رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اذن ترى عين تسمع

سمر نور

كنت أظن أنه يمكننى تحمل الحزن بمفردى، وأننى أبحث عن البشر، فقط، فى لحظات الفرح، ربما لأنها لحظات نادرة ومشاركة الآخرين إياها تمنحها ثباتًا فى أكثر من ذاكرة. يخيل إليك أنك بهذه الطريقة تستطيع القبض على لحظات السعادة، وأنها لن تفلت من الذاكرة الجماعية حتى وإن أفلتت من ذاكرتك.

لكننى فى هذا الصباح، استيقظ فى داخلى حزن يمكن اقتسامه مع العالم كله، لهذا طلبت منك أن تكون بقربى هذه الأيام. أعرف أن هذا ليس من مهام عملك الذى لا يتجاوز قراءة الصحف والكتب على مسامعى كل يوم، وكتابة ما أمليه عليك أحيانًا أخرى، لكننى أرى ما فى داخلك، وأوقن أن لديك الرغبة نفسها فى طرد كوابيس تسكنك، منذ سمعت صوتك أول مرة وأنا أعرف ذلك، وأعرف، أيضًا، أن علينا اقتسام الأحزان والكوابيس معًا.

أتردد على مكتبة حديثة فى الزمالك، حيث تعارفنا أول مرة، حين نصحتنى صديقتى قبل سفرها أن نعلق إعلانًا على جدران المكتبة، وعلى صفحاتى فى المواقع الاجتماعية، حتى أتيت أنت، ومن حظى أنها كانت تعرفك، فوثقت فى أنك تحل محلها فى مهمتها اليومية. كان الأمر، بالنسبة إليك، عملا نظير أجر وفق ساعات اللقاء اليومى، ووافقت حين سمعت صوتك لأول مرة، رغم أنك تصغرنى بخمسة عشر عامًا إلا أن كلا منا يملك ما يريده الآخر، أنت عين ترى ما يراه البشر لكنك تحتاج لمن يشير إلى نقطة النور التى تبدو لنا ولا يراها إلا المحظوظون.

أشعة الشمس تتسلل من النافذة التى تجاور طاولتى المفضلة. أشعر بها تدفئنى فى الشتاء أو تترك آثارها على وجهى فى الصيف. أعرف أن هذا يحدث ولا أكترث بك حين ترغب فى تغيير المكان. أحب النور الذى يصل حيث يريد، حين أراه فى أحلامى ليلا أعرف أنه اختبأ فى أعماقى ليباغت الظلمة. الشمس تعرفنى وأعرفها وإن لم أرها، وأستطيع أن أقص عليك قصصًا تختزنها طول يومها كى تمنحها لى فى أحلامى، فلا تحاول التوارى منها، لأنى سأراك مهما حاولت الاختفاء.

اليوم أريد أن أرقص، وأنت تريد أن تحكى.

أخبرتك عن دروس للرقص أرغب فى أن أتقدم لدراستها، وأننى أحتاج إلى مرافق. ترددت قليلا لكن لم يكن من الممكن ألا تُحقق أمنية لمن هى مثلى، خاصة أن الرقص والحكى قد يجتمعان، مع أنك لا تحتاج للحكى، فالشمس التى كنت تهرب منها تنير أحلامى كل ليلة، وتحكى لى عنك وعن رغبتك فى التخفى حتى أنك اخترت عمياء لتجالسها كل يوم حتى لا تعرف إلا ما تحكيه لها، والرقص يقرب الأرواح إلى حد يصعب معه التخفى. تتشبث بيدى كأنك ترغب فى أن أقودك فى حلبة الرقص. نتدرب فى صالة واسعة مع خمسة أزواج آخرين، وأعيننا على المدرب الأشقر والموسيقى تمنحنا إيقاعًا خاصًّا. تسألنى الحديث عن سبب فقدان بصرى فلا أرد بل أحرك جسدك معى وفقًا لتعليمات المدرب. تقول لى إنك كدت تفقد بصرك حين صوب عليك قناص أعمى نيرانه لكن كما قالت جدتك: العين عليها حارس.

عرفت يومها أنك اخترت تلك المهمة اليومية إلى جانب دراستك لترافق عيونًا أخرى لم تجد من يحرسها!

سأعترف لك ..لستُ من مصابى الثورة، لقد فقدت عينى اليسرى قبل ذلك بكثير، ربما أكون قد ولدت دونها؛ فلا أذكر أننى احتجت إليها من قبل ولم أجدها، لماذا تتعجب؟! فى الحقيقة ربما أكون قد ولدت بعين سليمة فأنا أحلم، أحيانًا، بعينى اليسرى مبصرة لكنها تنحرف قليلا نحو الخارج، ويظن من أنظر إليه أننى أنظر فى اتجاه آخر. أعتقد أن للأمر تسمية علمية ما! يا لك من مجامل يا صديقى ليست بـ«حور» كما تقول إنه أمر لا يمكن ربطه بأى مظهر جمالى، وأنا لست متذمرة على كل الأحوال، فالمرء لا يحتاج لعينين كى يعيش، قد تكفى عين واحدة، ربما لا أحتاج لعين على الإطلاق، ألا تلاحظ أنى عرفت أن مدربنا أشقر دون أن أحتاج إليها؟! ربما كان حدسًا نسويًا أو بصيرة من لا بصر له.

اعتذر على قطع سردك لقصتك. يمكنك الإكمال أثناء الرقص. ألا ترانى أحكى وأنا أرقص، بينما يزعجك عدم قدرتك على نفث دخانك بغضب فى وجه العالم فى صالة الرقص! دعنا نكمل ونتعلم رقصة جديدة بينما تروى عما فقدته من أحلام. أخبرتك أنه يمكنك الرقص والحكى. يمكنك الرقص وأنت ترثى الأحلام.

يقولون إن العين مرآة الروح، وإن صدقت تلك المقولة فالعالم لا يرى سوى نصف روحى فى الواقع، أما فى الأحلام فمن أنظر إليه وتطل روحى من أجله لن يراها؛ فسيظن أنها تطل من أجل شخص آخر. إنه حمار صغير على كل الأحوال، وأنا أيضًا بغلة يا صديقى، لا تضحك، فإن صدقت المقولة، فروحى تطل من أجل العالم، وليس من أجل أحدهم فقط.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق