الآن لا تسمح.. نحن فى عجل من أمرنا.

دخل الشاى وتم توزيعه على الموجودين. مال القائد الإسرائيلى برأسه هامسًا للشيخ حمدان وقال له:

إن الجو متوتر هذه الأيام. وأنا أريد رأيك.

نظر إليه الشيخ «حمدان» متوجسًا. أكمل القائد الإسرائيلى: لقد وصلتنا معلومات.

سكت لحظة.

اضطرب الشيخ لحظة. وتنبهت كل حواسه. أكمل القائد الإسرائيلى: وصلتنا معلومات متضاربة عن نية الجيش المصرى للحرب.. وأن هناك تحركات مريبة على الجانب الآخر للقناة. حضرت لأعرف ما رأيك، لأنه يهمنى جدًا.

التقط الشيخ حمدان الخيط بسرعة وهو يتنفس الصعداء: مخابراتكم يا سيادة القائد أذكى جهاز مخابرات فى العالم. هل تنتظر من شيخ قبيلة مثلى أن يعرف مثل ما تعرفون؟

قال القائد الإسرائيلى بجدية: شيخ حمدان الموضوع فى غاية الجدية.. أريد رأيك .. لأن لك خبرة طويلة مع الجيش المصرى أليس كذلك؟

تلاقت النظرات. وكأن القائد الإسرائيلى يعرف شيئًا لا يريد البوح به. سكت الشيخ حمدان وأطرق لحظة ثم قال: يا سيادة القائد. اطمئن. الجيش المصرى لن يستطيع أبدًا عبور القناة. أنتم فى أمان تام. من المحتمل أن تكون هناك بعض القلاقل الداخلية.. فلا يوجد حل لها سوى تحريك الجيش وإعلان التعبئة والتلويح بالحرب إلى أن تهدأ الأمور.. فيعود كل شيء إلى وضعه الأصلى. إذا كنت بالفعل تهتم برأيى.. فأنا أقول كن مطمئنًا. الجيش المصرى لا يستطيع الحرب ولا بعد عشرين سنة.. هذا رأيى.. إذا كان يهمك رأيى كما تقول. هز القائد رأسه بعد أن شرب الشاى وقال للشيخ حمدان بلهجة لها معنى:

وأيضا علمنا أن هناك عناصر غريبة بالمنطقة.. إذا وصلتك معلومات عنهم.. أبلغنا بها.. أليس هذا اتفاقنا؟

قال الشيخ حمدان ليدفع التهمة عن نفسه: عناصر غريبة. ماذا تعنى؟ لو شاهدت أى شىء ومريب سوف أبلغكم فورًا..

نهض القائد الإسرائيلى، ثم قال وهو يودع الشيخ حمدان: إن رأيك له اعتبار كبير عندى. فالقيادات عندنا فى تل ابيب فى غاية القلق وأزعجونا طوال الأيام الماضية بالشكوك بأن هناك أقدام غريبة تتحرك فى المنطقة.. قال الشيخ حمدان وهو يودعه لدى السيارة: لا.. اطمئن تمامًا يا سيادة القائد.. لا داعى للانزعاج والتوتر كل شئ على ما يرام.. أنا هنا صقر صحراء سيناء.. انطلقت السيارات الثلاث عائدة إلى جوف الظلام. ولكن ابن الشيخ اقترب من أبيه وقال له: شاهدت « عابد » أبن عمتى مندوب الأنفار يركب فى السيارة الأخيرة من سيارات القائد.. وأحذر من الغدر يا أبى.. قال الشيخ بسرعة: هيا أعدوا العدة للتحرك فورًا.. أذهب إلى الضابط عادل ورجاله لكى يبدءوا التحرك فورًا إلى القناة. الموقف يزداد خطورة..

قال حاسمًا: كل دقيقة لها ثمن الآن.

تحرك عادل بدورية ومعهم الدليل الذى كلفه الشيخ «حمدان» لمرافقتهم على الفور متجهًا إلى القناة. جدوا فى السير دون راحة، إلا لحظات كل حين لإطعام الجمال، وقضاء الحاجة. كان الوقت يجرى بسرعة، والأخطار تتجمع فى الأفق. كان هناك شعور ما لدى الجميع أن هناك شيئًا خطيرًا يدبر وأن الأيام القادمة حاسمة.

أرسل عادل إشارة إلى إدارة القيادة بخط سيره، ولكنه لم يتلق أى جواب. وعندما حاول إرسال الرسالة الثانية اكتشف أن جهاز الإرسال قد تعطل. أصبح الموقف حرجًا، فإن من الخطورة الاقتراب من القناة دون علم قواتنا على الجانب الآخر. فإن أى خطأ معناه الموت لجميع أفراد الدورية وضياع ما يحملونه من معلومات خطيرة. وكان قد مضى شهر كامل للدورية خلف الخطوط، نحلت فيها أجسادهم، وأصبحوا فى حالة إنهاك مستمر من المجهود الشاق، والقلق ليل نهار.

وصلت الدورية حسب الخطة السابقة إلى النقطة المحددة شرق القناة، وانتظروا فى أماكنهم حتى حلول الليل. رصدوا كل الدوريات الإسرائيلية وعبروا الطريق الأسفلت الموازى للقناة، ثم اقتربوا من القناة زحفًا. نزلوا إلى حافة القناة دون صوت. فوجئوا بوجود قارب على حافة القناة. اقتربوا ونادوا على رجال الضفادع البشرية. وعرفوهم بأنفسهم. كانت المفاجأة إن إحدى دوريات الصاعقة قد عبرت فى نفس اللحظة متجهة إلى عمق سيناء للقيام بأعمال قتالية سرية. ركبوا القارب وعبروا القناة، وبمجرد وصولهم إلى الشاطئ الآخر، حيث القوات المصرية هبطوا من القارب وسجدوا يقبلون تراب الأرض. فوجئ ضباط مكتب مخابرات القناة بوصول الدورية بعد أن فقدوا الأمل فى عودتهم بعد انقطاع الاتصالات. كانت فرحة لا توصف. تحركوا فورًا إلى القاهرة إلى إدارة «القيادة» لتسليم الوثائق. همس أحد ضباط المخابرات فى أذن عادل قائلاً: الحرب على الأبواب. كانت مهمتكم فى غاية الأهمية لنا فى هذا التوقيت.

فى مبنى «القيادة» استقبلوا استقبالاً حافلاً على الرغم من وجود حالة من القلق والتوتر الشديد فى مبنى الإدارة. الكل يعمل وينظر فى اتجاه واحد. كأن هناك حدثًا معلقًا فى الفراغ لا يراه أحد إلا هم، حدث هائل قادم لا محالة سيغير التاريخ كله.

قابلهم مدير المخابرات على عجل: وقال لهم فى إيجاز: «سوف تعرفون بعد ساعات مدى جسامة المسئولية التى قمتم بها.. إنه عمل رائع يا رجال. ثم وجَّه حديثه لعادل: أنتظر تقريرك عن الدورية بأسرع ما يمكن. أخذوهم إلى استراحة ملحقة بمبنى المخابرات. انفرد عادل فى ركن من الاستراحة، وأخرج أوراقه وراح يعد التقرير بسرعة.

عاد عادل بعد تسليم التقرير إلى مدير المخابرات. كان فردا الدورية قد راحا فى سبات عميق، أما هو فقد تمدد على الفراش ولم يشعر بشىء.

استيقظوا على طرقات حادة على الباب. استيقظوا بصعوبة من النوم. فوجئوا بأحد ضباط إدارة المخابرات يقول لهم فى بهجة غريبة لم يعتادوها أيام المهام الصعبة:

قوموا واستعدوا للذهاب إلى وحداتكم. لقد عبر الجيش المصرى إلى سيناء. وقبل أن يفيقوا من الصدمة تنامى إلى سمعهم صوت بيان القوات المسلحة عن العبور.

حملتهم سيارة إلى وحدتهم ليشاركوا فى القتال. لقد عادوا إلى الصفوف فى صمت كما ذهبوا بالضبط .

ورغم قلة عددهم، وصغر رتبتهم، وتواضعهم. إلا أن مهمتهم كانت من المهام التى كان لها دور خطير فى التخطيط للحرب بسبب المعلومات التى أرسلوها.

وكالعادة ذابوا فى طوفان الحرب، والسلام، ولا أحد يعرف عنهم أى شيء ككل الأبطال الحقيقيون. دائمًا تجهلون. ولا يعرفهم أحد سواء فى الحياة أو فى عداد الشهداء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    محمد
    2018/03/09 06:52
    0-
    0+

    سؤال
    من هو كاتب القصة؟ أظنه عصام دراز فقد كان من زملاء التجنيد.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق