رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

25 يناير.. أسباب الفشل

بالقطع يصعب كتابة تاريخ انتفاضة المصريين في 25 يناير 2011، بكل ما تخبئه من أسرار وخفايا وعلاقات واتصالات، فالوقت مازال مبكرا على تسجيل علمي رصين لانتفاضة شعبية رفعنا مقامها الرفيع إلى ثورة من فرط الأحداث الجسام والحوادث الهائلة التي صحبتها في ثمانية عشر يوما، وأيضا من خطورة الجراحة الكبيرة التي أجرتها على السلطة وأسفرت بالتتابع عن إيداع رئيسين في السجون ومحاكمتهم جنائيا، الأول حسني مبارك حُكم عليه فعليا بالحبس ثم أفرج عنه، والثاني محمد مرسي في انتظار حكم أشد قسوة معلقا بين السجن المؤبد وحبل المشنقة على اتهامات بالخيانة!

بالطبع كان يمكن أن تكتمل تلك الانتفاضة إلى ثورة متكاملة الأركان، لولا أن تآمر عليها الجميع دون استثناء، فالتغيير المطلوب لم يكن هو الأخذ بيد مصر والقفز بها إلى فضاء دولة عصرية حديثة، بقدر ما كانوا يبحثون عن عملية تسليم وتسلم للامتيازات والسلطات والاستثناءات الاجتماعية والاقتصادية، فانحصر هدف كل لاعب أساسي في «الفوز» بمصر جارية في مخدعه يمشيها على هواه وحسب مايراه، وصارت أمنية كل شخص مشارك من بعيد أو مشاهد من حزب الكنبة أن ينوبه من الحب جانب من أول علاوة وتعديل وظيفي والترقي إلى منصب أعلى إلى البناء على أرض زراعية، أو الاستيلاء على أرض دولة أو تشييد عقار دون ترخيص.

عامل المصريون وطنهم كأنه «وليمة» جاهزة للانقضاض عليها، من يأخذ الرأس، من يأخذ الفخذ، من يأخذ الكتف، من يأخذ القلب، ولا مانع من ترك الكرشة والعظم والحوافر للضعفاء والمساكين وأرباب السبيل وما أكثرهم. كانت ثورة عظيمة انقلبت إلى حفل شواء حر تعوى فيه الذئاب باسم الوطن والدين، ويترصده اللصوص والبلطجية وقطاع الطرق باسم تعويض الحرمان الذي عاشوا فيه، والفرص الضائعة التي فلتت من أيديهم!

لم تكن في نية أي طرف سياسي ولا غير سياسي انتشال مصر من وهدة التخلف ودفعها في طريق نقلة حضارية كبرى، ولم تفكر النخبة في »جوهر« أزمة مصر، وكيفية حلها، ودخلت في صراع على السلطة، وهي تدرك أن السلطة هي صانعة الثروة والنفوذ في مصر، ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب المفاوضات والتحالفات التي جرت بين النخب المدنية وجماعة الإخوان، المدنيون تيقنوا أن الجماعة ركبت »الجمل« وقادت المحمل، فارتموا في أحضانها، يقدمون لها النصائح والمشورة، ولم تكن الجماعة في حاجة لا لنصائحهم ولا لكلامهم، كانت تعمل نفسها »متفهمة« لهم، مستمعة لأفكارهم، حتى يستسلموا لها تماما..وهذا ما حدث فعلا في لقاء فيرمونت الشهير بالاتفاق على انتخاب الدكتور محمد مرسي كأول رئيس بعد 25 يناير، على أساس أن بعضا منهم سوف يُستدعى رئيسا للوزراء أو وزيرا أو..أو. وحين أخذ الإخوان منهم أعز ما يملكون تنكروا لهم وأداروا ظهورهم ولم يعترفوا بالعقد الشفهي الذي وقعوه باللسان في فيرمونت.

وكان شباب الثورة عدوانيين منفلتى اللسان قليلى الأدب، ما يكاد أحدهم يظهر على شاشات التليفزيون التي منحتهم بركاتها ونفاقها إلا ويسب ويشتم ويهين، شباب أصابه الغرور والعنطزة المبكرة، وظن في نفسه إمكانات وقدرات لا يتمتع بها ولا يستطيع أن يحوذها، ونسى أن نزول الناس إلى الميادين العامة بالتدريج هو الذي أنقذه من براثن سلطة مبارك القوية، ولو تركه الناس في مواجهة السلطة منفردا، لكان من السهل عليها أن تكسر عظامه وتنهى الأمور المضطربة في يومين ثلاثة أو في أسبوع على الأكثر، بالرغم من التدريبات التي حصل عليها البعض في الخارج في كيفية إنهاك قوات مكافحة الشغب، وتفادي تأثيرات القنابل المسيلة للدموع، وهي تدريبات مريبة، لا يمكن هضمها أو فهمها »داخل حدود الوطن«.. فلماذا تنظمها جهات أجنبية لشباب من مصر؟، ولأي غرض؟ ..غير التآمر.

صحيح كانت لكلمات (عيش..حرية..عدالة اجتماعية) مفعول السحر في نفوس المصريين العاديين وهم الغالبية، لكنهم غالبية عشوائية بلا تنظيم ولا قيادة ولا تخطيط، فسقطوا ضحايا للطامعين والطامحين والمتآمرين والفوضويين والبلطجية، فانتهوا إلى الهتاف الذي لجأوا إليه من قبل في حربهم ضد الفرنسيس في حملة نابليون بونابرت: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف..

بل ودعا بعضهم إلى عودة الرئيس حسني مبارك، وزايدوا بطلب العفو والسماح منه ندما وحسرة على الأيام شبه الآمنة التي كانوا يتمتعون بها في عصره، والنمو الاقتصادي الذي حدث في سنواته الأخيرة، مع أن نصيبهم فيه لم يزد على الفتات.

ثورة خانها الشباب والكبار والأحزاب والتجمعات ومؤسسات المجتمع المدني ..فكيف يمكن أن تحقق أهدافها؟ قطعا لعبت المخاطر التي تحيط بالمنطقة عامة وبمصر خاصة دورا خطيرا ومهما في فشل هذه الثورة، فكيف تنجح سفينة الوطن في عبور بحر الثورة الهائج المتلاطم الأمواج وسفن القراصنة الأجانب تتربص بها من كل جانب مشرعة فوهات مدافعها، فكان على سفينة الوطن أن تعود القهقري إلى الشواطئ الآمنة التي اعتادت عليها وألفتها حفاظا على نفسها من التحطم والتقسيم، لكن فشلها الأكبر كان من داخلها..

كانت فكرة الثورة عميقة، والتغيير كان حتميا وإسقاط النظام كان ضرورة.. كان المصريون يعرفون تماما ماذا لا يريدون، كانوا لا يريدون استمرار الأوضاع الخانقة لحياتهم، ولا الرموز التى أدارت هذا النظام في بلادهم.. وفعلا تخلصوا من الوجوه القديمة فى 18 يوما فقط.. وبعدها لم يعرفوا: ماذا يصنعون بأيامهم الحاضرة ومستقبلهم؟، لم يضعوا خريطة طريق صحيحة لما يريدون، وشعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لا تعد خريطة طريق، هى مجرد أهداف، والشعارات والأهداف لا تتحقق من تلقاء نفسها مهما كان نبلها وعظمتها، وإنما بعمل جاد مرسوم تفاصيله بدقة، وكان يمكن أن نأخذ من تجاربنا وتجارب الأمم التى رفعت هذه الشعارات ونجحت فى أن تفسرها على أرض الواقع وننطلق، فنختصر مسافات ونبدأ من حيث انتهى الآخرون، لكننا لم نفعل هذا على الإطلاق. وسقط 25 يناير تحت مطامع المتصارعين.


لمزيد من مقالات نبيـــل عمــــر

رابط دائم: