رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قانون «الأوانى المستطرقة» فى المنطقة

فى زحام الأحداث اليومية.. المر منها والحلو، خفت وربما اختفى الحديث عن تجديد الخطاب الدعوي، المشهور باسم الخطاب الديني، وهو دعوى فيما أذهب لأن الخطاب الدينى هو كلام الله جل وعلا، الذى حوته الكتب والصحف السماوية، أما الدعوى فهو التعبير البشرى عن فهم الدين، وهو هنا يحتمل الصواب والخطأ.. ويحتمل انتهاء الصلاحية والتحول إلى تسميم العقول والأنفس بدلًا عن صحتها وإصلاحها.. كما يحتمل التطور والتجديد بحكم أن حياة البشر تتطور وتتجدد!

ولقد توقفت طويلًا أمام عبارات قالها ولى العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أثناء مؤتمر إعلان المشروع التنموى الجديد «نيوم»، كانت حاسمة فى إعلان أن بلاده تريد فهمًا للتدين ولممارسته يتسم بالوسطية المستنيرة، وينفتح على بقية الأديان دون تمييز، وأن بلاده ستضرب التشدد والإرهاب.. وأظن أن كل المعنيين بمسألة الدين والتدين.. التى لا تنفصل أبدًا عن السياق الحضارى والثقافى للتكوين الاجتماعى فى منطقتنا يدركون أن حدوث هذه النقلة الكيفية فى المجتمع السعودى كفيل بمساهمة أساسية ورئيسية فى تحقيق التجديد الذى نرنو إليه.. ومن باب التوضيح فإن وصف «المعنيين» الذين أقصدهم ينصرف إلى عدة اتجاهات، أولها، الاتجاه الذى ظل دومًا ينسب التشدد والتطرف والإرهاب إلى جذور تعمقت ونمت وتشعبت فى شبه الجزيرة العربية، ومثل المذهب الحنبلى واجتهادات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومن جاءوا من بعدهم ملتزمين بمنهجهم الجذع الرئيسى للظاهرة.. وثانيها، الاتجاه الذى يربط بين السياسة وبين حتمية أن يكون لها غطاء عقائدى وأخلاقي، وأن انتعاش وتغول الاتجاه المتشدد المتطرف والإرهابى فى المنطقة ليس مرده إلى تلك الجذور الحنبلية التيمية الوهابية فقط، بل إن قوته جاءت من اتخاذ أفكاره غطاءً أخلاقيًا لممارسات بعض أطراف الصراع السياسى فى المنطقة، التى تذم العرب والفرس والأتراك، وأيضًا الصهاينة!.. أما الاتجاه الثالث، فهو الذى يعتنى فكريًا وثقافيًا بقضية حل إشكالية التقاطع بين المكون التراثى العقيدى فى التكوين الاجتماعى المصرى تحديدًا وبين المكونات الأخرى الحضارية والثقافية الممتدة من الجغرافيا إلى التاريخ، وهذه الاتجاهات الثلاثة ستجد فى حديث المسئول السعودى الكبير سندًا لمواجهة الاتجاه الرابع، الذى اصطلح على تسميته بالسلفيين عند البعض والمتسلفين عند آخرين، وهو اتجاه لم يكن يخفى أن سنده الرئيسى يتمثل فى ارتباطه واتصاله برموز دعوية سعودية، وأيضًا برموز لديها الإمكانات المالية التى توجه بعضًا من فائضها للإنفاق على الدعوة فى سبيل الله!.

ولعلى لا أقول جديدًا إذا أكدت أن ما يحدث داخل دولة عربية ما، وخاصة من الدول ذات التأثير والثقل، لا يمكن أن يبقى شأنًا داخليًا معزولًا عن المحيط الإقليمي، وإنما هو مؤثر مهم فى واقع ومستقبل الإقليم ككل، والشواهد على هذه الحقيقة عديدة وممتدة منذ التاريخ القديم، أى قبل الأديان السماوية وإلى الآن، وهى حقيقة تساعدنا تمامًا فى قراءة ما ستؤدى إليه التطورات الداخلية فى المملكة العربية السعودية من نقلات كيفية فى المنطقة، وأتمنى بإخلاص أن تكون نقلات إيجابية متقدمة.

وأعود إلى مسألة الخطاب الدعوى فى مصر، الذى خفت الحديث عنه، كى أشير إلى أن علاقة البشر بالدين وبمؤسسات التدين هى الحامل الرئيسى لكل «الجينات» إذا صدق الوصف والتشبيه المعوقة للتنمية الحضارية والثقافية، مثلما هى حاملة لجينات التقدم إذا تحققت شروط معينة، وفى هذا السياق فإننى أعلم أن استدعاء النموذج الأوروبى والغربى المسيحى للقياس عليه يعد استدعاءً لقياس فاسد أو ناقص الأركان، إذ إن التطور التاريخى هناك غير التطور التاريخى عندنا، ومع ذلك يبقى ما حدث هناك صالحًا لاتخاذه مؤشرًا إنسانيًا عامًا يمكن الاعتماد على فهمه ضمن سياقه فى فهم كيفية إحداث ما نرجوه من تطور، لأننا لم نستطع بعد أن نحسم العلاقة بين الموروث العقيدى الدينى وبين بقية مكونات تكويننا الحضارى والثقافي، وبالتالى العلاقة بين كل المكونات وبين تلبية مطالب وجودنا الإنسانى المعاصر الآن وغدًا وبعد غدٍ، وهى مطالب باتت ومنذ أمد طويل متجاوزة لمعظم ما لدينا من موروث على جميع الأصعدة!.

ولقد أثبتت الأحداث والوقائع والسياقات التاريخية فى المنطقة، أنه إذا تم التوافق والتناغم الفكرى والثقافي، ومن ثم السياسى بين مصر وبين المملكة أساسًا ومعهما بدرجة أو أخرى الثقل السكانى والحضارى لبقية المشرق العربى فى سوريا والعراق، كان الأمل كبيرًا فى إنجاز المطلوب على أصعدة كثيرة، والعكس صحيح إذا غاب ذلك التوافق وحل محله التقاطع والتصادم.

إن تجديدًا للخطاب والممارسة الدعوية فى المملكة، ومقاومة ومحاسبة للانحراف الدعوى والاقتصادى والمالى والسلوكى تعنى سندًا ودعمًا للتجديد والمقاومة والمحاسبة فى مصر.. وهذا ليس من باب التفاؤل والأمنيات، وإنما من واقع قراءة التاريخ القريب لتفاعل البلدين.

لمزيد من مقالات أحمد الجمال

رابط دائم: