رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كازو إشيجورو

فوجئت فى الوقت الذى كنت أستعد فيه لكتابة مقالى الأسبوعي، بخبر فوز الروائى البريطانى ياباني الأصل كازو (وتنطق كازو-وُ) إشيجورو Kazuo Ishiguro بجائزة نوبل فى الأدب لهذا العام، ففرض الخبر نفسه على، متجاوزا ما كنت أعتزم كتابته، فهذا كاتب عظيم سبق أن فاز بجائزة «بوكر» البريطانية والتى تعتبر أهم جائزة فى الرواية المكتوبة باللغة الإنجليزية بصرف النظر عن جنسية كاتبها، ورغم أن إشيجورو لم يصدر حتى الآن غير سبع روايات، إلا أن كل رواية من الروايات السبع أحدثت دويا كبيرا عند صدورها، على المستويين النقدى والشعبى، وتحول ثلاث منها إلى أفلام سينمائية ناجحة.

ويعتبر كازو إشيجورو كاتبا صغير السن نسبيا (62 عاما) بالمقارنة ببقية كتاب العالم الذين فازوا بجائزة نوبل فى السابق، والذين كان معظمهم فى العقد الثامن أو التاسع من عمره حين حصل على الجائزة، فقد ولد إشيجورو عام 1954 بمدينة ناجازاكي باليابان ثم استقر به المقام مع والديه بمقاطعة صرى بانجلترا عام 1960 وهو فى الخامسة من عمره، فعاش فى انجلترا وتجنس بجنسيتها.

وربما كان أهم ما يميز إشيجورو هو أنه كاتب مجدد، وقد كانت أول رواية قرأتها له هى Never Let Me Go «لا تدعنى أمضى أبدا» التى نشرت عام 2005، وقد صدمتنى بموضوعها غير التقليدى، كما أعجبنى بناءها الفنى المحكم وأسلوبها الأدبى السلس، وتلك خصائص مشتركة فى جميع أعمال إشيجورو، فالرواية تتحدث عن مدرسة داخلية تبدو مثالية فى نظامها، حيث يتم تربية الطلبة على أفضل السبل الصحية من حيث الغذاء والتريض والحفاظ على النظافة، ومفاجأة الرواية هى حين يكتشف الطلبة أنهم جميعا مستنسخون من أفضل العناصر الآدمية، وأن تربيتهم بتلك الطريقة النموذجية يعود لسبب مرعب، وهو أنهم سيمنحون أعضاءهم فى يوم ما إلى آخرين، هم الذين تكفلوا بنفقات تنشئتهم الباهظة.

ورغم العلاقات الإنسانية التى تنشأ بين الطلبة الذين نتعرف عليهم فى الرواية وقد أصبحوا شبابا، حيث تقع البطلة فى غرام أحد زملائها الذى لا يبادلها نفس المشاعر،إلا أن الرواية تناقش قضية فلسفية غاية فى الأهمية، وهى سيطرة التقدم العلمى على حياة الناس فى العصر الحديث فتحول الإنسان الى أداة تخدم العلم بدلا من العكس، وتصور الرواية كيف أن إخضاع الإنسان للاكتشافات العلمية الحديثة يسلبه إرادته بحيث لا تصبح حياته ملكا له، ولا يصبح جسده - فى حالة هذه الرواية - ملكا له، لذلك فإن بعض النقاد يصنفون «لا تدعنى أمضى أبدا» على أنها من روايات الخيال العلمى، وهذا غير صحيح، فعمليات الاستنساخ ليست خيالا، وإنما هى حقيقة علمية واقعة، فقط الموقف الذى تقدمه الرواية هو المتخيل، أى فكرة المدرسة المخصصة لتربية الأطفال المستنسخة، لكن أليست كل رواية قائمة على فكرة متخيلة من قبل الكاتب؟ أما أدب الخيال العلمى فيقدم لنا حقائق علمية متخيلة وغير موجودة فى الحياة - على الأقل وقت كتابة الرواية - مثلما قدم لنا كاتب الخيال العلمى البريطانى الشهير ه. ج. ويلز فى روايته «آلة الزمن» آلة حديثة تستطيع أن تستعيد بها أحداث الماضى أو تبحر بها فى المستقبل، فمثل هذه الآلة غير موجودة فى الحقيقة، بينما الاستنساخ موجود وتم تطبيقه بالفعل فى أكثر من تجربة.

وربما كانت أشهر روايات إشيجورو هى Remains of the Day «بقايا النهار» (1989)، وهى رواية تختلف تماما عن «لا تدعنى أمضى أبدا» حيث تدور حول مدير منزل أحد اللوردات الإنجليز وإحساسه الطاغى بالمسئولية وأن ولاءه لعمله على حساب عواطفه الشخصية، وهى تغوص فى عالم الأحاسيس المكبوتة ولا علاقة لها بالنظريات العلمية الحديثة، وقد جسد الممثل العملاق أنتوني هوبكنز شخصية بطل الرواية أمام البريطانية العظيمة إيما تومسون، فى واحد من أهم أدواره السينمائية.

أما بقية روايات إشيجورو فهى When We Were Orphans «حين كنا أيتاما» والتى نشرت عام 2000، وقد تحولت هى الأخرى إلى فيلم سينمائى، مثل الروايتين السالفتى الذكر، ورواية The Artist of the Floating World فنان العالم الطافى ( 1986)، ورواية The Unconsoled «من لم تتم مواساته» (1995)، ورواية A Pale View of the Hills «مشهد شاحب للتلال» ( 1982)، أما آخر روايات إشيجورو فهى The Buried Giant «العملاق المدفون» وقد نشرت عام 2015.

وقد رشح كازو إشيجورو أكثر من مرة على مدى السنوات الماضية للفوز بجائزة بوكر البريطانية قبل أن يفوز بها عام 1989 عن رواية «بقايا النهار» لكن اسمه لم يكن متداولا هذا العام كمرشح لجائزة نوبل، ولم يعرف أنه رشح لهذه الجائزة فى السنوات الماضية، ومن الطريف أن اليابانى الذى كان مرشحا هذا العام للفوز بنوبل هو الروائى اليابانى الأشهر هاروكى موراكامى (68 عاما) الذى يصل إنتاجه الروائى إلى عدة أضعاف ما أنتجه إشيجورو، وترجمت أعماله الى جميع لغات العالم بلا استثناء تقريبا، على أن فوز إشيجورو هذا العام بنوبل لابد سيثلج صدور النقاد الذين راعهم فى العام الماضى فوز مغنى «البوب» الأمريكى بوب ديلان بالجائزة بسبب تأثيره على أشعار الأغنيات الأمريكية والعالمية.

ولست أعرف إن كان القارئ العربى يعرف كازو إشيجورو بالقدر الكافى؟ لقد سمعت أن المترجم القدير طلعت الشايب قد ترجم روايته الأشهر «بقايا النهار» وكتب لها مقدمة وافية، وقد تكون لإشيجورو ترجمات عربية أخرى لكنى لم أسمع بها، وهو أمر يؤسف له حيث يعتبر إشيجورو بلا جدال أحد أهم الأسماء على الساحة الروائية فى العالم الآن، وقد يرى البعض أن المقارنة بينه وبين موراكامى قد تكون فى مصلحتة هو وليست فى مصلحة موراكامى الذى يتذبذب مستوى رواياته ما بين قمة الابداع الأدبى وتواضعه، بينما تحتفظ روايات إشيجورو - فى رأيى - بمستوى متفوق لا يحيد عنه رغم اختلاف موضوعاتها وتنوع أساليبها الفنية، ولمن يريد التعرف على أدب وفكر كازو إشيجورو، أرشح له كتابا مفيدا للغاية صدر عام 2008 بعنوان Conversations with Kazuo Ishiguro «محادثات مع كازو إشيجورو» ففيه يتحدث الكاتب عن فنه الروائى ويبدى آراءه فى الكثير من الجوانب الأخرى التى تلقى بالضوء على أدبه وحياته، وَيَا ليت هذا الكتاب يترجم الى العربية.

[email protected]
لمزيد من مقالات محمد سلماوى

رابط دائم: