رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاطىء لاأملكه

هدى يونس

أزهو بنفسى وبما أنجزت .. ملوحة شفتىَّ ألعقها.. أصابع يدى تبكى.. ماؤها المسلوب يغمرنى عطشاً.. تسكننى غربة مسافر ، تؤنسه أرصفة محطات عبور.. أحتمى بحائط حجرة المفتش المغلقة ويمر الليل .

يأتى صباح لا أعرفه ، تتداخل المسافات وتتغير.. فضاءات تردد صدى ينعتنى بالحقير.. ثقتى بوجودى تهتز .. وتمتلئ صحراء رؤيتى بحيوانات وطيور نافقة..

قديس بملابس رهبان يبدل رؤيتى ، ويُقسم أن ما أراه شظا وجد مسكون..

وتأتى جياد تصهل ، على ظهورها فرسان بملابس عصور قديمة .. يمسك الناسك لجام حصان أسود ، ويأمرنى أن أركبه .. ركبته بسهولة .. تمنيت أن يمنحنى شربة ماء ، وملابس فرسان وسلاحا كى أكتمل ..

و لم يمهلنى واختفى .

عطشى وغياب سلاحى ، يحفر فى ذاكرتى طرقاً ، وأدرك ما لم أعلمه قبلاً..

سحب تتراكم تحتل السماء .. تنقشع السحب ، وتحول لون السماء إلى أحمر داكن.. اختفى لون الاختناق .. واحتل الكون لون رمادى.

وجدتنى أختبئ ورائى .. أبحث عن أردية لى ولعرايا مثلى ، يسكنهم وجعى ، وأتوه معهم . تغزونا دهشة ونحن نشكل دائرة متسعة غير مكتملة لاستقبال عرايا جدد . ينطفئ الكون وما أراه .. ولا يتبقى غير صراخ الجن يردد «كتب التاريخ ظلمتنا .. فاقنا البشر خبرة فى الخسة» .

جلست على سريرى .. أتحاشى تذكر مارأيته.. يحضرنى قول جلال الرومى «كن ثملاً بالحب.. فان الوجود محنة» .. أضيق منها ، لأنها لم تراع مكابدة عاشق ، سجن وجده بحوائط الطالب والأستاذ .. لا أدرى ، أنا أستاذ القانون الجنائى ، لماذا تلح على رأسى كتب الأسلاف ، وتعاويذ السحرة لتنتشلنى من هلاوس كوابيسى . بهتان رهانات يرهقنى .. ومتاهات تزاحمنى.. أبتسم من رغبتى فى الخلود داخل سحابة .. أظل فيها كامنا ، لأكتشف غموض ما أبصره .

حساباتى غير المكتملة تتراكم .. ولن أكملها.. أستعين بربى أن يبعد الوساوس ..

منذ الأمس يغمرنى وهج لا أفسره .. ويتبعه ضيق يخنق صدرى .. أتخلص من كامل ملابسى وأعود كما ولدت .. بعدها يسكن أعماقى ويفيض تسامح ، أطلب الغفران ممن أعرفهم ولا أعرفهم ..

تزاحمنى صفحات من فارقونى .. من قبل كانوا يمرون ولا أبصرهم ، أسمع لهم ولا أهتم .. اجتمعوا الآن واتفقوا بعد خلاف ، على سحب أكسجين وجودى .

صراخ صمتى يردد «اتركونى وغيبوا»

أهرب للنوافذ كى يمنحنى النيل هواءه ، ولا أجد مايكفى .. أجلس فى البلكون .. أحلم بعابر يأخذنى معه لشاطئ لا أملكه وأجد هواء أتنفسه .. روحى تمتلئ رسائل لا أفسرها .. وينطفئ ماتخيلته وأحسسته ويخمد بركانه.

***

تحالفتُ معهم.. جعلونى مميزاً.. أشاعوا امتلاكى شفافية مذهلة.. أنفذ قواعدهم.. ينازعنى ضيقٌ من ضلالى ولا أعلنه.. تترسخ مكانتى وتتكاثر أرصدة ثروتى ..

فى أسفارى أتخلص من أوثان معتقداتهم وأنوى اظهاره ولا أظهره .. أعاتب نفسى حين تذكر قول الأمام على «احتج لمن شئت تكن أسيره» ألوم نفسى «وأما بنعمة ربك فحدث» مصعوقاً بشركى، لأن النعيم الذى أملكه من القادة وليس الرب ..

وأعود لقواعدى .

ارتحتُ وسجلت ماأملكه لمن شاركتنى مشوارى تنفيذاً للأوامر.. تهدينى إليهم وتهددنى بهم .. بعد نجاح كل صفقة تقربنى إليها ، وتعدد فضائلى ، وتمنحنى رضاها العسير .. وسرعان ما تعود لطبيعتها ونكران وجودى ... وتتهمنى بضيق أفقى..

ونفورى من نظراتها لا أعلنه .

تلميذتى تنتشلنى وتطهرنى وتمس روحى ، تعرف ما يدور بداخلى .. تنسج وتلمم وتحلل ، بنظرات سكينتها أمتلك الدنيا .. أراها تجمع تراث وتعاليم الأجداد ، تتقارب ..تتباعد.. تبعاً لما وضعه الموروث من لوائح ..

استعداد فطرى يحافظ ويحافظ رغبة منها لجلب قوة تفتقدها أحياناً.

قبل دخولى المدرج أعطتنى مظروفا وكتبت بخط أحمر رقيق «خاص لأستاذى ولا غيره» أعداد طلابى كُثر .. حملت مفردات كلمات محاضرتى نبض الشعر.. ابتسمتُ وابتسم طلابى من وقع الكلمات وعلا التصفيق .

بعد انتهائى فتحتُ المظروف ، أوراق بحثية عددت تاريخ مواقفهم الدموية منذ الخلافة حتى الآن . عند لقائنا التالى رددتُ المظروف فى تكتم وأمرتها باخفائه .. وانتقلت على عجل كخطو الغزال فى القفز ، حول بحثها عن «الظروف الاستثنائية للجرائم الدولية» ثم وجدتنى أحدثها عن وجع القلب أو ربما العقل لا أدرى أيهما وضحكت ..

رأيت شحوباً يعلو وجهها .. ابتسمت مهونا ومداعبا .. أحكى عن هلاوس تحتلنى فى النوم والصحو ، وتاريخ يعرفنى وأعرفه ولا أفهمه ، وأُلاحق دوماً غموضاً أجهله ،.

ملامحها تربطنى بالملائكة .. أسألها هل للملائكة مواجع باعتبارى واحداً منهم..!! تنهدت ساكنة ترجونى أن أكون رحيما .

يجمعنا صمت قبل أن نفترق ويتجاور المسكوت عنه بفيض من السكوت ..

أتطهر وأحس بنقاء روحى .. لا أتذكر عودتى لبيتى .. وما أتذكره عودتى إليها..

اليوم دخلتُ فيلتى فى الدور الحادى عشر المطلة على نيل العجوزة.. ولا أجد كابل الكهرباء .. خيالات شبحية تعبر مخيلتى .. لا أجد مفتاح الكهرباء .. أردد « دفاتر أحلامكم لن تجدوا فيها غير رفضى ، يدى التى توقع بالموافقة قررت اليوم الهرب وتركتنى وهى تردد : ماذا أفعل عند غضب الرب على أفعالى ؟

وأنتم تؤكدون أنكم أكثر قوة وغضباً منه !!»..

أحاول تهدئتى ، أستجير «ربى امنحنى ذاكرة لم تطأها قدماى من قبل لأتطهر قبل دخول ملكوتك بعيداً عنهم».

خيالات ملثمين وخناجر على الحائط .. هربتُ من الحوائط الى الشرفة .. أحاطتنى خيوط شرنقة عنكبوت لزج تخنقنى .. يدى تشير الى النهر والمدى كى يدنو ..

أنادى من شاركتنى كى تنقذنى من تلك الخيوط ، وعدتنى عن بعد أن تخلصنى بعد صعودى إلى السطح كى أصلح الإرسال وتركتنى لتعد طعاماً للقادمين ..

أُغلق باب البلكون وأُرغمت على البحث عن أرض اخرى .. صاعقة طيرانى فى الفضاء أفقدتنى الذاكرة ، وقلبى يبحث عن شاطئ .. انطفأت وحيداً ، وتوارى جسدى التراب ولم يتوقف أحد أمام الشبه الجنائية غير فتاتى الشابة التى لم أكمل معها البحث.

فى عزائى بُكائها يحزننى .. وزوجتى تستنكر فعلتها .. وترفع المصحف وتهدد بغضب الله لمن يبكى وديعته !!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق