رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جامعة الدول العربية بين التحدى والإنجاز

إن الاحتفال هذا العام بالذكرى الثالثة والسبعين لإنشاء جامعة الدول العربية يقتضى من المؤرخين والباحثين العرب وقفة تأمل وتقييم وتحليل ليس لتاريخ الجامعة فحسب، بل لتاريخ الحركة القومية والعلاقات العربية بتناقضاتها وتفاعلاتها، بل تاريخ منطقة الشرق الأوسط بأسرها، إذ اقترن تاريخ الجامعة وامتزج على مر السنين بجميع تلك الاحداث والتطورات. وقد شاهدنا أن المنطقة العربية واجهت منذ مطلع الالفية الثالثة تحديات كبرى تتعلق بنشوب خلافات بين دولها ونزاعات داخلية وتدخلات خارجية وتباطؤ النمو الاقتصادى والانفجار السكانى والتدهور البيئى والشح المائى والتصحر وانتشار البطالة وتراخى سلطة القانون وتردى مستوى التعليم وتراجع الثقافة والعلم والفكر وبروز ظاهرة الإرهاب، التى أصبحت تشكل تهديداً مباشراً لمقومات الدولة وكيانها وسيادتها الوطنية واستقلالها. ورغم شروع الدول العربية فى مواجهة هذه التحديات بخطط وطنية طموحة وإصلاحات شاملة وفقاً لرؤيتها الذاتية ومصالحها الوطنية، فلا شك أن هذه الجهود الفردية تكون أكثر فعالية وتأثيراً متى تمت فى إطار جماعى عربى بالتعاون والتنسيق مع الدول العربية الشقيقة. ويثور التساؤل كيف قامت جامعة الدول العربية بتناول هذه القضايا وإيجاد الحلول لها فى ضوء صلاحياتها والإمكانات المتوافرة لديها. هناك عوامل متعددة تؤثر فى نشاط الجامعة وتحد من فعاليتها، إذ تعانى الجامعة أسوة بغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية من عراقيل وسلبيات مختلفة، لعل من أبرزها البيروقراطية المزمنة، وقلة الموارد المالية، وتأخر الاعضاء فى سداد التزاماتهم المالية، فضلاً عن عدم تطبيق الأعضاء القرارات الصادرة عن الجامعة رغم التصويت لمصلحتها، وعدم انضمامهم الى الاتفاقيات المعقودة فى إطار الجامعة والالتزام بأحكامها، وعدم التوافق على الإصلاح الهيكلى للمنظمة وتطويرها، وجميعها عراقيل تحد من قدرة الجامعة على الاضطلاع بمهامها وتؤثر فى فرص نجاح العمل العربى المشترك .

وإذا طرحنا جانباً هذه السلبيات، فمن الإنصاف الاعتراف بما قامت به الجامعة من إنجازات عبر تاريخها منذ إنشائها عام 1945 كأول منظمة إقليمية فى ظل النظام الدولى المقام عقب الحرب العالمية الثانية. فلنتذكر فى المقام الاول أن جميع المبادرات العربية الجماعية والمواقف العربية الموحدة إزاء التحديات التى واجهتها الأمة العربية قد اتخذت فى إطار الجامعة وصدرت برعايتها، كمبادرة السلام العربية، ومكافحة الارهاب والجريمة المنظمة، ومواجهة التهديد النووى الاسرائيلي، وإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط، والتكامل الاقتصادى العربي، وصيانة الأمن القومى العربي، وتوحيد التشريعات العربية، ودور المرأة والأسرة والطفولة، والثقافة والصحة، والإعلام، وحقوق الإنسان، وحماية البيئة، والموارد المائية، واللاجئين الخ .. فى جميع تلك المجالات لعبت الجامعة دوراً راعياً وتنسيقياً وخلاقاً سعياً إلى تحقيق المصلحة العربية . وقد لعبت الجامعة منذ إنشائها وحتى يومنا هذا، دوراً نشيطاً فى سعيها إلى احتواء العديد من الأزمات العربية وتسوية الخلافات بين اعضائها، وذلك من خلال تدخل مجلس الجامعة للوساطة وإيفاد وفود لتقصى الحقائق وإنشاء قوات للمراقبة ونشر قوات أمن عربية، فضلاً عن الاعتماد على دور الأمين العام ومساعيه الحميدة ، وكان المبدأ الأساسى الذى حرصت الجامعة على الالتزام به هو ضرورة حل الخلافات بين الدول الأعضاء داخل نطاق الجامعة وعن طريق أساليبها واجهزتها وليس فى إطار خارجي، وذلك تأكيداً لدور الجامعة وحصراً للخلاف بين أطرافه ومنعاً للتدخل الخارجى .

وعلى سبيل المثال فقد احتلت القضية الفلسطينية دائما مكان الصدارة ضمن اهتمامات الجامعة وأولويات العمل العربى المشترك، فأفرد لها الميثاق ملحقاً خاصاً، ثم تم إنشاء أجهزة رئيسية للدفاع عنها وتنسيق سياسات الدول الأعضاء تجاهها كجهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل عام 1952 وجهاز الإعلام عام 1953، وساندت الجامعة فلسطين سياسياً على الصعيد الدولى وفى المحافل الدولية مما أسفر عن توسيع دائرة الاعتراف الدولى بفلسطين من قبل الامم المتحدة بصفة دولة مراقب، كما ساندتها قانونيا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ومادياً بدعم بناء الكيان الفلسطينى ومؤسسات الدولة الفلسطينية والحفاظ على عروبة القدسً .

وفى المجال الاقتصادي، تمتلك المنطقة العربية جميع المقومات المطلوبة للتكامل الاقتصادى من موارد بشرية واقتصادية وثروات طبيعية، ولكن لا تستثمرها حتى الآن الاستثمار المنشود. فلاتزال المنطقة تستورد الغلال والغذاء من الخارج، ولا يزال حجم التجارة البينية العربية متواضعاً، والحقيقة أن ما يحول بين الجامعة وأداء دورها المنشود هو غياب الإرادة السياسية العربية الموحدة، واختلاف الرؤى بين الدول الأعضاء. وفى هذا السياق تبدو أهمية اتخاذ الدول العربية الرائدة فى العمل العربى المشترك كمصر والسعودية مبادرات لتوحيد المواقف وتعزيز التنسيق والتشاور بين الدول الاعضاء من خلال طرح مقترحات. وتتضمن المقترحات المطروحة حاليا لتطوير الجامعة واصلاحها تطويراً للهياكل والمؤسسات، وتحديث الميثاق وتفعيل الاتفاقيات وتنفيذ القرارات والمتابعة والتقييم وتعزيز دور مجلس الأمن والسلم وإنشاء محكمة عدل عربية ومحكمة لحقوق الإنسان، وقوة عربية مشتركة.


لمزيد من مقالات د. حسين عبد الخالق حسونة

رابط دائم: