رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جريمة التفاؤل!

التفاؤل أو تأييد المتفائلين والدفاع عن حقهم فى التفاؤل، أو حتى مجرد الحديث عن التفاؤل فى مصر وبمستقبلها أصبح جريمة. عقوبتها ليست واحدة لكل المواطنين. إذا كانت من مواطن عادى اتهم بأنه ساذج لا يملك من أمره شيئا. إذا كانت من إعلامى اتهم بأنه يهلل و«يطبل» للسلطة. إذا كانت من مثقف اتهم بأنه ينافق السلطة طمعا فى عطاياها. إذا كانت من رجل أعمال اتهم بأنه يبحث عن تأمين أعماله وثروته، فرأس المال جبان. وكأن المطلوب منا جميعا أن نكون متشائمين. التشاؤم وحده أصبح فى وجهة نظر البعض كفيلا لحيازة لقب العارف والمتخصص والحريص على مستقبل الوطن. التشاؤم أصبح لدى البعض فضيلة تجلب لصاحبها الوجاهة. التشاؤم اصبح العنوان الوحيد للمعارضة. الجماعات الإرهابية من جانبها أيقنت بأهمية شيوع التفاؤل وخطورة غيابه فعملت على اشاعة التشاؤم. يدركون جيدا أن التفاؤل مثل رافعة أساسية لإقالة المصريين من أزماتهم الكثيرة عبر تاريخهم الطويل، وأن المصريين بالتمسك بذلك التفاؤل كانوا قادرين على استيعاب كل الأزمات، ومنها ما فاق بكثير ما تمر به مصر منذ عام 2011. ومن ثم فإن الحرب التى يشنها الإرهاب ضد مصر تستهدف أول ما تستهدف تقليص مساحة التفاؤل لدى المصريين، ليس فقط بالنسبة لأوضاعهم الشخصية، ولكن أيضا بالنسبة لبلدهم. فالمصريون ورغم كل المشكلات والتحديات التى تواجهها مصر فإن التفاؤل ما زال مسيطرا عليهم وحاكما لتوجهاتهم إزاء الأوضاع الاقتصادية والأمنية. حيث تفيد استطلاعات الرأى العام وآخرها استطلاع أجرى قبل نحو عام ونصف إلى أنه بالنسبة للأوضاع الاقتصادية فرغم أن 39.9% من المصريين فقط يرون أنها جيدة، فإن 79% من المصريين يرون أن تلك الأوضاع ستتحسن فى المستقبل القريب.

المتشائمون لا يتركون موقفا او حدثا صغيرا او كبيرا الا واستغلوه لممارسة هوايتهم فى تصدير التشاؤم وتشويه ما تقوم به الدولة، والتشكيك فى امكانية ان يؤدى ما تقوم به الى نتائج ايجابية. التوقف عند مثالين فى الآونة الاخيرة يوضح ذلك. المثال الاول يتعلق بالسياسة الخارجية والآخر يتعلق بالأوضاع الداخلية. فبمجرد نجاح مصر فى التغلب على العقبات التى حالت دون إتمام المصالحة الفلسطينية خرجت الأبواق المتشائمة لتركز على طرح الأسئلة التى من شأنها التقليل من قيمة الإنجاز من قبيل وما الذى يضمن ألا يكون مصير الاتفاق الأخير شأن ما سبقه من اتفاقات، ولماذا وكيف يمكن التعويل على جدية حماس فى تلك المرة، والتأكيد على الصعوبات أكبر من أن يتم التعامل معها، وغيرها من الأسئلة التى تندرج جميعا فى خانة التشكيك والاستياء من إمكانية النجاح وربما الخوف من حدوثه. بل إن الجماعات الإرهابية نفذت هجوما على كمين كرم القواديس لتشويه الانجاز والطعن فى العلاقات الإيجابية التى تنمو بين مصر وحماس. أما فيما يتصل بالأوضاع الداخلية فانظر إلى الموقف السلبى المبالغ فيه من خروج الحملات الشعبية التى تطالب الرئيس السيسى بخوض الانتخابات الرئاسية مرة أخري، وخاصة حملة «علشان تبنيها». فشعار الحملة يقدم إجابة منطقية وبسيطة وشديدة الوضوح للسؤال الذى يشغل بال المصريين حاليا وهو هل يترشح الرئيس السيسى لفترة رئاسية أخرى ولماذا؟ وبشكل أكثر وضوحا هل من مصلحة مصر أن يستمر السيسى رئيسا لفترة ثانية؟ وكما هو واضح من الشعار فإن الحملة تسعى إلى حث الرئيس على الترشح لفترة ثانية، والسبب الرئيسى هو استكمال مسيرة البناء لوضع مصر فى المكانة التى حلمنا بها جميعا منذ ثورة 30 يونيو 3013. الحملة يتبناها مواطنون مصريون متفائلون بمستقبل مصر مع الرئيس السيسى انطلاقا مما حققه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ومع ذلك نالها من نالها من تشكيك من قبل «عواجيز الفرح» وكأنه ليس من حق هؤلاء المواطنين والملايين التى أقبلت على الحملة وتفاعلت معها أن يعلنوا عن تفاؤلهم باستمرار الرئيس والتصرف بناء على ذلك التفاؤل بالشكل الذى رأوه مناسبا. وبينما لم يفعل المتشائمون شيئا على الأرض لحماية الدولة أو المشاركة فى جهود التنمية من المواقع التى يشغلونها، فإنهم تفرغوا لاستهداف كل الجهود التى تجرى على الأرض، سواء لاستعادة وتدعيم الدور الإقليمى لمصر فى مختلف قضايا الإقليم، أو لتثبيت أركان الدولة وجهود التنمية الجارية على وقع العمليات الإرهابية.

التفاؤل لا يعنى انه لا توجد مشكلات او أزمات. ومع ذلك فثمة اهمية لإدراك ان عبور الأزمة يقتضى تشخيصا واضحا ومحددا لها دونما تهوين أو تهويل، وان الأزمة التى واجهتها وما زالت تواجهها مصر ليست المرة الأولى بل وليست الأسوأ، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة فى ظل ذلك المناخ المسيطر على المصريين، أو بالأحرى الذى يراد له أن يبقى مسيطرا عليهم. بينما العبور إلى المستقبل يستوجب كثيرا من التفاؤل والامل والثقة، والتخلص من عقدة الماضى والإيمان بالقدرة على قطع خط الرجعة عليه. فمصر لم تعد تحتمل المعارك الشخصية الضيقة وتصفية الحسابات وإثبات المواقف والتفتيش فى النوايا. ومن الأهمية بمكان هنا التأكيد على انه مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية ستكثر مقولات التشاؤم والتشكيك فى قدرات النظام الراهن وستكثر محاولات شغل المصريين بقضايا هامشية من قبيل ما يثار حول ظهور بعض الشخصيات والقيادات المحسوبين على الأنظمة السابقة لتصدر المشهد وإرباكه مع قرب الانتخابات الرئاسية، عل ذلك يدفع المصريين إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة على نحو ما حدث مع النظامين السابقين.

ويبقى فى النهاية ضرورة ان يتوقف الجميع امام التساؤل التالي، ترى ما الذى يمكن أن يربحه المتفائلون والداعون إلى التفاؤل، وتقدير الأوضاع الراهنة بحجمها الحقيقى فى ظل ما هو متاح من إمكانات وما تواجهه الدولة من تحديات؟ ثم ما الذى سيكسبه دعاة التشاؤم لو ـ لا قدر الله ـ وجدت دعواهم التشاؤمية صداها لدى المصريين؟ وإذا كانوا يبنون تشاؤهم على ادعاء معرفة حقيقية بمقدمات تقود إلى تشاؤهم ذلك، فما عليهم إلا أن يتوقفوا أمام ما حدث فى حرب أكتوبر المجيدة ليسألوا أنفسهم هصل كان لمصر أن تنتصر فى تلك الحرب بل وفى كل أزماتها دونما تفاؤل وثقة فى قدرتها على العبور، حتى لو كان للحسابات النظرية رأى آخر؟.

لمزيد من مقالات د. صبحى عسيلة;

رابط دائم: