رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غوطة دمشق

لا شك أن ما يجرى فى غوطة دمشق يشكل جريمة بكل المقاييس، لكن بعض القوى الدولية الكبرى والإعلام التابع لها يحاول أن يغرس فى الأذهان أن الفاعل الوحيد فى هذه الجريمة هو النظام السورى وليس هذا صحيحاً، بل لعله لا يكون الفاعل الأصلي، فقد اختلت علاقته بشعبه بسبب نموذجه السياسى وممارساته فثار عليه فى سياق ماعُرف بالربيع العربي، لكن هذا النظام كان له خصومه فى الساحات العربية والإقليمية والعالمية لأسباب بعضها على الأقل لا يسيء إليه، واستطاع هؤلاء الخصوم أن ينفذوا من خلال الثورة الشعبية السورية لتحويلها من ثورة سلمية إلى ساحة مدججة بالسلاح استُخدم فيها الإرهابيون على أوسع نطاق كأدوات لتصفية الحسابات مع ذلك النظام، وأخذوا، وقد تعددت فصائلهم بالعشرات مع تعدد الممولين وأهدافهم، يعيثون فساداً فى سوريا وينشرون الموت والدمار فى كل مكان فيرد عليهم النظام السورى بعنف مفرط لا يفرق بينهم وبين أبناء الشعب السورى المرتهنين لديهم فتدفع سوريا الحبيبة كلها شعباً وأرضاً وعمراناً أبهظ الأثمان، بل إن هؤلاء الإرهابيين لم يكتفوا بقتال النظام والشعب فى سوريا وإنما دخلوا لطبيعتهم الارتزاقية فى حروب فيما بينهم سعياً لزيادة غنائمهم وكأنهم يقطعون بأنهم لا يقلون سوءاً عن النظام الذى يحاربونه إن لم يكونوا أسوأ بكثير، فهو على الأقل يحافظ على كيان دولة بينما هم يحملون أكثر الأفكار تشوهاً وأكثر الممارسات وحشية.

ويبدو لمن يتابع التحركات الدبلوماسية على الساحة الدولية والتغطية الإعلامية لهذه التحركات ولما يجرى فى الغوطة وكأنها الجريمة الوحيدة فى عالم اليوم، بل إن مجلس الأمن الذى انشغل كثيراً بما يجرى فى الغوطة ومن بعده مجلس حقوق الإنسان لم يشغلا نفسيهما للحظة واحدة بالتدخل التركى العسكرى غير المشروع فى سوريا بحجة الدفاع عن الأمن التركي، وهى حجة مطاطة لا تأبه بالسيادة السورية وتعتبر أن مطالبة أكراد سوريا بحكم ذاتى خطر عليها مع أن الخطر الحقيقى يأتى من داخل تركيا ومن وضع الأكراد فيها، ولو كان سوياً لما اهتز الأمن التركى بفعل ما يجرى على الأرض السورية، ويبدو تحيز الدوائر الدولية فى الشأن السورى صارخاً، فبالإضافة إلى اقتصار التحركات الدبلوماسية المحمومة على ما يجرى فى الغوطة وكأن القصف المدفعى لعفرين وإمطارها بالغارات الجوية أمر مشروع، وبينما يتفنن الإعلام التابع للدول ذات السياسات المشبوهة فى تصوير المآسى الإنسانية الناجمة عن سلوك النظام السورى فى الغوطة وغيرها فإننا لا نرى تغطية واحدة لآثار القصف التركى لعفرين كما لم نر صورة واحدة لضحايا غارات التحالف فى سوريا ومن قبلها العراق إبان الحرب على «داعش» أو صوراً لآثار قصف الإرهابيين المتحصنين بالغوطة لدمشق ومن يسقطون ضحايا نتيجة هذا القصف، والأدهى والأمر أننا لم نسمع حرفاً واحداً عن أن خصوم النظام فى الغوطة هم من غلاة الإرهابيين وهو ما يثير شكوكاً قديمة حول مسئولية قوى دولية بعينها عن خلق أسوأ الكيانات الإرهابية ودعمها وتوظيفها عند اللزوم، بل إن المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير فى أن «صحوة الضمير» التى يتحلى بها المجتمع الدولى الآن إزاء الغوطة مرتبطة بمؤشرات قرب حسم النظام معركة الغوطة لصالحه، ذلك أن تطوراً كهذا قد يعنى قرب حسم الصراع ذاته وهو تطور غير مطلوب من القوى الدولية التى تخطط لتقسيم الوطن العربى وتفتيته بما يتسق وخططها لمستقبل المنطقة.

كان الخيار الأمثل لسوريا فى مواجهة هذه المؤامرات أن يكون نظامها قادراً بنموذجه السياسى وممارساته على إحباطها لكن الأمر كان بالتأكيد بعيداً عن ذلك ومن هنا اضطر للاستعانة بحلفائه الإقليميين والدوليين فكانت النتيجة ما نراه الآن، فربما تكون سيطرة النظام على الأراضى السورية قد زادت كثيراً عما كان عليه الحال قبل التدخل الإقليمى والدولى لصالحه لكن النسيج تفكك وأصبح نوعاً من الفسيفساء، ناهيك بخرائط مناطق النفوذ الإقليمى والدولى التى تشارك أو تؤثر فيها كل القوى الإقليمية ذات الصلة وعلى رأسها إيران وتركيا اللتان تتدخل كل منهما فى الصراع على نحو مباشر وتمارسان نفوذاً هنا أو هناك، وحتى إسرائيل غير الموجودة فى الصراع بقواتها حاضرة بسلاحها الجوى الذى يتدخل وقت اللزوم لضمان ألا تمثل تطورات الصراع تهديداً لأمنها ناهيك بعلاقتها المستقرة بالإرهابيين بدعوى اعتبارات إنسانية تستدعى علاجهم من إصاباتهم، وهو علاج يعودون بعده إلى ميادين القتال بكل العرفان لمن تغتصب الأراضى الفلسطينية والعربية، كذلك أصبحت الأراضى السورية ساحة مستباحة للتدخل الدولى بكل صوره وأشكاله بدءاً بالتدخل الدبلوماسى وانتهاءً بالتدخل العسكرى سواء بدعوة من النظام السورى كما فى الحالة الروسية، أو دون أى سند شرعى كما فى حالة الولايات المتحدة التى نأت بنفسها عن التدخل فى عهد أوباما لكن سياستها انقلبت رأساً على عقب فى عهد الرئيس الحالي، وفى ظل هذه الغابة من المصالح الإقليمية والعالمية لم يعد انتصار النظام السورى فى معركته ضد خصومه كافياً لإعادة اللحمة إلى الجسد السورى، فبعد أن تهدأ المدافع وينجلى غبار القتال سوف يتداعى الأكلة على القصعة السورية كى ينال كل منهم ما يعتقد أنه الثمن العادل لمشاركته فى الانتصار، وسوف يجعل هذا من بناء الدولة السورية عملية معقدة بالغة المشقة، وأقول بناء الدولة وليس إعادة بنائها لأن «الربيع العربى» ومن قبله الغزو الأمريكى للعراق أيقظانا من وهم أن لدينا «دولاً وطنية» عربية، فقد اكتشفنا أن ما لدينا فى معظم الدول العربية هو مجموعة من الولاءات الأولية التى حافظ الاستبداد على تماسكها فلما انهار أو تهدد تبدد معه هذا التماسك. أعان الله سوريا الحبيبة على مواجهة محنتها وسدد خطى شعبها نحو تضميد جراحه وإعادة وطنه إلى المكانة التى يستحقها.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: