رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مؤامرة خارجية أم تراجع حضارى ( 2 )
متى يتوقف نزيف الفتاوى؟

> تحقيق ــ محمد عبد الخالق

 د. على جمعة : سلوك المتشددين عائق أمام تجديد الخطاب الدعوي 

د. الشحات الجندى: أدعياء الدين اختطفوا الفتوى ووظفوها ضد المجتمعات 

وزير الأوقاف اليمني: آن لخوارج العصر أن يتقوا الله فى شعوب أنهكها القتل والتشريد

 

 




بعدما صارت الفتوى سلاحا فى يد الإرهابيين يدمرون به الحياة والعمران وينشرون الخراب، وصكوك غفران يمنحها المتلاعبون والعابثون بالمبادئ والقيم، ألم يئن لفوضى الفتاوى أن تتوقف؟ ألم يئن للمتصدرين لها أن يتقوا الله فى شعوب أنهكها القتل والتشريد والحرب؟

وإلى متى نركن إلى نظرية المؤامرة فنوجه أصابع الاتهام فى كل ما يواجهنا من تحديات فكرية إلى أعداء الخارج؟ أليس لزاما على مؤسساتنا الدينية والتشريعية أن تمسح عن جبين أمتنا غبار الزمن وضبابية الفتوى فتسوى خلافاتها مع تراثها وتستعيد الفتوى التى اختطفها أفراد وجماعات فى تنافس محموم على تصدر المشهد؟!

وبعدما انعقد بالقاهرة مؤخرا، مؤتمر عالمى لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، برئاسة دار الإفتاء المصرية، وبمشاركة علماء ومفتين من 63 دولة ناقشوا وبحثوا « دور الفتوى فى تحقيق أمن واستقرار المجتمعات»، ثم غادروا عائدين إلى بلدانهم على عهد ووعد باستعادة الفتوى إلى أهلها. ما زلنا نتساءل: متى يتوقف نزيف الفتاوى؟ وكيف نواجه هذا الخلل الذى نال من استقرار المجتمعات الإسلامية؟ والى متى سنظل أسرى للفتاوى الشاذة التى نالت من صورة الإسلام فى نفوس المسلمين وغير المسلمين؟!

انحراف عن المنهج

يشخص الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أسباب ما يصفه بـ “الانقلاب الحاصل فى دنيا المسلمين» الذى طال المنهج وتطبيقه فى حياة الناس، بالتطرف فى الفقه والفكر، والعنف فى السلوك، نتيجة اختطاف شيوخ جماعات متأسلمة للفتوى، وتطويعها لأهداف بعيدة عن الدين باسم الإسلام، وبطريقة مفزعة للمجتمع والناس، كما استخدمت الفتوى كرأس حربة على طريق التطرف والطائفية والإرهاب، على نحو قدم الإسلام على غير حقيقته كنموذج للعمران والتنمية، وبوصلة للهداية والسكينة الروحية والتقدم الحياتي، وانتشرت الفتاوى الشاذة التى تجافى العقل ولا تتسم بروح الإسلام، بعد اختطافها من مؤسسات الفتوى وعلماء الشريعة المناط بهم إصدار الفتاوى.

سطوة وسائل الإعلام

كما يرصد الدكتور الشحات الجندي، بعض العوامل التى خلقت هذا الوضع الفقهى المأزوم، ومن أبرزها تصدِّى الجهلة للفتوى وتحكيم الأهواء والجرى وراء الأطماع والنزوات، وضيق الأفق والقصور عن الإحاطة بفقه الواقع ومتغيرات العصر، وطفرة التكنولوجيا فيما حدث فى الإعلام الحديث، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتى كان لها بالغ الأثر فى رواج سوق الفتاوى الشاذة والمتطرفة، ذات الأثر السيئ على تفاقم الإرهاب الدولى وعولمة الفتاوى، دون ضبطها بقواطع النصوص فى القرآن والسنة الثابتة وما أجمعت عليه الأمة، والقياس المستجمع للأركان والشروط، ومقاصد الشريعة والمصالح العامة للناس، وأطر القواعد الفقهية.

وأوضح الدكتور الجندى أن النتيجة الحتمية لتلك الحالة تمثلت فى الاعتداء على حق الحياة، وإهلاك النفوس وإظهار الإسلام على غير حقيقته، والطعن فى ثوابته، والإساءة إلى صورته والانحراف عن أصوله ومقاصده، وتحريم الديمقراطية أو عدم الاعتداد بإرادة الجماعة، وقصر الشهادة فى سبيل الله على مقاتلى جماعتهم أو تنظيمهم من أصحاب الجنة «الموعودة» دون سواهم من حراس الوطن وجنوده. كما كان من نتيجته أيضا الانقسام المجتمعى والفرقة الدينية والوطنية تحت ستار الإسلام، وإضعاف الانتماء للدين والوطن، وقصر الانتماء والولاء للأمير والجماعة أو التنظيم، ونشر الإرهاب والإفساد ضد الإنسان والمجتمعات، وهى فى مجملها تداعيات خطرة لفتاوى شاذة غير مسئولة، أدت إلى مفسدتين: إرهاب داخل أوطان الإسلام. وإرهاب خارجها ومن ثم إلصاق تهمة «الإسلاموفوبيا» لدى الغرب بالمنتسبين إلى هذا الدين الحنيف. وطالب الدكتور محمد الشحات الجندى بإسناد الفتاوى العامة والمصيرية إلى المجامع الفقهية والجهات ذات الرصيد الشرعى والفقهي.

التصوف والأخلاق

وعما أصاب الفكر الدينى من جمود يرى الدكتور على جمعة، عضو هيئة كبار علماء الأزهر، أنه نتاج طبيعى لآفة التشدد والغلو فى الدين والسلوك التى ضربت بجذورها فى عقول بعض العامة والمتعلمين، حتى صار الآخر ينظر إلينا نظرة ملؤها الخوف والتوجس، وأصبح التشدد تربة صالحة للفكر المتطرف تدفع صاحبها نحو العنف والعدوان. كما أصبح سلوك المتشددين فى واقعنا المعاصر عائقًا حقيقيا أمام الدعوة الإسلامية وانتشارها، لأنهم يجهضون أى محاولة لتجديد الخطاب الدعوى ليتواءم مع الحضارة الحديثة ومستجداتها، وينظرون لأى عالم مسلم يمارس الاجتهاد، على أنه عميل خائن محرف للدين مبطل للشريعة، مما أوقع الخوف فى قلوب المجتهدين وجعلهم يحجمون عن التقدم لما هم أهله من تقديم نظرات معاصرة جديدة تُرَغِّبُ الآخرين فى التعرف على الإسلام وأتباعه.

وأضاف: إن المتشددين يقدمون سوء الظن بكل مجتهد ويرون أنفسهم أوصياء على دين الله، ويجب العمل على إعداد المفتى إعدادا جيدا ليكون قادرا على توجيه الخلق وعصمتهم من الفتن، وإشاعة أجواء الأمن والأمان فى حياتهم، وصيانة عقائدهم وشعائر دينهم، ومن ثم فإنه أحد أهم عناصر المجتمع المنوط بها حفظ أمن الناس الروحى والفكرى والدينى. وذلك لأن الأديان هى القادرة على تغيير السلوك الإنسانى وتحقيق التوازن والانضباط فيه؛ لأنها تباشر القلوب والأفئدة وتخاطب الأرواح والعقول فى آن واحد، ولقد قام رجال التصوف فى تاريخنا الإسلامى بدور التربية الروحية والوجدانية، والمساهمة فى تعديل السلوك الإنسانى نحو الفاضل والرشيد، والأخلاق سواء كانت التزاما فرديا أو جماعيا. ولا أمن حضاريا بدون أمن روحى، ولا أمن روحيا بدون أخلاق، ولا أخلاق بدون دين، والدين هو أيقونة التكامل بين الروحى والمادي، والعقلى والوجداني، والدنيوى والأخروي، أو كما عبر فلاسفة الإسلام عنه بالشريعة والحقيقة، وهو الدور الذى قام به متصوفة المسلمين وأولياؤهم، ويجب أن يقوم به المفتى والمعلم فى وقتنا المعاصر.

حلول عملية

ولمواجهة هذا المأزق ووقف نزيف الفتاوى، يرى الدكتور أحمد عطية، وزير الأوقاف والإرشاد اليمني، أن ضبط الفتوى وتنظيمها أصبح واجب الوقت ومهمة العقلاء والربانيين من علماء ودعاة وقادة مخلصين، فالفتوى ليست سوطًا مُسلطًا على الرقاب والأعناق، وهى كذلك ليست صكوك عفو وغفران للمتلاعبين والعابثين بالمبادئ والقيم، لهذا كان من أوجب الواجبات إعادة الاعتبار للفتوى ابتداءً باقتصارها على أهلها الشرعيين، ثم تطوير وظائفها من خلال اعتماد الهيئات والمؤسسات الخاصة بها، وإعداد الدراسات والبحوث المطورة لها، وعقد المؤتمرات والملتقيات والندوات المنظمة لشئونها على المستوى القُطْرى والإقليمى والدولي.

ويطرح وزير الأوقاف اليمنى عددا من المقترحات لرد الاعتبار للفتوى بأن تخصص لها منابر وقنوات ومواقع معتبرة تليق بوظيفتها وتُناسب مقامها، ويتفرغ لنقلها والتوسط بينها وبين جمهورها إعلاميون محترفون يصنعون هيبة الفتوى فى القلوب والضمائر، ولا يسمحوا لغير أهلها بالاشتغال بها صيانةً لجوهرها وحرصًا على قداستها، وآن لفوضى الفتاوى أن تتوقف وآن للمتصدرين لها أن يتقوا الله فى شعوب أنهكها القتل والتشريد والحرب، وآن لخوارج العصر أن يعتبروا بما حل بالأمة فى القديم والحديث جراء الفتاوى الخاطئة والمنبثقة عن رغبة الانتقام والتسلط، كما حان الوقت أن تمسح أمتنا عن جبينها غبار الزمن وضبابية الفتوى، وتسوى خلافاتها مع فكرها وتصوراتها.

تشريعات قانونية

وإذا كانت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية هى أحد أهم أدوات نشر الفتاوى التى تخالف منهج الإسلام ومقاصد الشريعة، فإن العلماء يطالبون بسن تشريعات قانونية عاجلة تمنع غير المتخصصين من الاجتراء على الدين، وحول دور المؤسسات التشريعية والقانونية فى مواجهة فوضى الفتاوى، كشف الدكتور أسامة العبد، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن المجلس بصدد إصدار قانون يمنع نزيف الفتوى من غير أهلها، سواء كان ذلك عن طَريقِ الصحافة أو المحطات المرئية والمسموعة، حتى ينضبط الأمر وتنقطع الفتن .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق