رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قضية التربية الموسيقية

عندما كنت طالبا فى المدرسة الثانوية جاءنا مدرس الموسيقي، وقضى معنا حصتين ثم اختفى ولم يظهر له أثر، وكان ذلك آخر عهدى بالتربية الموسيقية، كما توافر فى المدرسة ولا اذكر الآن ماذا قال الرجل أو فعل، ولا أحسب أننا نحن الطلاب افدنا منه شيئا ذا بال، ولكنى أذكر أن بعضنا كان يتشوق الى معرفة الموسيقي، وأدرك الآن اننا ضاعت علينا فرصة ممتازة للتعلم، ذهب معلم الموسيقى بغير رجعة ولم تعن المدرسة بإحلال أحد محله، واقرت عمليا بقاء طلابها على جهلهم بالمعرفة الموسيقية، ولم تكن مدرستنا جادة اذن فى توفير هذه المعرفة لطلابها.

ويبدو أن ثمة إهمالا يكاد يكون تاما وعاما للتربية الموسيقية فى أغلبية المدارس المصرية، وكأن الموسيقى ليست موضوعا جديرا بالاهتمام فى مؤسسات التعليم النظامي، ونحن نعانى إذن شكلا من أشكال الفقر المعرفى بسبب الاستهانة بحاجة الانسان الى الغناء، وتقاعس الدولة عن تزويد مواطنيها بالرعاية اللازمة فى هذا المجال، وترك الأمر لما يتلقونه على نحو غير منظم عن طريق الراديو والتليفزيون والبيئة المحيطة، ويحضرنى هنا حديث سيدة إندونيسية مارست تعليم الموسيقى فى بلدان مختلفة من بينها الصين وتطوعت أثناء إقامتها فى مصر لتعليم أبناء جامعى القمامة، فقد أخبرتنى بأنها لاحظت تعطش أولئك الاطفال المساكين الى تعلم الموسيقي، وحسن استعدادهم لاستقبالها، وذكاءهم الموسيقى إذا ما قورنوا بنظرائهم الصينيين، لولا أن هؤلاء الآخرين يتميزون بالجد والاجتهاد فى التحصيل.

ومما يثير الدهشة أيضا أن تردى أوضاع التربية الموسيقية فى مصر يتنافى مع ما يتمتع به البلد من ذخيرة موسيقية عامرة يبدو أننا لانقدرها حق قدرها مثلنا مثل الفقير الذى يجلس على ثروة لا علم له بها، ولقد كان الامر على خلاف ذلك فى الريف حيث ولدت، فلم تكن هناك أمية موسيقية رغم أن أمية القراءة والكتابة كانت شائعة، وكانت هناك تربية موسيقية لا تقدم فى إطار مؤسسي، ولكنها كانت جزءا لا يتجزأ من الحياة العادية: حياة العمل والاحتفال والحداد، كانت الفتيات مثلا يغنين فى حقول القطن عند حصاده، ويغنين فى الأعراس، وكانت النساء يغنين فى المناسبات مثل الاحتفال بالمواليد، وكانت هناك رقصات أو أغان ثنائية تجمع بين رجل وامرأة.

ولم يكن هذا التراث الموسيقى مقصورا على الريف، فقد كان هنا الإنشاد والتراتيل فى الكنائس والمساجد فى القطر كله، ريفه وحضره. وما زلنا نرى لذلك التراث بقايا فى الاحتفالات الدينية ـ الاسلامية والقبطية ـ والدنيوية، ولا يمكن إذا نحن أغفلنا هذا التراث أن نفسر ظهور فنانين كبار مثل سيد درويش وزكريا أحمد والقصبجى وأم كلثوم، وعبدالوهاب وعبدالمطلب، ولا يمكننا عندئذ أن نفهم لماذا كانت مصر هى المدرسة الأولى فى العالم الاسلامى لتخريج كبار المقرئين. فهؤلاء لابد كانوا نتاج ثقافة تعنى أيما عناية بالصوت وتشكيله وفقا لأغراض مختلفة عملية وروحية، وإذا كانت مصر هى هذه المدرسة، فلماذا غابت التربية الموسيقية عن المدارس وعن مناهج التعليم الرسمية؟ وكيف يمكننا أن نبرر هذا الشكل من أشكال الفقر الثقافي؟.

وهناك عنصر لا ينبغى إغفاله من عناصر الثروة الموسيقية المصرية، عنصر وفد إلينا من الغرب ولكن ترسخت جذوره لدينا وصار أصلا من أصول هذه الثروة. بدأ ذلك بتشييد دار الأوبرا المصرية فى عهد الخديو إسماعيل. ومن ثم دخلت الموسيقى الكلاسيكية الغربية عالمنا وصار لها فيه نفوذ، فقد أصبح لها جمهور يتذوقها، كما صار لها تأثير على الإنتاج الموسيقى المحلي. وقد رأيت فى مقالة سابقة (انظر الأهرام، 27 مايو 2017) أن هذه الموسيقى الوافدة لم تنل من مكانة موسيقانا الشرقية، بل لعلها ساعدت على ازدهارها فى القرن العشرين، فكأن موسيقانا نهضت لتواجه التحدى الوافد. وتغلغل تأثير الموسيقى الكلاسيكية فى مؤلفاتنا الموسيقية لأنه ظهرت بفضله أشكال جديدة من أشكال الموسيقى مثل المسرح الغنائى وفن «الأوبريت»، وصار لدينا موسيقيون متخصصون فى التأليف والأداء وفقا للأنماط الغربية، وكان للموسيقى الوافدة تأثير على مغنين مصريين مثل عبدالوهاب، فأعادت تشكيل موسيقاه وطعمتها بعد أن كانت «شرقية» صرفا ومن هؤلاء المغنين فريد الأطرش، فهذا الموسيقار الشرقى صاحب أغنية الربيع ـ وهى من أضخم مؤلفاته وأجملها ـ كان يضع نصب عينيه نموذجا غربيا هو «الفصول الأربعة» لفيفالدي.

ومعنى ذلمك أن الموسيقى الوافدة أصبحت فى عالمنا الموسيقى أمرا واقعا شأنها فى ذلك شأن فن المسرح وفن الرواية، فكلاهما وفد من الغرب وترسخ فى ثقافتنا بعد أن خلت منهما. وصار لدينا تراث موسيقى متنوع يرضى أذواقا مختلفة، وينبغى أن نتعهده بالرعاية والتنمية. ومما ينقصنا فى هذا المجال أن نعنى بالتربية الموسيقية ، فنوفرها فى المدارس، ومنذ المراحل الأولى من التعليم. وذلك أن تربية الأطفال موسيقيا تعنى تربية الأذواق، كما تعنى تكوين أجيال جديدة من مؤلفى الموسيقى ومؤديها ، والموسيقى فن صعب شديد الصعوبة. وتكوين نوابغ الموسيقيين لا يقل صعوبة، إن لن يزد، عن تكوين ابطال رياضة مثل التنس، ولكن هذا الفن الصعب يسهل تلقيه فى مرحلة الطفولة المبكرة، وإذا نحن قرأنا سير كبار الموسيقيين، أدركنا أن موتسارت لم يكن هو وحده «الطفل المعجزة»، وان الغالبية العظمى منهم كانوا معجزات بدورهم. ومن لم يتلق منهم تدريبا منظما فى مدرسة أو على يدى معلم، تلقى التدريب فى سن مبكرة فى بيئة أولى غنية بالموسيقي. والطفل فى هذه الحالة يمارس الموسيقى بسهولة وتلقائية كما يمارس اللعب أو أى نشاط آخر يحبه.

لمزيد من مقالات عبدالرشيد محمودى

رابط دائم: