رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خريف نجيب محفوظ

السماء الزرقاء الصافية, والسحب البيضاء كاللبن الحليب, والنسمة التى تنعش القلب والروح.. هكذا كان يشير - وإن اختلفت الألفاظ - عمنا نجيب محفوظ فى رواياته وقصصه لخريف مصر الذى عشقه. وهكذا كان خريف مصر حتى نهاية القرن الماضى حين ابتلينا بالسحابة السوداء, فصار ذلك الخريف القديم يعيش فقط فى ذاكرة الشيوخ وإبداعات الأدباء منهم, خاصة محفوظ الذى كان دائم الإشارة فى كتاباته لذلك الخريف الوطنى القديم الذى لم يعد من الجائز أو من الدقة وصفه بخريف مصر, بل صار فى وجدانى - انا من تربيت على أدب روائينا الأكبر - يحمل اسم خريف نجيب محفوظ.

يحس من قرأ محفوظ أن سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر من كل عام هى موسم البهجة الممزوجة بالشجن. ومن بلغ مثلى الستين تسعفه الذاكرة ليكون شاهد عيان ذا خبرة مباشرة بذلك الخريف المحفوظى الذى كان حتى قريب ضيف مصر المحبوب, يزورها كل عام فيمكث ثلاثة أشهر يعتدل فيها الجو وتصفو السماء, وتنتشر أمام أبواب المدارس عربات النبق والجزر الأحمر. بل إنى رأيت المرات الأخيرة التى فاض فيها نيل مصر وشاعت فى جو سبتمبر رائحة الخصب.. فى موسم الشجن والبهجة والحنين المُبهم؛ موسم جيشان الوجدان الذى يستثيره فيضان النيل المتخم بالغِرين الأحمر بعد ليلة زفافه على عروسه السمراء.

رأيته وأنا فى السادسة أو أقل.. والآن قد مر أكثر من نصف قرن, وجاء القرن الحادى والعشرون بالسحابة المصرية السوداء لتفترس صدر السماء الزرقاء؛ سحابة تتكون فى خريف كل عام وتتعملق بإصرارمن سبتمبر إلى نوفمبر, وقد تستمر ضيفا ثقيلا على أرضنا وسمائها حتى أول الشتاء فى ديسمبر. كل هذا من جراء حرق قش الأرز بعد انتهاء حصاده فى آخر أغسطس من كل عام. يسكب زارعوه السولار على القش المتخلف بعد حصاد الأرز ويشعلون النار فيه على أرض الحقل تحت جنح الليل وعباءته الخفاشية السوداء. وتمر أعوام عشرون يتكرر فيها الحريق وتجثم السحابة السوداء بإصرار وإجرام على صدر الوطن؛ وتتكرر الشكوى والتحسر على السماء القديمة؛ وتتعدد الاقتراحات لعلاج تلك الأزمة الصدرية الوطنية: من تدوير لقش الأرز بكبسه وتحويله إلى علف أو سماد؛ ويتكرر مرور السنوات وفصل خريفها الذى صار مفزعاً دون أن يحدث من ذلك شيء ودون أن تُشفى سماء الوطن وصدور أبنائه.

وفى هذه الأيام تعلو أصوات وتصدر تصريحات بأن الأزمة الخانقة على وشك الانجلاء، وأننا لن نرى بعد الآن تلك السحابة التى تفترس الصدر والوجدان, لن نحس بها بعد الآن جاثمة على سمائنا وقلوبنا. أرجو أن تُترجم الاقتراحات والحلول المطروحة هذه المرة إلى واقع, وأن يعود خريف نجيب محفوظ الجميل, الذى صار بمضى السنوات قطعة أدبية من الشعر المنثور, أو صورة خيالية شعرية لا أثر لها فى الواقع . نتمنى أن يعود لنا ذلك الخريف القديم ليكون وعن جدارة خريف مصر.. أجمل وأرق فصول السنة فى وطننا؛ الفصل الذى يقال عنه إنه بحق هو ربيع مصر وموسم اعتدالها وصفائها؛ وهوالفصل الذى أحبه نجيب محفوظ وتغزل فى سمائه وأرضه, وأحبه الكبار منا الذين مازالوا يتذكرون مواسم ازدهاره وروائه ونقائه, وسماءه التى يختلط فيها الأزرق بالبنفسجي, وسحبه الناصعة البياض كاللبن الحليب. نحن الآن فى منتصف سبتمبر, وحتى كتابتى لهذه السطور لم يغز الدخان سماء شباكي, فإن حافظت السماء على زرقتها فى الأسابيع القادمة, لا تنسوا الفاتحة لروح عاشق الخريف المصرى المفعم بعطر الشجن, ولنبتهج بعودة السماء الزرقاء والسحب البيضاء من غير سوء.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين;

رابط دائم: