رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بعض من حياتنا: الثناء المفرط والموضوعية الغائبة (2/2)

اختزال الشعب/ الأمة فى الحاكم، شكلت أحد أبرز معالم استراتيجيات بناء التكامل الوطنى حول الحاكم/ السلطة فى عديد من تجارب بناء دولة ما بعد الاستقلال فى جنوب العالم، وفى المنطقة العربية، وذلك بديلاً عن السعى لتشكيل موحدات وطنية عابرة للمكونات الرئيسة لهذه المجتمعات، وانقساماتها الفسيفسائية العرقية واللغوية والدينية والمذهبية والمناطقية والقومية فى إطار من المشاركة السياسية الفعالة فى إطار ديمقراطي، يؤدى إلى توليد الموحدات المشتركة، وعلى نحو يسمح بتشكل النزعة القومية أو «الوطنية». فى الحالة المصرية كانت التسلطية السياسية ــ وليس الوصف من قبيل القدح ــ هى السمت الرئيس للنظام والثقافة السياسية، والقانونية، على نحو أدى إلى تأثر التكوين التاريخى الاجتماعى والسياسى والثقافى للحركة القومية الدستورية وهو ما أدى إلى تحول القومية المصرية إلى «وطنية» تسلطية فى إدراك قادة النظام وأجهزته، والأهم فى خطاباته واللغة السياسية ومجازاتها وتشكيلاتها، وهو ميراث مرُّ، أثر على اللغة وتسييد نمط من الأساليب المبالغة والعامة والغامضة فى السرد والقول الشفاهي. لا شك أن هذه الأساليب أثرت سلبًا على لغة وأوصاف ومجازات خطابات الثناء المفرطة والتى تتسم بالمبالغة، والتفاهة فى عديد الأحيان. من أسباب الثناء المفرط ميل بعض الكتاب والسياسيين إلى المغالاة فى المديح لبعض الشخصيات، والمبالغة فى إبراز بعض سجاياهم، وأعمالهم، وإنجازاتهم من ناحية، أو إبداء النقد الذى يتجاوز الموضوعية إلى الذم والقدح المفرط، يتمثل فى مقولة ــ آفة حارتنا النسيان ــ نقلاً عن أستاذنا نجيب محفوظ، وهو ما يعبر عن حالة النسيان فى الوعى والمخيلة الجماعية لغالب المصريين، ومن ثم يعتمد هؤلاء المداحون والمنافقون، وصناع خطاب المراثى على أن كلماتهم سوف يطويها النسيان ولن يتذكرها أحد علامة على سطحيتهم ونفاقهم. بعض هؤلاء يعيدون إنتاج بعض رمزيات واستعراض تقاليد الموت المصري، وهو طقس العديد فى صعيد مصر، حيث تقوم ــ المعددة ــ بتعداد مناقب الفقيد، وبعضها تتصل بأخلاقياته، وسلوكه العائلى والأسري، وكرمه وسماحته وشجاعته وغيرته ومحبته لزوجته، وهى خصال نمطية، تعتمد على مكانة العائلية وموقعه فى هياكلها ونسبه وحسبه... إلخ! خطاب العديد نمطي، ويستعاد بقطع النظر عن شخصية المتوفى ومكانته. من هنا تمددت حالة العديد إلى خطابات المدح المفرط والرثاء المؤلم فى سطحيتهما إلى عديد الكتابات والخطابات الشفاهية فى أمسيات التكريم، وفى ندوات استعادية لبعض المفكرين والروائيين والشعراء، والمثقفين والباحثين ... إلخ!، على نحو راكم تراثا من التبسيط والتعميم يسرى فى مناهج التعليم، وفى اللغو والثرثرة الإعلامية، والكتابات السطحية فى الصحف والمجلات. كل هذا الميراث المر، أسهم فى إعاقة تطورنا الثقافى والفكرى وتحولت بعض الشخصيات إلى «أيقونات تاريخية» لا يجوز الاقتراب منها، وإلى «ديناصورات مقدسة» يقدم إليها قرابين من التمجيد المُفعم بالأسى لغيابهم ورحيلهم إلى الأبدية!، ومن ثم يتم نسيان آخرين بالغى الأهمية وطواهم الموت فيمن طوى! من ناحية أخرى تستمر الكتابات وتتناسل دونما تقييمات نقدية لإنجازهم وقيمته ومدى تأثيرهم فى مسارات ومجالات الثقافة والفكر المصرى الحديث والمعاصر.

يبدو أن ثنائية الثناء المفرط، والذم والقدح المبالغ فى عموميته الذى قد يصل فى بعض الأحيان إلى اغتيال الشخصية رمزيًا، إلى ضعف الثقافة التاريخية المؤسسة على المعرفة والوعى النقدى والمقاربات الموضوعية، ووهن الذاكرة التاريخية لدى عديدين ممن يمارسون مهنة الكتابة، أو العمل السياسى الحزبي، أو فى إطار أجهزة الدولة المصرية. لا شك أن ذلك يعود إلى ضعف إنتاج بعض المدارس التاريخية ــ والاستثناءات محدودة ــ على صعد المنهج، والسرد والتحليل والتقييم، والتحيزات الأيديولوجية السطحية، فى تناول مسارات تاريخنا. لا شك أن ذلك أثر سلبًا فى تقييمنا المعيارى للأشخاص والرموز والوقائع والأزمات .... إلخ، وامتد ذلك إلى شيوع التقييمات المفرطة فى عموميتها وسطحيتها حول رجال الفكر والأدب والفنون والسياسة والدولة والدين ... إلخ، ومن ثم هيمنة الثناء المفرط، والرثاء المغالى فى تقييمه للفقيد أى فقيد! قلة قليلة واستثنائية تمتلك من المعرفة والوعى والتخصص وامتلاك ناصية فهم اللغة العربية وأسرارها، هى التى استطاعت أن تقدم خطابا فذا فى الثناء الموضوعى المؤسس على تحليل الشخصية وإنتاجها المتميز بلا تحيز أو إفراط أو تجاوز لمثالبها.

ثمة أمور أخرى تكرس نزعتى المبالغة فى الثناء والقدح تعود إلى النزعة الأحادية فى كتابة التاريخ الوطنى المقرر فى مراحل التعليم المختلفة من وجهة نظر السلطة السياسية، فى عرض وقائعه ومساراته وانقطاعاته وتحولاته عبر الزمن من وجهة نظر الأيديولوجية الرسمية، وفرض وجهة نظرها فى تطوراته المختلفة، وهو ما يسهم فى تربية وتعليم الناشئة على النظرة الواحدية للتاريخ، ومبالغاتها فى تقييم الشخصيات والقادة والمؤسسات والأحداث وهو ما يبدو فى المقررات التاريخية فى مرحلة الحكم الملكى حول التاريخ المصري، ودور أسرة محمد علي، ونظرة هذا التاريخ إلى عرابى ودوره ونسيان أدوار بعض الثائرين ... إلخ! من ناحية أخرى موقف كتب التاريخ المدرسى المقرر على الطلاب وموقفها من أسرة محمد علي، والتجربة السياسية الليبرالية، ونقدها المسرف فى عموميته لبعض إنجازاتها السياسية والفكرية، من ثم أدى ذلك إلى تشكل وعى التلاميذ والطلاب على رؤى وتفسير تاريخى يقوم على المبالغات والتضخيم والثناء والقدح، ومن ثم يتأثرون بهذه المناهج الأحادية واللاموضوعية. من ناحية أخرى، هناك التنشئة الدينية التى عمادها الثنائيات والمبالغات فى الخطابات الدينية الدعوية التى تعتمد على الثنائية الضدية فى الترغيب والترهيب، وهى تشكل أحد محركات الوعى الدينى العام، وتؤثر على نظرة عديدين فى تقييم الأحداث التاريخية والشخصيات، والأداءات على نحو ينطوى على المبالغة واللاموضوعية، ومنها تتناسل ثنائية الثناء المفرط والقدح اللاموضوعى السائلين فى بعض من حياتنا.

لمزيد من مقالات نبيل عبد الفتاح

رابط دائم: