رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشاعر والناقد المغربى محمد بنيس يجيب عن السؤال: ماذا فعلت بالشعر يا صاحب «الحداثة المعطوبة»؟ بنيس: غابت المعرفة النقدية فخاض الشاعر العربى معركة الحرية وحيدا

حوار ـ د . مصطفى عبد الوارث

ناقد ومنظر ومترجم و شاعر مغربى كبير، من أهم شعراء الحداثة ، له ستة عشر ديوانا. قدم للمكتبة العربية خمسة وثلاثين كتاباً، فى الأدب والفكر والثقافة.. يسهم بفاعلية في التعريف بالثقافة العربية على المستوى الدولى،مثقف له موقف .. الدكتور محمد بنيس ، لبى  بأريحية إجراء هذا الحوار للأهرام ، طرحت عليه عددا من قضايا فقال – فيما قال - إن نقد الشعر شبه غائب، وإن النقد الأدبى فى مصر وغيرها بعد السبعينيات يشهد تراجعا .. وسواء أَتفقتَ معه أم اختلفت ، فإنه على قدر الاختلاف فى الرؤى يتحقق الثراء .


ــ فى البداية سألته: عنوان كتابك الأحدث النقدى الإبداعى «أندلس الشعراء» خروج على المألوف ، لماذا وما النتائج؟

فقال: خلال حوار مع صديقى الناشر الإيطالى جورجيو دوفوتو اقترح وضع أنطولوجيا للشعر الأندلسى، فأجبته: سأضع شيئاً مختلفاً هو «أندلس الشعراء». الشعر لعبة خطيرة ومسئولة فى آن. فالانتقال عن العنوان المتداول رؤية تصنعها الكلمات. لا أفعل ما فعله السابقون. أفضل أن أغامر. المغامرة سبيل التعلّم. من هنا وضعت الكتاب بطريقة جديدة تعتمد رؤيتى للشعر اليوم، مع اعتبار الوضعية المركبة للثقافة الأندلسية وخصوصيتها الشعرية؛ لذلك جمعت ما أبدع فيه الأندلسيون بين القصيدة والموشح والزجل، الشعراء والشاعرات، شعراء مسلمون وشاعران يهوديان. ألفت بين الشعر والنثر الذى يتوافر على خصيصة شعرية، وأضفت صورة قصيدة بصرية فريدة لأبى البقاء الرندى،ثم أعطيت مكانة للموسيقى الأندلسية، وقسمت الكتاب إلى أبواب عبارة عن ليلات تمثلها نصوص شعرية ونثرية، ووضعت مقدمة مطولة ألخص فيها نظرتى الثقافية للأندلس من خلال شعرائها. وأبرز الإبداعية التى تفردوا بها، وأثروا فى عموم الثقافة العربية، من مصر إلى العراق، ومنهما إلى إيران وما بعدها شرقاً، وإلى أوروبا الحديثة غرباً.

ــ كتبت «الحداثة المعطوبة» وتوصف بشاعر الحداثة.. ما الحداثة عندك وأين نحن منها؟

أجاب بنيس: الحداثة أن نعيش زمننا بقيم زمننا الكونى. أساس هذه القيم هو الحرية. فلا وجود للحداثة فى مكان لا حرية فيه أو فى أعمال لا حرية فيها. أقصد حرية التفكير والتعبير. هى حرية تترك الذاتية تنمو بدون قيود. وهى لذلك محمّلة بعواصف النقد، نقد الاستبداد، أكان سياسياً أم دينياً أم ثقافياً. وهذا النقد يفتتح أعالى الإبداع. مع الحداثة نكون فى علاقة نقدية مع أنفسنا كما مع الآخرين ومع الأشياء والكون. هى تسمح لى بأن أرى كيف تتجسد فى الشعر، كما يمكن أن أري؟ وكيف تتجسد فى الحياة السياسية والاجتماعية. نحن للأسف نفتقد الشروط الأولية للإقدام على تعريف جديد وموسع للحرية، لأن التعليم، الذى هو الأساس فى التكوين، أصبح متدنياً وخاضعاً لسياسات غير مسئولة.

ــ قال الشاعر الفرنسى برنار نويل إن ديوانك «هبة الفراغ» عمل تأسيسى. ماذا فعلت بالشعر وماذا أسست؟

ـ يجيب بنيس :أظن أن برنار نويل يقصد أننى فعلت بالشعر ما يفعله كل شاعر يعرف أن كتابة الشعر مسئولية. لم يكن عملى سهلاً، ولا محفوظاً فى كتاب. هو بحث شخصى تطلب سنوات من تعلّم الكتابة. لأننى كنت دائماً أتعلم وأنا واع بما أصبح عليه الشعر المغربى فى العصر الحديث، ومتتبع منذ شبابى الأول لجميع شعراء التحديث فى العالم العربى، وحريص على تعلم الشعر العربى القديم والثقافة العربية القديمة فى المشرق والمغرب والأندلس، وعلى رصد تفاصيل الحركة الشعرية الحديثة فى فرنسا باعتبار اللغة الفرنسية هى لغة الاستعمار فى جنوب المغرب، ثم رصد الحركات المختلفة فى ألمانيا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، عن طريق الفرنسية أو أحياناً فى ترجمات عربية. اتسعت القراءة لاحقاً، وفى كل مرة كنت أسأل فى الكتابة وأبحث فى الكتابة ولا أتوقف. كنت أسعى إلى التحرر شيئاً فشيئاً ممّن لست أنا، قبل أن أتعرف على كتابتى الشخصية، بإمضائها الشخصى. وأنا ما زلت أحس أننى دائم البحث. أسئلتى متعاظمة، ولا أطمئن إلى ما أكتب.




ــ سألت :تقول عن الشعر إن له أضلاعاً متعددة، ما المقصود؟

قال على البديهة: طبعاً للشعر أضلاع متعددة. فهو مثل البلور، يضيء من كل جانب. كلما نظرت إليه من ضلع ظهرت لك أضواء ذات ألوان وأشكال تختلف عما رأيت فى ضلع آخر. هذا يعنى أن للقصيدة معانى متعددة، لا تنتهى، قادرة على تجديد وجهة النظر. لكن إذا كانت القراءة تتم من خلال منهج فإنها تنتهى مهما استمرت، فيما القصيدة لا تنتهى لأن أضلاعها لا منتهية. وهذا ما يميز الأعمال الشعرية الكبرى التى لا تتوقف أضلاعها عن التعدد كلما أقبل عليها قارئ بوعى نظرى جديد ووجهة نظر مختلفة، تعتمد أحدث المعارف وأعمقها. ذلك هو سر القصيدة التى تتجدد اللغة بتجددها، هى دائماً هى نفسها ولا سواها، نهايتها ولانهايتها، أى حاضرها، المتجدد والمستمر فى آن.

ــ تحدثت فى تقديم «مساءلة الحداثة» عن رجّ الشعر الحديث للقديم، ما حدود هذا الرج؟ أ

أجاب بنيس: هو رجٌّ يمس الشكل الشعرى، بما هو إيقاع ولغة وفضاء، لكنه يمس، من خلال ذلك، الرؤية الفكرية التى يصدر عنها الشعراء القدماء عندما يتحولون إلى خصم، لا تسمح رؤيتهم بإبدال الرؤية إلى الحياة والموت، إلى الإنسان والأشياء، إلى الزمن والكون. الشاعر مسئول، بمعنى أن الشعر يسأله عما يفعله به. فهو يسهر على ما استلمه من السابقين ليسلمه إلى اللاحقين. السهر يعنى الرجّ، الذى هو الوعى بفعل الزمن فى الإنسان وفى حياته. ولا يكون الوعى بفعل الزمن ممكناً إلا بمعرفة الشعر والمعارف التى لها علاقة بالشعر فى زمننا، بما فيها العلوم الفيزيائية.

ــ قلت كيف ترى واقع النقد الأدبى فى مصر والمغرب العربى الآن؟

فأجاب: هذا العمل من صميم مفهومى للكتابة، كممارسة نصية متعددة. أما عن واقع النقد الأدبى فى العالم العربى، فهو يشهد بالإجمال تراجعاً من حيث المعرفة والدراسة. أهم الدراسات الأدبية اليوم تكاد تصدر فى المغرب العربى. أما إذا اقتصرت على نقد الشعر، الذى أتتبعه أكثر، فرأيى أن ما عرفناه فى مصر منذ الثلاثينيات مع طه حسين حتى الستينيات مع محمد النويهى والسبعينيات مع عزالدين إسماعيل، لم يعد موجوداً للأسف. ونلاحظ شبه غياب لنقد الشعر على المستوى العربى ككل. لا أدخل فى التفاصيل. لكن ثمة دراسات يمكن الالتفات إليها فى مجال الشعرية العربية، أوتجديد القراءة التى تركز على التفاعل بين الشعرى والفلسفى. النقد يصبح كشافاً عندما يواكب الحركة المعرفية والأعمال الشعرية، وتكون له الجرأة على الذهاب إلى أقصى ممكن فى القراءة.

ــ ألا يواكب النقد اليوم الإبداع الأدبى : وهل له دور مؤثر فى فتح الآفاق أمامه ؟

فبادرني: لا أريد الانجراف وراء أحكام. لدى ملاحظات فقط. عندما كنت شاباً كانت المؤلفات النقدية عن الشعر تصدر تباعاً، بين القاهرة وبيروت. كان كتاب جديد يصدر قبل أن أنتهى من قراءة كتاب صادر قبل شهور قليلة. وكان نقد الشعر حاضراً فى المجلات المصرية واللبنانية، تلك الحركة النقدية كان لها سلطة على الشاعر والقارئ والباحث . لا شيء من هذا يحصل اليوم. نقد الشعر، حتى الصحافى منه، غير موجود . فالقليل مما ينشر لا يفتح آفاقاً جديدة ولا يواكب ما يصدر، الشاعر العربى اليوم وحيد، وربما تخلى عن انتظار الناقد.

ــ قلت : لديك تأملات فى الواقع الثقافى العربى. ماذا يشغلك؟

ـ فأجاب بنيس :نعم، أتأمل باستمرار الواقع الثقافى العربى. هناك فى أغلب الدول العربية غياب تداول المعرفة النقدية والأعمال الإبداعية التى تكسر حاجز الممنوع. دخلنا،عربياً، زمن العولمة، بكل ما يحمله من استهانة بالثقافة وبالإبداع الأدبى والفنى. هو زمن لا مكان فيه للثقافة. ما يشغلنى أكثر، فى حياتنا الثقافية، هو كيف يمكن مقاومة هذا الزمن الوحشى متعدد الرءوس؟ حين نكون أمام هذا الوضع القاسى، لا نعود نعرف ما المبادرات الممكنة لاختراق قسوة الزمن. هناك أسئلة معلقة تخص حرية الرأى والتعبير، المشكلة الكبرى التى لا يزال المثقف العربى يعانى منها، وتتحدى طموح الثقافة العربية فى التحديث، ثم هناك أسئلة اللغة الفصحى، اللغات العربية المحلية، اللغة الأمازيغية ، اللغة الكردية، الكتابة بلغات أجنبية، تاريخ الأدب العربى الحديث، الترجمة، الحوار مع العالم. هذه عينة مما يشغلنى. أحس أنها أكبر منى ومن زمنى، وأنا أتساءل باستمرار: كيف أنتقل من زمنى إلى زمنى ؟

ــ سألت: تحدثت، فى التفاعل الثقافى العربى الأوروبى، عن الغزو المزدوج . فهل غزونا نحن أيضاً؟

ـ البحث العلمى ينطلق من التساؤل الذى يجعل الواقعة العلمية تنتج عن الغزو. والمعنى هنا استعارى مستقل عن المعنى اللغوى. لقد تعودنا، عبر تاريخنا الحديث، على نقد الذات أو نقد الآخر، بطريقة نفصل فيها بين الطرفين. والنقد المزدوج مقاربة تشدد على ضرورة العناية بنقد الذات والآخر فى آن. فلا مجال للفصل بينهما. فالثقافة العربية تحتاج إلى ممارسة نقدية فى الاتجاهين.

النقد المزدوج، بهذا المعنى، يتطلب معرفة عميقة بالثقافتين العربية والغربية على السواء، ومستجيبة لشروط الخطاب المعرفى الحديث ، ونحتاج إلى العمل مع جهات عربية ودولية، خاصة مع أفارقة وآسيويين. نحن، للأسف، ننكفئ على أنفسنا ولا نعرف العالم أو نتباكى عندما يغلق دوننا الأبواب. نحن بحاجة إلى قرع الأبواب، والعمل إلى جانب الذين يعملون بالوسائل التى لا بد من التوفر عليها لكى يكون ما نقوم به مؤثراً. أؤمن بأن ما نريد أن نقوم به ممكن إذا كان لدينا التصور والإرادة والعزيمة. التخلف اختيار. ولا سبيل مع اختياره إلى الكلام عن الغزو أو عن النقد المزدوج.

ــ قلت : دائماً تطرح الأسئلة، أين نجد الأجوبة ؟

فأجاب: للسؤال تاريخ فى حياتى، وجدت نفسى فى أواسط الستينيات. فى عز مراهقتى، قلقاً لعدم معرفتى بالثقافة المغربية. ما أدى إلى طرح أسئلة على نفسى، ثم على غيرى وعلى الثقافة والشعر فى المغرب. كانت أسئلة مزعجة، لأنى كنت على غير وفاق مع زمنى، وكانت علاقتى بالمعرفة المتداولة واهية. وعندما أخذت فى الاطلاع على الفلسفة تبيّن لى أنها مدرسة فى طرح الأسئلة وفى تعلم كيفية طرحها. فالسؤال عندما يكون بالمعنى الأصلى والكلى لما نسأل عنه يكون - كما يقول هيدجر- ذا سند فى التاريخ. وبهذا نجد طريقنا فى المستقبل، رغم أننا لا نكون بالضرورة سائرين على الطريق الصحيح. لكن لنحذر، هناك أسئلة يمكن العثور على أجوبة عنها فى زمننا، وأخرى لا يمكن. لذا علينا أن نفرق بين السؤال والجواب، ولا نشترط فى طرح السؤال وجوب العثور على جواب عنه، هنا والآن. من ثم فإن للسؤال أسبقية فى المعرفة، وهو الذى يدلنا على البحث عن الأجوبة، فى الزمن المفتوح على المستقبل.

ــ ذكرت فى كتابك «كتابة المحو»، أنه لا وطن لك غير الكتابة.هل تعكس العبارة أزمة وجودية؟ ـ

يجيب بنيس: أعتقد أن ملازمة الكتابة إلى حد اعتبارها وطناً هى تجربة يعيشها كل شاعر وكاتب يحس أنه يعيش فى زمن يهدد كتابته. «لا وطن لى غير الكتابة» عبارة مكثفة لها ما لا ينتهى من الدلالات. وقد عثرت عليها فى فترة كنت أشعر فيها أن كتابتى مهددة. وأعتبر هذه الشطحة من الواردات، المنيرات، فى زمن الحلكة وافتقاد البوصلة. بهذه الشطحة ومثيلاتها أستمر فى الكتابة، وأقاوم من أجل حريتها وأفقها المفتوح.

ــ قبل أسابيع قليلة صدرت لك مختارات شعرية فى القاهرة عن قصور الثقافة تحمل عنوان «ضوء العتمات». ماذا يعنى لك هذا الإصدار فى القاهرة ؟

ـ أجاب بنيس: أود أن أشكر أولاً كلا من صديقى سعيد الكفراوى على مبادرته باقتراح نشر هذه المختارات، والشاعر جرجس شكرى على ما بذله من أجل إصدارها. إنها، بالنسبة لى، تحية أقدرها ولها مكانة رمزية فى نفسى. وبدورى أحيى بها الشعراء والأدباء المصريين ممن عرفتهم وتكونت بيننا صداقة ومحبة مستمرة.

ــ سؤالى الأخير..ما من مثقف إلا له موقف.. ولك إشارات. كيف ترى المستقبل العربي؟

ـ يجيب بنيس: من معايير معرفة المستقبل النظر فى الواقع الحالى من خلال وضعية التعليم. هذه نقطة الانطلاق فى الوقوف على عتبة ما سنكون عليه بعد ثلاثين أو خمسين سنة. تعليم اليوم بوصلة لرصد تلك النقطة التى لا نريد أن نراها. تعليمنا متعدد الأعطاب، لا يهيئ تلميذ اليوم لاستيعاب زمنه القادم، تعليمنا يبعدنا أكثر فأكثر عن العالم : يبرر التهميش واللاعدل. وإلى هذا، نشاهد تراجع القراءة إجمالاً، وقراءة الكتاب المطبوع خاصة، مع اتساع تأثير الخطاب الدينى المغلق على النفوس والعقول؛ لذلك أعود وأتساءل: كيف يمكن أن تنتصر ثقافتنا على أعطابها ؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق