رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بين مثالية هيجل وسوسيولوجيا دوركهايم

ثمة إدراكان أساسيان لظاهرة الثقافة: أولهما موضوعي/ سوسيولوجى تؤكده المدرسة الاجتماعية الفرنسية وعلى رأسها إميل دوركهايم، والثقافة لديه نمط عيش وأسلوب حياة تسقط فيه الرموز على الوقائع مباشرة وتندمج فيه حركة الصور والشخوص وتنتفى فيه إلى حد كبير المسافة الفاصلة بين الرؤى والسلوك. وهنا يصبح فعل «المعاش» هو المؤسس لفعل «التأمل» فى حياة البشر إذ أن حركتهم هنا لا تصدر عن رؤية سابقة بالضرورة، وإن أمكن استخلاص هذه الرؤية من حركة الجماعة الإنسانية بعد أن تكون قد تقررت فى واقعها التاريخى بشتى جوانبه.

هذا الإدراك السسيولوجى يؤسس لرؤى توافقية ونزعات تكاملية بين الجماعات الإنسانية، إذ يبنى على قاعدة وحدة الجنس البشري، ويتغذى على الخبرة التاريخية المشتركة التى تمثل معينا لا ينضب للتجربة الإنسانية. ورغم انطلاقه من روافد موضوعية وليست مثالية، فإن انفتاحه على التجربة الواقعية ينتهى به إلى مواقف أكثر تسامحا مع الآخر. ومن ثم يوفر الأساس المتين لبناء دولة ـ أمة تعددية، حاضنة لكل مواطنيها، على المثال الفرنسي، حيث المواطنة نتاج تجربة عيش مشترك، ومن ثم نما مفهوم الأمة على قاعدة الانتماء الجغرافى والرغبة فى الاندماج الطوعي.

أما الثانى فإدراك ذاتي/ مثالي، والثقافة لديه بناء عقلى شامل ونظام صارم للأفكار يفسر نفسه بنفسه، تستطيع أن تجد داخله كل الحقيقة إذا ما حاولت، وكنت أكثر إيمانا/ الدين، أو وعيا/ الفلسفة، أو ثورية/ الأيديولوجية. أما جوهر الجماعة الإنسانية فلا يتجلى فى سياق خبرة حية تُكتشف فى التجربة، بل هو نتاج تأمل ذاتى سابق على التجربة، ومن ثم يتمتع بالتفرد والخصوصية، حيث يتغذى على روافد مثالية تصنع التفرد كالعقيدة الدينية، والمذهب الفلسفي، والروح القومية، والأيديولوجيا السياسية..

وقد أفضى ذلك الإدراك إلى صوغ نموذج دولة ـ أمة شمولية، منوالها الأبرز ألمانيا فى القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، حيث نما مفهوم الأمة على قاعدة العرق، وكأنها تنظيم عضوي، ومن ثم كان طبيعيا أن تفضى إلى دولة شمولية، على النحو الذى دافع عنه الفيلسوف هيجل معتبرا أن الدولة أساس حرية الفرد والمجتمع؛ فالأخيران لديه ليسا غاية فى ذاتهما، بل وسيلة لبلوغ الحرية المطلقة التى هى غاية الحركة التاريخية؛ ولأن الحرية الأصلية/ العقلية تعوقها الحواس والرغبات والغرائز البشرية فإن الدور الأساسى للدولة يتمثل فى تنظيم هذه الغرائز حتى تنبلج الحرية الإنسانية، حيث تترك المطالب الفردية جانبا، وتصبح الإرادة العامة هى الرابطة الجوهرية للوحدة السياسية. وهكذا يضع هيجل الدولة قبل الفرد، بل يجعلها ضمانة لتحرر كل فرد من المنضوين فيها، فالحرية لديه ليست ليبرالية، تُعوِّل على الذات الفردية وتثق بها، بل شمولية تُعوَّل على كيان كلي. هذا الفهم سرعان ما جسده بسمارك فى توحيد الأقاليم الجرمانية المبعثرة حول بروسيا فى ألمانيا عبر القوة العسكرية، أعقاب حروب كبرى أهمها مع فرنسا، ليكون دولة قومية، سرعان ما تشهد نزعات ثقافية تمجد الحيوية العرقية، وتذهب بتطرفها القومى إلى حربين كبريين: الأولى فى سياق الصراع على حيازة المستعمرات مع الإمبراطوريات الأوروبية. والثانية فى سياقي: رد الفعل التاريخى على هزيمة النرجسية الجرمانية، والاستجابة السيكولوجية للفكرة النازية كأسوأ تعبير عن قومية عنصرية استبعادية. وفى الوقت الذى كانت فيه ألمانيا تتطهر من الفكرة النازية والنزعة البسماركية المؤسسة لها، كان العرب المحدثون، الذين خرجوا من عباءة الإمبراطورية العثمانية، قد أدمنوا النموذج البسماركي، وكأنها عقدة نقص تاريخية لدى أمة كانت قد دخلت، ربما منذ العصر العباسى الثاني، فى حالة بيات سياسى وخضعت لنموذج الدولة الرعوية، وعاشت جل شعوبها قرونا طوالا فى ظل عقد حماية من عرقيات أخري، كالفرس والترك والكرد، يقومون عنهم بمهمة حفظ الأمن مقابل إدارة السياسة. والبادى أنهم أرادوا أن تكون لحظة استقلالهم، التى يسرها لهم الغرب الاستعمارى عندما هزم الدولة العثمانية، بمثابة لحظة ثأرية من كل الأقليات العرقية التى انطوى عليها الاجتماع العربى فى القرن العشرين، وعلى رأسهم الأكراد الذين يتداخلون فى نسيج المنطق برمتها، إذ ينطوى تاريخهم على بعض أمجادها، وعلى الكثير من أحزانها.

فى العراق تحديدا، الذى صاغ الغرب الاستعمارى حدوده الراهنة عبر معاهدة سايكس ـ بيكو التى صرنا نحلم بتثبيت الأوضاع التى أنشأتها بعد فاصل طويل من هجائها، كانت تجربة البعث هى الأكثر دموية ومأساوية على نحو كان محتما أن يعزز وعيا انفصاليا لدى كل إنسان يرى فى نفسه كائنا حرا وليس عبدا تحت الطلب. وبينما كان الألمان قبل ثلاثة عقود تقريبا، يتخلون عن عنصريتهم القومية، نزعتهم العسكرية، ويعيدون توحيد دولتهم على أسس ديمقراطية، اندماجية طوعية، تنسج على المنوال الفرنسى فى صوغ الدولة الوطنية على قاعدة العيش الإنسانى المشترك والخبرة التاريخية الحية، كان صدام حسين يقتحم مناطق الأكراد ويدمر بيوتهم، ويقتل الحياة على أراضيهم بأسلحته الكيماوية فى لحظة هزيمته وشعوره باليأس أعقاب فشل غزو الكويت، الذى مثل نزوعا بسماركيا لا يمت بصلة للقرن العشرين. وبهزيمة البعث ونهاية صدام كان طبيعيا أن تنمو أحلام الحرية والكرامة، ولأن دولة ما بعد البعث لم تشهد سوى تغاير فى مركز الهيمنة من بعث وسنة إلى شيعة وولاية فقيه، ولأن السلطة المركزية فى بغداد قد تهلهلت وصارت ظلا لصراع الميليشيات، بعد أن تحللت أسس العيش المشترك بين مكوناتها، لم يكن بد من سفور القومية الانفصالية، حيث جرت وقائع الاستفتاء الكردي، الذى طالب حضوره بنسبة ساحقة (92 %) بالافتراق عن بغداد. لقد وصلنا إلى تلك اللحظة عبر مسار تاريخى معوج يجب أن يتوقف، وبفعل منهج إدماج قسرى لابد أن ينتهي، الأمر الذى يفرض علينا ألا نعتبر الكيان الكردى مجرد (إسرائيل ثانية)، وعلى حكومة بغداد التوقف عن عمليات التصعيد والحصار العسكري، والتقدم بصفقة شاملة توازن بين الدولة المركزية والفيدرالية الديمقراطية، أو حتى القبول بدولة كونفيدرالية قبل أن تصبح الحرب قدرا والانهيار محتوما[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم;

رابط دائم: