رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أقباط فى تاريخنا... إبراهيم الجوهرى

تاريخنا وأيامنا ليل ونهار، غيوم وهزيمة، ثم نور وانتصار، وبين هذا وتلك عاش شعبنا العظيم يحمل صبراً وجلداً جعلته قادراً علي الصمود والتحدي والحياة. فلم يأت زمن فقدنا فيه إيماننا وإصرارنا بل كنا قادرين دائماً علي كتابة تاريخ من نور في أزمنة الجهل والظلام.

وفي زمن احتلال الأتراك عاشت مصر أسوأ فترات تاريخها. وفي عام 1743م جاء إلي الإسكندرية تاجر رقيق معه شباب مماليك اختطفوا من عائلاتهم من منطقة القوقاز، ومنهم شاب اسمه يوسف عنده خمسة عشر عاماً أهدي إلي أمير تركي اسمه إبراهيم كتخدا ففرح به وسماه «علي» وعلمه واهتم به. وتفوق «علي» علي كل مماليك الأمير التركي الذي صار فيما بعد مدير شئون العسكر، وبدأ نجم «علي» يسطع بعد أن أظهر شجاعة في الحروب. وبدأ يتدرج في المناصب وفي عام 1763م صار شيخ البلد وهو يعني حاكماً لمصر فقد استطاع أن يُكون جيشاً كبيراً مدرباً، واختار رجالا أشداء يعاونونه علي إدارة البلاد منهم محمد أبو الذهب للجيش، وإبراهيم بك ومراد بك لإدارة البلاد اللذان فيما بعد سيكون لهما دور مهم . وقد استعان بالمعلم رزق القبطي ليكون كبير الكتاب، ومعلم في ذلك الوقت تعني السيد أو sir. ورئيس الكتاب بمقام رئيس الوزراء. وبدأ علي بك الكبير الاستقلال عن الدولة العثمانية وطرد الوالي العثماني وامتنع عن دفع الجزية. وبدأت مصر في الازدهار الاقتصادي والسياسي والعسكري. وبدأ الاستقرار في كل ربوع مصر بعد أن كان كثير من القبائل وخاصة في الصعيد تهدد حركة التجارة الداخلية. واستطاع أن يرسل ضباطا إلي روسيا ليتعلموا فنون الحرب الحديثة. وفي هذه الأثناء ظهر شاب اسمه إبراهيم الجوهري من أسرة فقيرة في قليوب تعلم القراءة والكتابة والمحاسبة ونبغ جداً وبدأ يعمل في نسخ الكتب. وتوسط البابا يؤانس السادس عشر البابا الـ 107 عند المعلم رزق لكي يوظفه عنده، وبالفعل أخذه وصار تلميذاً له وتدرج في المناصب حتي صار مساعداً له.

ودارت حرب بين روسيا والأتراك استغلها علي بك الكبير في شن حملات بجيشين كبيرين واستطاع انتزاع بلاد الحجاز والخليج واليمن من يد الأتراك عام 1770م ولقب علي بك الكبير بسلطان مصر وخاقان البحرين والبرين.

ثم أراد أيضاً أن يُخضع كل الشام والقدس إلي سلطانه فأرسل جيشاً بقيادة محمد أبو الذهب إلي الشام وأخضع كل الشام حتي وصل إلي جبال طوروس ليهدد بلاد الأتراك أنفسهم. ولكن استطاع الأتراك استمالة محمد أبو الذهب ليعلن رجوعه مع جيشه وانشقاقه عن علي بك الكبير. ورجع هذا الخائن إلي مصر ودارت حرب بينه وبين جيش علي بك الكبير جرح فيها ثم مات بعد أيام ليصير محمد أبو الذهب والياً علي مصر.

واستقال المعلم رزق من رئاسة الديوان فعين أبو الذهب إبراهيم الجوهري رئيساً لكتاب مصر. وأصيب أبو الذهب بالحمي ومات عام 1775م فأرسل الأتراك والياً لمصر من عندهم ولكن رفض الجيش المصري بقيادة أميرين كانا مع علي بك الكبير وهما إبراهيم بك ومراد بك، وحاربوا الجيش التركي إلا أنهم لم يستطيعا الصمود كثيراً فهربا إلي الصعيد ومعهما إبراهيم الجوهري وبعض الأمراء لتكوين جيش جديد لملاقاة الوالي التركي. وفي هذه الأثناء وضع الوالي التركي يده علي كل ممتلكات إبراهيم الجوهري حتي الأوقاف التي كانت يُصرف بها علي الكنائس والأديرة أخذها. وهربت زوجة وابنة إبراهيم الجوهري واستضافتهم عائلة مسلمة. وقد نهبوا قصره وباعوا كل ما فيه. ثم استطاعوا الوصول إلي زوجة وابنة الجوهري فقبضوا عليهما، وقال الوالي لهما: «أين أموال الجوهري؟» فقالت ابنته: «أمهلني يوماً وأنا سآتيك بأموال أبي». وفي الغد جاءت إلي الوالي وقالت له: «أخرج إلي الخارج لتري أموال أبيس فخرج فوجد آلاف الفقراء محيطين بالقصر فقالت له: «هؤلاء هم الذين كان أبي يعولهم وأمواله في بطونهم» فصرفهم الوالي.

وفي عام 1791م عاد الوالي التركي إلي بلاده ورجع إبراهيم ومراد بك إلي الحكم وعاد معهم إبراهيم الجوهري إلي منصبه واستمر أربع سنوات حتي انتقل من أرض الشقاء إلي ربه. ويقول عنه الجبرتي: «أنه بلغ عظيم الصيت والشهرة طول حياته، كان يشار إليه في كل شيء كبيرة وصغيرة في أمور المملكة، وكان من ساسة العالم ودهاتها، لم يكن هناك شيء بعيد عن ذهنه، وكان يجذب إليه قلوب محبيه وكل من يقترب منه».

وقد اشتهر بمحبته للفقراء والمساكين. وفي أحد الأيام جاء إليه أخوه جرجس يشكو له من بعض الجيران الذين سبوه بأفظع الشتائم وطالبه بأن يأخذ له حقه، فقال له: «سأقطع لسانهم الشرير». وفي اليوم التالي وجدهم جرجس ينتظرونه ويشكرونه ويدعون له، فذهب لأخيه إبراهيم وقال له: «ماذا فعلت؟» قال له: «قدمت لهم الخير فانقطع لسان الشر». هذه هي مصر التي بنيناها معاً مسلمين وأقباطا، وسنظل نبنيها معاً مهما اختلفت المراكز وصور البناء وطريقة البناء، ولكننا سنظل عبر التاريخ قادرين علي الصمود وبناء الوطن سواء كنا حكاماً أو محكومين، مواطنين عاديين أو في مراكز القيادة، كما قال المتنيح البابا شنودة: زمصر وطننا يعيش فينا لا وطن نعيش فيهس. وهكذا المصريون عبر التاريخ بنعرف ننتصر... ونقدر نقوم، رغم الألم والقلب بيتعصر، ورغم الظلمة والغيوم، ورغم الخاين الخفي والمعلوم. وقادرين نقول للظلم لأ... وقادرين نخلي أحلامنا تتحقق... لسه قادرين نقول تحيا مصر.


لمزيد من مقالات القمص أنجيلوس جرجس

رابط دائم: