رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تجديد الهوية المصرية

مظاهر إحتفال المصريين بالوصول لنهائيات كأس العالم لكرة القدم كشفت بشكل جلى عن مخزون الهوية الوطنية الكامن داخل كل مصرى. هذه الهوية المصرية ليست ظاهرة حديثة كما هو الحال فى عدد من دول المنطقة، ولكنها هوية تضرب فى أعماق التاريخ، ، فمصر هى أقدم دولة قومية بالمنطقة، بمعنى أنها كيان عاش سكانه فى نفس النطاق الجغرافى تقريبا وتحت سيادة دولة مركزية لأكثر من خمسة الاف عام، ونشأت فى إطارها حضارة وهوية مصرية على قدر كبير من التجانس. هذه الهوية المصرية أيضا لم يتم «صناعتها» أو «اختراعها» من العدم كما حدث فى عدد من دول المنطقة التى استقلت منذ عقود قليلة و قامت بصناعة هوية تجمع بين سكانها فى إطار الدولة الجديدة، فالهوية المصرية نمت و تطورت بشكل طبيعى وتدريجى على ضفاف النيل، واستطاعت أن تستوعب فى وعائها العميق ثقافات وأديان كثيرة كان أخرها العروبة و الإسلام، ودون أن تتخلى عن هويتها الذاتية.

تعرضت الهوية المصرية لكثير من محاولات التشويش و التشويه و خاصة من أنصار تيار الإسلام السياسى الذين روجوا لأفكار تدعو الى تبنى الهوية الدينية كبديل للهوية الوطنية، وترفض فكرة الدولة القومية القائمة على مفهوم السيادة والمصلحة الوطنية، أو تنظر اليها على أنها مجرد مرحلة إنتقالية للوصول الى النظام الاسلامى العالمى العابر للحدود، والذى ينظر للولاء الوطنى على أنه مخالف للعقيدة. والواقع أن إعتراض الكثير من المصريين على نظام حكم الإخوان لم يكن نابعا من إحسساسهم فقط بالإقصاء السياسى، ولكن أيضا بالإغتراب الحضارى و الثقافى فى وطنهم.

الهوية الوطنية المصرية ماتزال متماسكة، ولكنها تحتاج للتجديد كى تتماشى بشكل أكبر مع العصر الذى نعيش فيه، ومع الأجيال الجديدة من المصريين.

هناك الكثير من الدول التى قامت - فى السنوات الاخيرة- بتجديد هويتها من خلال إعادة تعريف نفسها، ومنها أسبانيا والمملكة المتحدة، وإيرلندا واستراليا وفرنسا وإيطاليا وتشيلى .. غيرها.

كثير من هذه الدولة أعطت أولوية لتجديد هويتها من خلال الاهتمام بلمف الثقافة. فالثقافة المشتركة وما تشمله من قيم وعادات تمثل مكون أساسى للهوية الوطنية، ولكن من ناحية أخرى فإن كثافة و تميز الانتاج الثقافى الوطنى وقدرته على عبور الحدود و التأثير فى الأخرين يعد أيضا مصدرا اساسيا للزهو و داعما للهوية الوطنية. والكثير منا يتذكر كيف لعب الانتاج الثقافى المصرى المتميز هذين الدورين فى عقود سابقة، سواء فى مجالات السينما والمسرح والأدب والغناء وغيرها. ومن ثم فإن تجديد الهوية المصرية يتطلب بالتأكيد إعادة الاهتمام بالملف الثقافى، وإعادة الريادة المصرية فى هذا المجال. والمسألة هنا لا تتعلق فقط بامتلاك أدوات للقوة الناعمة تستخدمها مصر فى الخارج، ولكن الأهم أن الانتاج الثقافى المصرى سوف يملأ الفراغ الموجود الأن بالداخل، و الذى يتم ملئه بواسطة انتاج ثقافى يصنع خارج الحدود، و كثيرا ما يساهم فى إضعاف أو التشويش على الهوية الوطنية المصرية.

الهوية المصرية يمكن تجديدها أيضا بإعلاء مفهوم المصلحة الوطنية فى السياسة الخارجية للدولة. والواقع أن هذا المفهوم قد تراجع و تعرض لكثير من التشويش فى عقود سابقة فى مصر، وترتب على ذلك أن تورطنا فى قضايا ونزاعات ليس لها علاقة مباشرة بالمصلحة الوطنية المصرية، وكان لها تأثيرها السلبى على الهوية المصرية. تفعيل الدور الخارجى المصرى، وخاصة فى الملفات الإقليمية، والذى بدأت تظهر إرهاصاته فى ملفات المصالحة الفلسطينية و ليبيا و سوريا. والحديث دون مواربة عن أن سياستنا فى هذه الملفات وغيرها تحركها المصلحة الوطنية أولا سوف يسهم بشكل كبير فى ترسيخ هذا المفهوم، و تجديد الهوية الوطنية المصرية.

هناك دول أخرى قامت بتجديد هويتها من خلال تطوير سياستها الأقتصادية و إعادة تعريف نفسها على مستوى العالم مثل أيرلندا التى أعادت صياغة صورتها من دولة زراعية تقليدية الى رمز للحيوية والابتكار فى أوربا. دول أخرى قامت بالتركيز على استعادة الحيوية والثقة فى المؤسسات السياسية مثل البرلمان أو مؤسسات إعلامية مثل البى بى سى فى بريطانيا باعتبارها رموزا وطنية مهمة.

هناك الكثير و الكثير من التجارب الدولية التى يمكن أن نستفيد منها فى تجديد الهوية المصرية، والدرس الرئيسى الذى يجب أن ندركه هو أن تجديد الهوية هو أكبر من أن يكون مجرد حملة علاقات عامة، وأن نجاح جهود تجديد الهوية و إعادة تعريف الدولة إرتبط بتبنى سياسات على أرض الواقع و ليس حملات إعلانية وإعلامية فقط. فإيرلندا تبنت سياسات تتعلق بالإستثمار و الصناعة أدت لتغير صورتها فى الداخل و الخارج من رجل أوربا المريض الى رمز للحيوية والابتكار، ونفس الشئ فعلت الدول الأخرى. فلا يمكن تجديد الهوية دون تجديد الواقع.

خلاصة ما سبق هو أن الهوية المصرية الكامنة فى عقول و قلوب غالبية المصريين تحتاج قدرا من التجديد كى تتماشى مع معطيات العصر و مع تطلعات الأجيال الشابة ورؤيتهم لوطنهم و التى قد تختلف عن رؤى و تطلعات الاجيال الأكبر سنا. تجديد الهوية هو تطور طبيعى قامت به العديد من الدول وركزت فيه أولا على تجديد القيم المشتركة التى تجمع بين أبناء الوطن وأهمية خلق وفاق وطنى حول هذه القيم، ثم تجديد المؤسسات التى تعبر عن هذه القيم، و تبنى السياسات الداخلية و الخارجية التى تدعم التجديد القيمى و المؤسسى. وأخيرا فإن إستمرار وصمود الهوية الوطنية هو الذى منع الدولة المصرية من الإندثار فى غياهب الماضى، وتجديد هذه الهوية هو الكفيل بأن يضع الدولة المصرية فى المكانة التى تستحقها فى سجلات المستقبل.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: