رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه : احمد البرى
جــبل الصـــبر!

احمد البرى
استوقفتنى رسالة «الصمت الحزين» للسيدة التى كرست حياتها لتربية ابنها وابنتها بعد رحيل أبيهما، وهى فى الثالثة والثلاثين من عمرها، ومازالت تؤدى مهمتها حتى الآن بعد أن بلغت سن الثامنة والستين،

إذ يعتمد ابنها عليها فى توفير متطلبات أسرته ويسكنون معها فى شقتها، وبرغم ذلك يضربها ويهينها، ويسعى إلى طردها من الشقة، وقد دفعتنى مأساتها إلى أن أروى إليك قصتى مع الآلام والجراح على مر السنين، فأنا سيدة تعديت سبعين عاما، وقد نشأت فى أسرة بسيطة لأب يعمل مزارعا، وأم ربة منزل، وسرعان ما نشبت بينهما خلافات فانفصلا، وبعدها بشهور تزوج أبى بأخرى أنجبت له عددا من الأبناء صاروا أخوة لى من الأب، ولأننى أكبرهم سنا، فقد أوكلت لى زوجة أبى مهمة مساعدتها فى تربيتهم، فلم أقصر معهم وأحبونى كثيرا، وكعادة الأرياف وقتها لم أكمل تعليمى، واكتفى أبى بحصولى على الشهادة الابتدائية، وبمجرد أن وصلت إلى سن الزواج وافق على أول عريس تقدم لى، ولم يدع لى فرصة لإبداء رأيى فيه أو حتى يعرف ميولى إليه، وحدّثت زوجة أبى فى أن العريس يكبرنى بسنوات كثيرة، وربما يكون فى مثل عمر أبى، فقالت لى: «إنه رجل طيب وهو أنسب لى من غيره»، وهكذا انسقت إلى هذه الزيجة، وأنا لا أدرى كيف ستسير حياتى معه، وبمرور الوقت وجدته هادئا، ومهذبا، وخفيض الصوت، ولا يتحدث كثيرا، وكان يعمل فى تجارة السمن البلدى والجبن القريش، والبيض، فيجمع هذه المنتجات من الأهالى، ويخرج بها إلى الأسواق، وشيئا فشيئا ساعدته فى الاتصال بالراغبين فى بيع إنتاجهم إليه، وحدد قائمة بالأسواق التى يرتادها وحاجة كل سوق من المنتجات التى يتاجر فيها.

وتأقلمت على هذه الحياة، وتفرغت لرعاية ابنتى التى وضعتها بعد حوالى عامين من الزواج، إذ ولدت ببعض المتاعب فى القلب، وكانت تتعاطى أدوية بشكل مستمر ثم استقرت أوضاعها الصحية وتنفست الصعداء، ثم رزقنا الله بولد بعد حوالى خمس سنوات، ولم يمض وقت طويل على ولادته حتى مات زوجى، ولحقه أبى بعدها بأيام فى دراما حزينة سيطرت على العائلة كلها، وخلت الأسرة من عائل لها، ووجدتنى بين يوم وليلة مسئولة عن البنت والولد، بلا مورد رزق، فلم أتردد فى أن أصنع صنيع زوجى وأطوف الأسواق بحثا عن لقمة العيش فى نفس مهمته، وبالطريقة التى عايشتها معه عن قرب، ولم أقصر فى حق ابنىّ، فألحقتهما بالمدرسة، وحصلت ابنتى على الشهادة الإعدادية، وللأسف لم تفلح محاولاتى معها للاستمرار فى الدراسة، ولو لمرحلة الدبلوم المتوسط، وكذلك الحال مع ابنى الذى تسرب من التعليم بعد الابتدائية، والتحق بورشة نجارة مع صاحب عمل فى قرية مجاورة لقريتنا بإحدى قرى المحافظة التى نقطن بها، وجاء لابنتى عريس من محافظة أخرى عن طريق قريب لنا، هجر القرية منذ زمن بعيد، وتقتصر علاقته بنا على زيارات متباعدة فى بعض المناسبات، وجلست مع هذا الشاب وأفهمته ظروفنا، وشرحت له حالة ابنتى، وراجعت الطبيب فيها، فأشار علىّ بتزويجها دون تردد، فالمرض الذى تعانيه لا يمنعها من الزواج والإنجاب، وقلت له أيضا اننى لن أستطيع تجهيزها مثل البنات فى قريتنا، وكل ما يمكننى أن أفعله هو أننى سأوفر لها المتطلبات الأساسية فقط، فأكد لى أنه لا يعنيه ذلك، فهو الآخر يعانى ضائقة مالية، لكنه سيبذل أقصى جهده لتحسين أحوالهما المعيشية فيما بعد، فوافقت عليه، ودعوت بعض الأقارب، وعقدنا القران ثم الزفاف، وسافرت ابنتى مع زوجها إلى المحافظة الأخرى، وودعتها بالدعاء لها براحة البال والتوفيق فى الحياة.

والتفت إلى ابنى، وقلت له: لقد أصبحت الآن «رجل البيت»، وأثق فى أنك ستكون عند ظنى فيك، فقال لى: «طبعا أنا معاكى، شوفى اللى انتى عايزاه وأنا حعمله»، فاستراح قلبى بعض الشىء لإجابته، وأحسست أن «غمة ثقيلة» انزاحت عن صدرى، وعمل لفترة بانتظام وكافأه صاحب العمل بمبالغ إضافية، وواصلت عملى فى التجارة، وكونت مبلغا لا بأس به، وشاورته فى أن نرمم بجزء منه البيت الصغير الذى نعيش فيه، حيث انه مبنى بالطوب اللبن، لكنه أصر على إعادة بنائه بالطوب الأحمر ليتحمل دورين أو ثلاثة، بحيث أسكن فى أحدهما، ويتزوج هو فى الدور الآخر، فوافقته على رأيه، وأنا خائفة من تقلبات الزمن ألا أستطيع توفير متطلبات المعيشة، وبالفعل أقمنا المنزل من دورين «أرضى وعلوى»، وأقمت فى الدور الأرضى، وتزوج ابنى فى الدور العلوى بفتاة من قرية مجاورة، ولا أستطيع أن أصف لك فرحتى به، ومر بى وهو جالس فى «الكوشة» شريط طويل من الذكريات الحزينة، واسترجعت رحلة كفاحى معه هو وأخته حتى استقرت أوضاعهما.. هى فى بيت زوجها، وهو وعروسه معى، ومع ذلك لم أنم فى تلك الليلة دقيقة واحدة، وأحسست بانقباض شديد فى قلبى، وأخذت أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فكلما غفوت لحظة أفيق على الفور من حلم مزعج، وانتابنى الخوف على ابنىّ، وبدا لى وكأن مكروها سوف يصيب أحدهما، ومرت الأيام عادية فنسيت هذا الكابوس، وأنجبت ابنتى بنتا جميلة، وفرحت بها كثيرا، وربطتنى علاقة طيبة بزوجة ابنى، وكم كنت سعيدة وهى تنادينى بـ «أمى».. نعم فهى كذلك بالنسبة لى بعد زواج ابنتى، وبعد حوالى عام، حملت ابنتى مرة أخرى، وحملت زوجة ابنى فى الوقت نفسه، وعند الوضع تحقق الحلم المزعج الذى كنت أخشاه فى تلك الليلة الكئيبة، إذ ماتت ابنتى ومعها مولودها بعد أن حدث لها هبوط مفاجىء فى الدورة الدموية، ولم يستطع الطبيب إسعافها، فماتت هى ووليدها وسط بكاء القرية كلها التى خرجت عن بكرة أبيها لتشييع جنازتها، وجاء زوجها وأهله وعدد كبير من المنطقة التى يسكنون بها فى مشهد حزين لا يغيب أبدا عن ذاكرتى، وانطفأت فرحتنا بمولود ابنى الذى خرج إلى الدنيا فى اللحظة التى غادرتها فيها عمته، وابن عمته، إنها تصاريف القدر التى لا يد لنا فيها، وبرغم الآلام التى أعانيها، فقد حاولت أن أتماسك، وهدّأت زوج ابنتى، وقلت له إنه وابنته فى رعايتى، وألا يحمل همّّا، ومكث معنا عدة أيام ثم أخذ ابنته وذهب إلى بلدته، وزارنى بعدها وهى فى صحبته مرتين فقط، ثم بعث بها إلىّ مع أحد أقاربه لكى تعيش معى لأنه تزوج، وترفض زوجته أن تكون معها فى بيت واحد، ولا أدرى كيف فعل ذلك، ولا كيف طاوعه قلبه على أن يترك ابنته لامرأة لا حول لها ولا قوة؟، فاحتضنت حفيدتى، وطويت صفحته إلى الأبد، وتمكنت بفضل الله من افتتاح محل صغير لتجارتى بدلا من التردد على الأسواق كما كنت أفعل وأنا فى كامل صحتى، وبتوفيق المولى عز وجل، صار لى زبائن من قريتنا والقرى المحيطة بنا، وأشاد الجميع بجودة بضاعتى.

وطرأت تغيرات على ابنى لم تكن موجودة من قبل، وشكت لى زوجته من أنه لا يدخل البيت إلا فى أوقات متأخرة، وأحيانا يبيت بالخارج، ولما فاتحته فيما عرفت، أنكر فى البداية، ثم انفجر فىّ بأنه «حر» فيما يفعله، وعلا صوت زوجته عليه فطلقها.. هكذا بلا وعى، فهرولت إلى كبار العائلة، ورجوتهم أن يثنوه عما أقدم عليه، فجاءوا معى وعقدوا جلسة صلح، وأعادها إلى عصمته، ثم تكرر غيابه عن البيت، ولم تتحمل زوجته هذا الوضع، فتركت ابنها لى، وعادت إلى بيت أهلها، وطلقها مرة أخرى، ولم تفلح محاولات الصلح هذه المرة، وبعد انتهاء عدتها بأيام تزوجت بآخر فى البلدة نفسها!، وفجأة اختفى ابنى تماما، وبحثت عنه فى كل مكان دون جدوى، وضممت ابنه إلى حفيدتى من ابنتى، وربيتهما معا، وسهرت على راحتهما، ولم أنس ابنى الغائب لحظة واحدة، فتحسست أخباره من بعيد، وعرفت أنه يقيم فى محافظة بعيدة عنا، وأنه تزوج وأنجب، وصارت له حياة جديدة، ومع ذلك لا يسأل عن ابنه.

ومرت سنوات على هذه الحال، ويأتينى الجيران من حين إلى آخر بأنباء عنه، وقلت لأحدهم ذات يوم إننى لا أريد منه شيئا، وكل ما أرغب فيه هو أن أطمئن عليه لا أكثر، وبالفعل جاءنى ذات مرة فى زيارة خاطفة، فاحتضنته وبكيت بين يديه أن يعيش بيننا وأن يأتى بزوجته وأولاده، لتكتمل سعادتنا، فهو «رجل البيت» ولا أحد يغنينا عنه، فسكت قليلا ثم انفجر فىّ لأول مرة قائلا: «دى حياتى وأنا حر فيها»، ولم يعبأ بدموع ابنه الذى كان يرغب فى أن يعيش معه، ومنذ ذلك اليوم انقطعت اتصالاته تماما، ونسى أن له أما وابنا بل وابنة أخت فى حاجة إليه، واحتضنت جراحى كعادتى ونصيبى، وأغلقت بابى على حفيدىَّ، وربيتهما وألحقتهما بالمدارس، وحصل ابن ابنى على مؤهل فوق المتوسط، وحصلت بنت بنتى على مؤهل متوسط، وفرحت بهما فرحة تسع الدنيا كلها، واكتمل حلمى بزواجهما فى البيت نفسه، واختلطت الدموع بالزغاريد.. الدموع على رحيل أم العروس فى سن الشباب، والمشوار القاسى الحزين الذى قطعته فى حياتى، وغياب ابنى الذى مازال بعيدا عنى.. والزغاريد للاطمئنان عليهما، وأدائى رسالتى تجاههما على أكمل وجه والحمد لله.

إننى أحمد ربى على ستره ونعمه وعطائه، وأنا من الناحية المادية لا أعانى شظف العيش، وبالرغم من سنى الكبيرة، مازلت أعمل فى المحل، وتساعدنى حفيدتى، والتحق زوجها بشركة قطاع خاص، ولا ينقصهما شىء، لكن طيف ابنى لا يفارقنى، وكم أتمنى أن يسمع ندائى عبر بابك الشهير، ويعود إلىّ مع أولاده ليعرفوا أن لهم أخا، وابنة عمة، وتعرف زوجته أن له أهلا وعزوة، وأنه أخطأ بإبعادها عنهم.. إنها امنية العمر من قلب احتضن الجراح ما يزيد على نصف قرن، وآن له أن يستريح قليلا قبل الرحيل عن الدنيا إلى دار الخلد والبقاء، فهل إلى ذلك من سبيل؟.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

كم أنت عظيمة يا سيدتى بكل ما قدمتيه من تضحيات، وما تحملتيه من صعاب تنوء بها الجبال حتى أصبحت بالفعل جبلا فى صبرك وقوتك واحتضانك جراحك وتأقلمك مع ظروفك القاسية، وآن الأوان لأن تحصدى صنيعك الجميل بزواج حفيديك وأدائك رسالتك على أكمل وجه، فلا تدعى الأحزان تسيطر عليك، فليس فى العمر متسع لها، ولتودعيها إلى غير رجعة، وأنت قادرة على ذلك بكل تأكيد، وما كان لك أن تحققى ما حققتيه مع حفيديك، وتحملك المتاعب منذ زواجك وأنت فى سن الشباب إلى أن صرت فى سن الجلال والاحترام، لولا تقواك الله التى كانت لك خير زاد، ولسوف يعطيك ربك فترضين، فالآتى قريب وما مضى بعيد، ويحضرنى هنا قول الشاعر:

وتقوى الله خير الزاد ذخرا

وعند الله للأتقى مزيد

وما لابد أن يأتى قريب

ولكن الذى يمضى بعيد

فالدنيا لا تبقى على حال، ولا تستقر على وضع، ولا تثبت على أمر، والأيام دول، فمن سرَّه زمن ساءته أزمان، ولقد أدركت ذلك بفطرتك ونقائك، فلم تضجرى بعبء تربية حفيديك، برغم ظروف الحياة الصعبة التى مررت بها، وحققت سعادتك بإدراكك أنها فيما تصنعينه معهما، ولم يغب عنك قول الأديب الروسى تولستوى «إننا نبحث عن السعادة غالبا، وهى قريبة منا، كما نبحث فى كثير من الأحيان عن النظارة، وهى فوق عيوننا»، نعم أدركت أن السعادة فى تربية حفيديك، ولذلك لم تبحثى عنها فى مال، ولا فى البعد عن المهام الصعبة، وأيقنت أنها تنحصر فيهما، فسرك قربهما منك، والتفافهما حولك حتى كبرا وتزوجا وملآ عليك الدنيا من حولك.

وإنى أتعجب لموقف زوج ابنتك الراحلة الذى تخلى عن ابنته إرضاء لزوجته، ولم يلق بالا لما سيترتب على صنيعه من الجفاء بينه وبينها من جهة، وبينها وبين أخوتها منه من جهة أخرى، فالأب العاقل هو الذى يجمع أولاده حوله ويحتويهم ويربيهم تربية صالحة، ويحرص على أن ينشأوا متحابين ومترابطين، يؤازرون بعضهم وقت الشدائد، وينعمون بصلة الأخوة فى الأفراح فتعم السعادة على الجميع، لكن أفقه الضيق لم يدرك ذلك، ولم يع أنه مهما تمر الأيام فسوف يأتى اليوم الذى يندم فيه أشد الندم على بعده عن ابنته التى لا يعرف عنها شيئا، ولم يهتم لأمرها منذ رحيل أمها، ولعله يفيق من غفلته الآن فيمد جسور الصلة معها قبل أن يشتكى من عقوقها.

والأمر نفسه بالنسبة لابنك العاق الذى هجرك وترك ابنه لك متحللا من مسئوليته تجاهه، فهو الآخر ارتكب إثما عظيما فى حقه وحقك أيضا، إذ لم يسو بين أبنائه من زوجته الحالية، وابنه من مطلقته، وانقاد لزوجته متجاهلا تحذير رسول الله من عقوق الأمهات، فعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه أن رسول الله قال: إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، وكَرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (متفق عليه)، وقد خصت الأم هنا لعظم حقها، فكم من الأبناء والبنات عقوا أمهاتهم، فويل لهم من فاطر السموات والأرض إذ أن قطيعة الوالدين من أشد الذنوب خطرا، وأعظمها ضررا، وقد توعد الله صاحبها باللعن، فقال تعالى “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ” (محمد 22, 23)، وأعظم الرحم صلة الوالدان لأنهما سبب وجود الابن فى الحياة، فكيف يقابل ذلك بالجحود والنكران؟

ألا يدرك ابنك أن العاق يحرم نفسه بركة العمر، والرزق، والولد ويعرض نفسه للعذاب فى الدنيا والآخرة، وأنه يقطع صلته بربه ويخسر خسارة كبيرة؟.. لقد قال صلى الله عليه وسلم فى ذلك: “ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته فى الدنيا مع ما يدخر لصاحبه فى الآخرة، من البغى وقطيعة الرحم”، ثم إن بر الأمهات والإحسان إليهن وكذلك الآباء سبب لسعة الرزق وصلاح الذرية وحسن الخاتمة، والعقوق على النقيض من ذلك، فهو سبب للفقر والخسارة وسوء الخاتمة، وعقوق الأولاد، فكما يدين المرء فإنه يدان، فليعلم ابنك أنه مهما قدم لك من بر وطاعة وإحسان فلن يوفيك زفرة من زفراتك، ولا طلقة من طلقاتك حين ولادته، وليدرك أن الله يجزى الابن البار خيرا على إحسانه وثوابا على بره.

والحقيقة أن عقوق الأمهات تترتب عليه عواقب وخيمة، بل قد يكون سببا لحبس اللسان عن قول شهادة التوحيد، فهذا علقمة شاب فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ملأت قصته أسماع الدنيا، إنه شاب كان يصلى ويصوم، وتزوج بامرأة أطاعها وعق أمه، فغضبت عليه، ولما حضرته الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فلم يستطع قولها، وعجز عن النطق بها لأن أمه سخطت عليه، فسخَط الله عليه، وبلغ الأمر رسول الله، فقال: «قولوا لأمه، إما أن تأتينى، وإما أن آتيها، فقالت: بل أنا آتى رسول الله، فلما جاءته سألها عن علقمة، فأخبرته أنه يعقها، فقال: إما أن ترضى عنه، أو أن أحرقه بالنار، فقالت: بل أرضى».. انظروا إلى قلب الأم، إنه قلب رحيم، حنون، عطوف، فلم ترض أن يحرق ولدها، مع أنه أحرق قلبها، فلما رضيت عنه صدقا، وحقا نطق علقمة الشهادة، فلعل ابنك يأخذ العبرة من علقمة، ويسارع إلى إرضائك أملا فى أن ينال رضا الحق تبارك وتعالى، والفرصة سانحة أمامه لأن يستجيب لندائك ويعوضك عن تعب السنين بكلمة حلوة، ولعله يجمع شمل أسرته بالانضمام إليكم، بعد أن أصبح ابنه الأكبر زوجا، وعما قريب سوف يصبح أبا، ولعل زوج ابنتك الراحلة يصنع هذا الصنيع هو الآخر بمد جسور التواصل مع ابنته التى توشك أن تكون أما.

ويا له من درس بليغ، وقصة رائعة تمثل قمة التضحية من أم ذاقت الأمرين فى حياتها، ولكنها بقربها من المولى عز وجل ورضاها بما قسمه الله لها حققت ما عجز عنه الرجال الأقوياء، أصحاب المال والجاه، فاهدئى بالا يا سيدتى، وأرجو أن يقرأ ابنك نداءك المؤثر، فيفيق من غفلته قبل فوات الأوان، ولك التحية والسلام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق