رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه : أحـمــد البـــرى
قنديل الضباب!

أكتب اليك رسالتى، وأتطلع إلى أن ترد علىّ فى أقرب وقت ممكن نظرا للظروف المؤلمة

التى نعيشها وهاجس الخوف الذى يسيطر علينا، بل إن ردك السريع ربما يوقف ذنوبا ومعاصى، ويضع حدا لمآس لا حصر لها، فأنا رجل مسن، وأعمل فى التجارة منذ زمن بعيد، وقد فتح الله لى أبواب الرزق، ولى بنت متزوجة من رجل ينتمى إلى أسرة طيبة، وكان والده من أعز أصدقائى، ويعمل بالتجارة أيضا، وكانت عائلتانا ومازالتا على اتصال وتزاور دائمين .. وقد بدأت الحكاية التى أكتب إليك بصددها عندما كان الأولاد بالمدارس، حيث كانت زوجة صديقى تردد دائما أن ابنتى هى ابنتها، وأنها لن ترضى بغيرها زوجة لابنها برغم أن عمره وقتها كان اثنى عشر عاما، بل إن صديقى لم يأمن على أولاده الأربعة، ومصوغات زوجته وماله الا عندى عندما كانا يؤديان فريضة الحج.

ومرت الأيام، وكبر الأولاد، وتخرجت ابنتى وابنه فى كلية التجارة، وعمل الابن مع أبيه فى الأعمال الحرة، والتحقت ابنتى ببنك كبير، وحان الموعد الذى كانت أسرتانا تنتظرانه، وخطب ابنه ابنتي، واعتبرنا أنها زيجة العمر، فهو عريس مناسب من كل الوجوه و«عشرة عمر»، ومرت شهور لاحظت خلالها تصرفاته، فإذا بى أجد علامات غريبة تؤكد اعتناقه أفكارا متزمته وآراء عجيبة، وتوضح تعصبه الشديد لما يعتقد أنه حق، وتقصيت الأمر، وحدثت بيننا مناقشات كثيرة، وعرفت أنه منغمس فى جماعة صنعت منه انسانا آخر فى طباعه ومعتقداته الدينية، وشيئا فشيئا أيقنت أنه لن يرجع عن هذا الطريق أبدا، واستبدت بى المخاوف ألا تعيش ابنتى حياة مستقرة مع هذا الشخص، وتؤكد تجارب السابقين من أمثاله ذلك، ففسخت الخطبة وشجعنى عليها والده الذى لم يكن راضيا عن تصرفاته، لدرجة أنه أعرب لى عن سعادته بابتعاد ابنتى عن ابنه خوفا عليها من سيره الأعمى وراء «القطيع الضال»!

ومضت علاقتنا بأسرة صديقى على مايرام، وعقد ابنه قرانه على فتاة منقبة، لكنه طلقها بعد فترة قصيرة، وتتبعت أخباره عن بعد، وعرفت أنه ابتعد عن الجماعة التى انتمى اليها لفترة، وفرح أهله كثيرا لموقفه وفاتحنى أبوه من جديد فى إرتباطه بابنتى بعد أن زال ما كنت أخشاه من انخراطه وسط عناصر متطرفة، فاستطلعت رأى ابنتي، فوافقت عليه، وأقمنا لهما حفل زفاف كبيراًً ورزقهما الله بطفل جميل وعاشا حياة هادئة ومرفهة، وأديا فريضة الحج والعمرة عدة مرات، والحق أنه لم يرفض لإبنتى طلبا، وبرغم صفاته الطيبة التى لمسانها فيه خلال تلك الفترة فإنه كانت هناك هزات عنيفة ترج البيت من حين الى آخر، وكاد يتعرض للتدمير أكثر من مرة ولولا الحنكة التى اتصفت بها ابنتى والعقل الراجح الذى ساعدها على استيعاب تقلبات زوجها، ولولا حبنا له، وحبه لزوجته وإبنه لانفصلت عنه منذ زمن بعيد بعد أن تبين لها ما به من سلبيات لاحصر لها، وأتوقف منها عند زواجه المتكرر وعلاقاته المتعددة، ويكفى أن أقول لك أن زوجته ضبطته متلبسا مع سبع سيدات، وعرفنا أن بينهن من تزوجهن زواجا شرعيا أو عرفياً إلى جانب علاقات مشبوهة مع أخريات، وقد تستغرب لرد فعله فى كل مرة تضبطه فيها، وتقف أمامهما وجها لوجه، ولا يجد من الحجج والمبررات ما يدعيه لها إذ كان ــ استغفر الله العظيم ــ يلوم ربنا أنه أوقعها فى طريقه ويوجه كلامه اليها قائلاً: «ربنا بيسمع دعاك ورافع عنك الحجاب».

ومع تكرار أفعاله غير المعقولة طلبت زوجته منه أن يجلسا معا فى جلسة مراجعة ومحاسبة، وقالت له: «أنا حاسة إنك مش ماشى كويس وعلاقتك مع الستات لا تنتهى، ولما بتسافر بتتأخر لأيام وأسابيع بلا سبب، ولو ضبطك مع واحدة تانى هتكون نهايتنا مع بعضنا» .. وإسترجعت أمامه سيرة أبيه الطيبة وأنه بأفعاله يدفع الألسنة إلى أن تلوك سمعتهم، وقد أنجبا ولدا وثلاث بنات، فهل ينتظر إلى أن تصبح سيرته على كل لسان؟، ثم سألته: كيف سيكون موقفه لو علم أن إحداهن تزوجت عرفياً، أو سرا دون علمه؟ وبالطبع لم يرد، فقالت له كلمة أخيرة: «كفاية فضايح».

.. وما هو إلا أسبوع واحد بعد هذه المواجهة الحادة حتى ضبطته مع إحداهن وهنا انهارت تماما، وطلبت الطلاق، فلجأ إلى «قعدة رجالة» للتصالح حضرها كبار رجال العائلتين، وفى أثناء سرد ما جرى فجّر أخوه بركانا دمرنى تماما إذ قال إنه لن يتكلم عن السيدات اللاتى تربط شقيقه بهن علاقة آثمة، أو حتى زواج غير شرعى، ولكن سيتحدث عن جانب آخر من منطلق خوفه من الله الواحد القهار، ثم وجه كلامه الى قائلاً: «أنا خايف على أخويا من غضب ربنا، وخايف على أولاده إن يحصل لهم مكروه، فحبهم من حب أولادى، وقلبى بيتقطع عليهم مما وصل أخويا له».. وقال إنه تغير تماماً، وانقطع عن الصلاة ويمنع أولاده عنها، ويعتنق افكارا غير سوية لن يستطيع الخوض فيها!

لقد تسمرت مكانى وأنا اسمع هذا الكلام، وقلت بصوت مسموع: «استغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، وحاولت مناقشته فى كثير مما سمعته فرد بصعوبة بالغة ردا جعلنى أتأكد من أنه يسير فى طريق الضلال إذ قال ضمن كلامه إنه شخصيا يبحث فى أمور الدين فيأخذ ماهو صواب، وما يتوافق مع آرائه وفكره أما الباقى فيتجاهله، ولا يعترف بالأحاديث النبوية، ويفسر كل شىء حسب مزاجه! وانتهت الجلسة دون الوصول إلى حل معه، وكان معظم الموجودين بها يعرفون أفكاره إلا أنا، وتصورت أنه تغير منذ طلاقه زوجته الأولي، لكنه للأسف ظل على حاله حتى الآن ودون أن نتبين ذلك، ولما عدت إلى بيتى جلست مع ابنتى وأخبرتها بما سمعته من شقيقه، فقالت لى إنها تكتمت عنى اخباره وانها حاولت اصلاح أحواله، وذهبت معه الى أكثر من جهة للوقوف على حقيقة ما ينتابه من أفكار فربما توصلت الى تشخيص لحالته، ومن ثم إخضاعه للعلاج وانها تحاول منذ عام ونصف العام أن تجعله يحيد عن الطريق الذى يسير فيه، ولكن هيهات أن يستجيب لها، فلقد ذهبا ذات يوم الى أستاذ شهير فى علم الاجتماع، له باع فى مثل هذه المسائل، وبعد انتظار طويل قابلاه فى مكتبه، ودار حوار ومناقشات مستفيضة حول تجربة الأستاذ وأفكار زوجها وجاءت خلاصة كلام الأستاذ فى كلمات قالها له بالعامية وأنقلها كما سمعتها من ابنتى: «المشوار اللى إنت ماشى فيه، أنا لسه راجع منه، وأنا ايضا أبحث فى أمور الدين»، ثم وجه كلامه الى زوجته»: «خليكم صابرين، وخلينا على اتصال»، ثم سافرا من بلدهما فى أقصى الصعيد إلى القاهرة لمقابلة استاذ فى الأزهر وبعد نقاش طويل، لم يخرجا منه بشيء!

إننى بحكم ما أعرفه وما سمعته، أعتقد أن زواجهما باطل، وهذا ما دعا زوجته إلى أن تمتنع عنه تماما بعد أن ايقنت حقيقته، ولابد من الاقرار بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يتراجع عما ذهب إليه نتيجة تأثره بالجماعة التى ينتمى إليها والتى أوهمنا أهله أنه ابتعد عنها، ويلزم الأمر إذا رأت ابنتى أن تظل معه إبرام عقد زواج جديد .. إن جسمى يرتجف من شدة الخوف، وأنا أكتب إليك رسالتي، وأخشى أن تواجه ابنتى مصيرا مظلما إذا استمرت على ذمته، كما أعيش حالة ذعر أيضا من المصير الذى يهدد أبناءهما وأكبرهم فى سن العشرين، ولا انكر أننى أخشى عليه شخصيا من أن يموت وهو على هذه الحال فيخسر آخرته كما خسر دنياه .. والله لم أجد غيرك لكى أستشيره فيما نعانيه، فأنت ملاذ التائهين الضالين فبماذا تشير علينا؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

لا يتغير فكر الإنسان إلا بشق الأنفس، وقد يظل على حاله بحكم تكوينه وتركيبته مهما تكن المؤثرات من حوله، وهذا ما يحدث فى الغالب، لكنكم لم تدركوا ذلك برغم الأدلة الدامغة، والشواهد المؤكدة، واعتراف أهله بأنه يعتنق فكراً ضالاً، وينتهج منهجا غير سليم فى حياته عندما كانت إبنتك مخطوبة له فى المرة الأولي، إذ فسختم الخطبة، وتزوج هو بأخري، وسرعان ما تكشفت لها حقيقته، فانفصلت عنه، ثم وافقتم عليه لمجرد أن أهله تراجعوا عن موقفهم منه بحكم أنه إبنهم، وما كان يجب أن تفعلوا ذلك تحت ذريعة أنه تغير واستقام، وما إلى ذلك من مبررات ساقها أهله للحفاظ على صورة ابنهم لدى الآخرين، فالمؤكد أن والده وأخوته يعلمون جيداً أن سلوكه المعوج كما هو، ليس فقط فيما يتعلق بما يعتنقه من أفكار مغلوطة عن صحيح الدين، ولكن أيضا فيما يخص الزواج والسكن، وما حرّمه الله من العلاقات غير الشرعية، بمعنى أنه يحلل لنفسه ما يريد، ويتذرع بالحجج والبراهين المكذوبة التى يسوقها إليه من سيطروا على عقله وفكره، وهذا هو الضلال المبين.

والحقيقة أن ابنتك قد ساهمت فيما وصلت إليه حال زوجها وعلاقتها به بصمتها على صنيعه، وعدم الوقوف بحزم ضد ممارساته، سواء فى معتقداته أو علاقاته النسائية، وأيضا بإخفائها حقيقته المرة عنكم سنوات طويلة حتى أنجبت منه أربعة أبناء، ولولا أنها ضبطته لثامن مرة مع إحدى من تربطه بهن علاقة مشبوهة لاستمر الوضع على ماهو عليه،

وبصراحة شديدة أقول لكم: إنه لن يتغير، وسوف يستمر فى إنكاره السنة النبوية، وتفسيره الأمور على هواه باعتبار أنه يبحث دائما فى الدين، ويتخذ منه ما يوافق هواه، وهذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك خروجه على الإسلام الصحيح، فالسنة النبوية هى المصدر الثانى للتشريع بعد القرآن الكريم، إذ كان الوحى ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ومصداق ذلك قول الله تعالي: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم 3 و4)، وقد أوجب الله على المسلمين التسليم التام لكلام الرسول وحديثه وحكمه، حتى إنه أقسم بنفسه سبحانه بأن من سمع كلام النبي، ثم رده، ولم يقبل به، فإنه ليس بمؤمن، وأن ذلك ليس من الإيمان فى شيء، فقال عز وجل «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (النساء 65)، ولذلك اتفق أهل العلم على أن من أنكر حجية السنة بشكل عام، أو كذّب حديث الرسول، وهو يعلم أنه من كلامه، فهو ليس مسلما، إذ لا يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة، فالقرآن ليس فيه عدد ركعات الصلاة، ولا كم يطوف الحاج أو المعتمر بالكعبة من أشواط، وليس هناك ذكر للمناسك، ولا تفاصيل للحقوق والحدود، وهذا ما تبينه السنة، وفى ذلك يقول تعالي: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»، (النحل 44)، فمنكر حجية السنة الثابتة عن الرسول كمنكر حجية القرآن، لا فرق بينهما، ولابد من تدبر القرآن والسنة معا حيث يقول تعالي: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ» (أل عمران 164)، ويقول أيضا «مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا» (النساء 80).

إذن إنكار زوج ابنتك السنة النبوية يعد خروجا على الاسلام، ولا يصلح استمرارها على ذمته من الناحية الشرعية، ولا أمل فى إصلاحه أو العودة عما هو سائر فيه، وكان الواجب عليها أن تنتبه إلى ذلك منذ البداية، فمثله لا يؤمن له جانب، فلقد غرر بكم جميعا وأفهمكم أنه عاد الى الرشد، فى الوقت الذى يمارس فيه الضلال، ونال غرضه بالزواج من ابنتك بالكذب والإدعاء، وهو لن يحيد عن طريقه سواء فى علاقاته النسائية المشبوهة، أو فى جماعته الضالة، وسوف تستمر الحالة الضبابية التى تعيشها ابنتك إلى ما لا نهاية إلا إذا اضاءت قنديلا يبدد الضباب من حولها، وينير لها الطريق السليم فى الحياة.

وأحسب أن الحل الذى لا بديل عنه هو أن تنفصل عنه، ويكون الأولاد فى رعايتها بعيدا عنه عن أفكاره الضالة وسلوكه المشين لكي لا يتأثروا به، وعليك أن تساندها فى الخلاص منه، وترتيب مسألة تربية أبنائهما تحت أسماعكم وأبصاركم وبمساعدة والده وأخوته الذين وقفوا إلى جانب الحق فى البداية بإقرار خطأ أفكاره ومعتقداته، وأرجو ألا تكون «نوبة صيحان الضمير» التى جعلت شقيقه يعترف أمام الجميع بسلوكه غير السوى، هى نقطة البداية نحو تبديد الضباب الذى اعتراكم، وإضاءة قنديل الحقيقة، وانتهاج المنهج السليم. وليس معنى ذلك ألا تتزوج ابنتك مرة أخرى، فإذا وجدت فى نفسها الحاجة إلى زوج جديد تكمل معه مسيرة الحياة، ويكون أمينا على أبنائها، فإن بإمكانها أن تختار الوقت المناسب لذلك، وسوف يأتيها رجل عاقل سوى، وليس على شاكلة «أبو أولادها»، فلا تتردد ياسيدى – فى إطلاعها على الحقيقة المرة لزوجها، وأعتقد أنها سوف تتفهم الأسباب لطرح موضوع الطلاق كحل لهذه المشكلة المستعصية على كل الحلول، خصوصا وأنها قد منعت نفسها عنه منذ فترة بعد أن تأكدت من أنه لن يتراجع عن فكره الضال، وعلاقاته المشبوهة، وأسأل الله أن يوفقها الى القرار السليم بمؤازرتكم، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق