رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدفاع عن المعرفة

تم قبول الشاب «هنشكليف» طالبًا بالمراسلة فى جامعة لندن، وأثناء سفره بالقطار لتسلم عمله بإحدى المدارس الثانوية؛ إذ بصوت يعلن: «يجب أن أتخلص منها»، وعاود الرجل الغريب القابع فى مقعده بالقطار يكرر: «ولماذا لا تتخلص منها؟ هيا يا رجل ألقها.. أليس هذا ما تريده؟». وراح الرجل الغريب الأحمق يحدق فى «هنشكليف» وهو يردد: «نعم، ولم لا؟ يجب أن ينتهى كل هذا». ولأن سؤال الرجل يشهد بنقصانه؛ لذا أعرب «هنشكليف» للرجل عن رأيه بقوله: « إننى لا أفهمك.. أنت غامض بشكل ما»؛ لذا وقف الرجل مرددًا: «أنت لا تفهمني؟»، فأخرج من حقيبته شيئًا مدورًا ملفوفًا فى عدد من الأوراق الفضية، ثم فككه فتبدى ثمرة صغيرة لونها أصفر ذهبي، وراح الرجل الغريب يعلن: «هذه تفاحة شجرة المعرفة، إنها صغيرة لامعة ورائعة، نعم المعرفة، وأنا سأعطيها لك». لكن يبدو أن «هنشكليف» بوصفه شابًا يتمفصل بين تلقى المعرفة كطالب جامعي، وتدريس المعرفة كمعلم فى مدرسة ثانوية، أدرك أنه رجل مجنون وساخر. صحيح أنه وفقًا لما أدركه «هنشكليف» عن الرجل فإن انسحابه من الحوار معه لا يعد سلبًا؛ بل يتبدى حدًا حاسمًا قاطعًا، لكنه لم ينسحب، ترى هل استمرار الحوار يعد تقربًا من فهم الموضوع؟ وهل مغزى إيجابية الاستمرار فى الحوار يستهدف أن يجعل الجاهل يعلم أنه جاهل؟ لكن أليس صحيحًا أيضًا أن الأجوبة المغلوطة تفتح بوابة الانخراط فى أفخاخ الإسقاطات الوهمية؟. ترى ما الذى يعتصم به «هنشكليف»؟ لقد اصطنع اصطناعًا ماكرًا لا يعكس ما بداخله؛ إذ راح يرمق التفاحة باهتمام بالغ، مكررًا مقولة الرجل» تفاحة شجرة المعرفة»، وكأنه يؤكد معناها وقيمتها، ثم دلف إلى طرح الأسئلة: «ألا تريد أن تأكلها بنفسك؟»، وقبل أن يجيب طرح سؤاله الثاني: «من أين حصلت عليها؟»، تخطى الرجل الغريب السؤال الأول، وأجابه أنه حصل عليها منذ ثلاثة أشهر، ومازالت مغرية، وبدأ الرجل يلفها وكأنه تخلى عن إعطائها له. أصر «هنشكليف» على معرفة من أين حصل عليها؟ ومن أين له بيقين أنها تفاحة المعرفة؟ أقر الرجل الأحمق بأنه أنقذ حياة رجل «أرميني» بإعطائه شربة ماء وكسرة خبز، فمنحه هذه التفاحة. ثم استرسل الرجل فى الحديث عن «أرمينيا» البلد الذى رست فيه سفينة «نوح» عند جبل»أرارات»، وتعددت سردياته التى أنتجت موجات متتالية من ذاتيته الخاصة؛ لذا بارح السرد موضوعيته، حتى وصل إلى لحظة رؤيته « الرجل الأرميني» مع آخرين يهربون من ملاحقة الأكراد لهم. تبدى الرجل «الأرميني» لا يعى ما يحدث، وجسده يدمى من الجروح، وإذ النباتات والأعشاب تحترق، فشكل الدخان ساترًا بينه وبين الأعداء. توقف الرجل الغريب عن السرد، فسارع «هنشكليف» يحثه على المتابعة؟

صحيح إن ما يسرده الرجل الغريب يتطلب تدخل مخيلته لتعيد إخراج الحدث من زمانه الماضى المنقضى إلى زمن السرد، وذلك ما يتطلب الحرص ألا يستخدم السارد الخديعة بامتلاكه الحقيقة، فيعرض نفسه كما لو كان نفسه هو الآخر الذى يحكى عنه. ترى هل يتبدى ذلك فى سرد الرجل الغريب؟ استمر الرجل فى سرد حكايته، عن حال «الرجل الأرميني»، ومقابلته رفيقه الراعي، فواصلا هروبهما، وهاما فى الأحراش ثلاثة أيام، ثم جاءت «الرؤيا»؛ إذ حظيا معًا «برؤيا» عن «جنة عدن»، أو حراس جنة عدن، ثم سقطا على وجهيهما كالصريعين، وعندما استيقظا لم يجدا سوى الظلام؛ عندئذ هب الراعى يجري، و «الرجل الأرميني» وقف مصعوقًا ثم انطلق فتعثر فى إحدى الشجيرات، فوجد فى يده إحدى ثمارها تفاحة، وسقط مغشيًا عليه، وعندما أفاق وجد نفسه جاثمًا على أرض قريته، وأضاف الرجل الغريب، انه شخصيًا كان موجودًا ومعه بعض الناس يعتنون بجراحه. ثم أعطى الرجل الغريب «هنشكليف» تفاحة شجرة المعرفة ، شارحًا أنها جاءت نتيجة التفاحة التى أكل آدم نصفها مع حواء وطوحها فى الأحراش، وهناك نمت أشجار التفاح التى تحميها السيوف النارية حتى يوم القيامة.

اعترض «هنشكليف» بأن سرد الرجل الغريب عن التفاحة التى يمتلكها محض خرافات. ولأن الحقيقة لا تسترد مكانتها إلا بانبثاق سؤال باحث عنها، ولأن حقيقة التفاحة التى على الشجرة، ليست هى عندما ترسم فى لوحة، وأيضًا ليست هى عندما تكون تفاحة سقوط الإنسان؛ لذا تعددت أسئلة «هنشكليف» للرجل: من أين يأتيه يقين أنها شجرة المعرفة؟ ألا يمكن ألا يكون الرجل الذى أعطاها له، قد تعرض لوهم أو سراب أو خيال؟ أليست المعرفة قوة؟ لماذا لا يأكلها بنفسه إذن؟ ألح الرجل الغريب عليه مرة أخرى أن يعاود النظر جيدًا إلى التفاحة، وتبدى التكرار كأنه إصرار على تطويعه، وعندما راح «هنشكليف» يتأمل التفاحة فرأى السيوف النارية، والأحداث الموغلة فى القدم التى سمعها لتوه، وكأنها إكراهات سكنت بداخله بأجوبة وهمية مغلوطة، فراح يحك عينيه، وإذ به يقرر الانسحاب ويعلن «إنها ليست نوع المعرفة الذى يعنيني»، واستمر الرجل الغريب يمارس تجريد الشاب «هنشكليف» من أهليته وسيادته على ذاته، إذ راح يردد «نعم المعرفة قوة، لكن هل هى السعادة؟. أصبح «هنشكليف» غائبًا عن شخصه، بوصفه يتعلم المعرفة ويعلمها. غادر القطار، وإذا بالرجل الغريب يناديه ويقذف إليه بالتفاحة، فالتقطها لا إراديًا، ثم اشتبك انفعاليًا مع التفاحة، حيث بظهورها مرة من جيبه، ومحاولته أن يضعها فى قبعته لكنه لم يفلح، حتى كادت سيارة تداهمه، لحظتها تمنى أن يأكل التفاحة ليحصل على المعرفة، وإذ بحركة سريعة غاضبة طوح التفاحة المربكة بقوة لتسقط فى بستان على الطريق. داهمه بالليل حلم فرأى واديًا وسيوفًا وأشجارًا، فأدرك أن التفاحة التى ألقاها كانت تفاحة شجرة المعرفة، ذهب للبحث عنها فلم يجدها.

إن المؤلف «هـ. ج. وبلز» الكاتب الإنجليزى يؤكد فى قصته « التفاحة»، أن الفرد لا يتحقق شعوره بالجدارة كإنسان، إلا باكتسابه الحق فى المعرفة، والدفاع عنها باقتدار، وتحكيم العقل فى شئون الفهم، ودون ذلك يتحول الإنسان إلى «فائض اجتماعي» محروم من الاحترام.


لمزيد من مقالات د. فوزى فهمى

رابط دائم: