رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فيس بوك لن ينقذ الروهينجا .. !

كتبنا فى تلك الزاوية وكتب الكثيرون غيرنا فى زواياهم- غير مرة عن خطورة التحليلات والاستنتاجات والاجتهادات العنترية التى يطلقها بين الحين والحين كل من هبّ ودبّ فى صفحاتهم وحساباتهم على الفيس بوك دونما تمحيص أو تدقيق أو حتى مجرد قراءة الخطوط العريضة للقضية التى يدهسونها قبل أن يدهسوها.

آخر تلك التحليلات والتقاليع الفيسبوكية ما يتم تداوله هذه الأيام عن قضية مسلمى الروهينجا فى إقليم راكان غرب دولة ميانمار ( بورما سابقًا)، إذ تحول الأمر عند هؤلاء الفيسبوكيين إلى مندبة وسرادق للعويل نتلقى فيه العزاء على أشقائنا المسلمين الذين يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب والمهانة للكرامة الإنسانية، بينما اكتفينا نحن بلطم الخدود وشق الجيوب على الفيس بوك.

إنك تقرأهم فتجد الواحد منهم لا يعرف أين توجد بورما هذه أصلًا، ولا متى دخل الإسلام إليها أو كيف، ولا أسباب هذا النزاع الممتد منذ مئات السنين بين البوذيين والمسلمين، ولا حتى ما إذا كان لفظ «بورمجى» أحد اشتقاقات هذا الاسم أم أنه توصيف لحقيقة ما يتداوله هؤلاء الجهابذة الذين يغرقوننا بكل ما لذ وطاب من صنوف الشتم والردح والتوبيخ على الفيس.

يا سدنة الفيس متى كان اللطم والشتم الحيانى والعويل يحل أزمة أو يحقن دمًا مراقًا أو يطفئ نيران الفتن؟ إن أحدًا من هؤلاء الفيسبوكيين الأشاوس لم يقدم لنا تحليلًا رصينًا مكتمل العناصر يرسم لصانع القرار العربى والإسلامى خطة واقعية واضحة المعالم للتحرك الفعال قابلة للتنفيذ بعيدًا عن بيانات الشجب والإدانة التى أدمناّها فلم تنقذ نملة.

أخطر ما جناه الفيس بوك علينا أنه صوّر لكل من احتضنت كفّاه جهاز موبايل أنه أفقه أهل زمانه، وأنه ببعض «البوستات» و«الكومنتات» ومقاطع الفيديو المجتزأة من سياقها ( أو المزوّرة) قادر على حل أعتى المشكلات. فعلنا هذا مع أزماتنا فى العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، ونفعله حاليًا مع آفة الإرهاب المتغول، بل وفى مشكلاتنا العادية اليومية، فما قطعنا أرضًا ولا أوصلنا ظهرًا، ومازالت شلالات الدماء تسيل فلم توقفها شلالات التفاهة على المدعوق» الفيس».

مأساة الروهينجا - يا كُهان الفيس بوك - ليست مسألة دينية فقط، ولا هى عرقية فحسب، وإنما فيها من أبعاد الصراع الدولى سياسيًا واقتصاديًا وإستراتيجيًا - ما فيها، إذ ثمة فى شبه القارة الهندية هذه الأيام «مقتلة» بين الكبار للاستحواذ على أكبر قدر من المصالح بين أمريكا والصين وروسيا.

فماذا فعلنا نحن العرب؟ لقد اكتفينا - كما فعلنا ونفعل مع كل قضايانا اللاهبة الراهنة - بإراحة عقولنا فنسبنا الأزمة إلى الاضطهاد الدينى وحده لنستريح من عناء البحث عن الحلول. نعم هناك اضطهاد وتهجير قسرى وتطهير عرقى وحرق للبيوت، وجميع التقارير الإعلامية والحقوقية العالمية أقرت بذلك.. والسؤال هو: ماذا بالضبط فى إمكان بقية المسلمين والعرب أن يفعلوا الآن؟

إن قدرتك على الفعل كمسلم ليست منفصلة عن قدرتك على الفعل كطرف فاعل من أطراف اللعبة الدولية أخذًا وعطاءً، وعندما لا تكون قادرًا على التأثير فإنك دائمًا الخاسر .. فهل نحن المسلمين لنا تأثير فى المجتمع الدولى يحسب له الآخرون أى حساب؟ أبدًا .. إن خلاصة ما يعنى الأغلبية منا هو لقمة العيش التى عز نوالها.

وطبعًا - ولتحقيق التوازن النفسى الذى نغطى به على خيبتنا القوية - فإننا نسارع إلى الفيس بوك وهات يا ردح. فيا مدمنى الفيس، إن البوستات لن تنقذ لكم الروهينجا ولا غير الروهينجا !

كنا ننتظر من دهاقنة الفيس بوك على سبيل المثال أن يوصوا قادة الدول الإسلامية ذوى الثقل السياسى والتجارى والبترولى فى مشارق الأرض ومغاربها بالتداعى إلى مؤتمر شامل عاجل يتواصلون من خلاله مع شركائهم التجاريين فى الدول المحيطة بدولة ميانمار لممارسة الضغوط عليها فتخف وطأتها على أبناء هذه الأقلية المسلمة المضطهدة.

وكنا نتوقع من الفيسبوكيين أن يطالبوا المجموعة الإسلامية في الأمم المتحدة بالدعوة إلى جلسة عاجلة لإصدار قرار بوقف هذا التعذيب اليومى فورًا والانصياع لإرادة العالم الإسلامى ( هل هناك حقًا على وجه الأرض ما تسمى إرادة العالم الإسلامى؟) .

بل وكنا نتصور أن يسارع هؤلاء القادة المسلمون شديدو الثراء والجاه إلى رفع سماعات الهاتف ( أو أجهزة المحمول المحلاة بالذهب والماس) والاتصال بالسيد ترامب وبقية رؤساء العالم «الحُر» ليرفعوا هم بدورهم هواتفهم فيهاتفوا السيدة سان سوتشى رئيسة بورما لتتصرف على عجل لإيقاف المجازر.

الأزهر الشريف الله يستره - فعل ما عليه فى حدود إمكاناته (المحدودة)، ولم يتوقف عن إصدار البيانات التى تدعو إلى التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وها هو الرجل الطيب الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر يجوب بلدان الغرب بحثًا عن حلول.

يا أيها الراقصون عرايا فى معبد الفيس بوك بلا حياء لماذا لم تقولوا للناس إن مأساة الروهينجا ممتدة منذ مئات السنين فلم يحرك العرب الأشاوس ساكنًا للضغط على الغرب الكافر المكدسة في بنوكه تلال أموالهم؟ لماذا لم تقولوا لنا إن أول من ألقى الضوء على المذابح والتهجير والاحتقار هى وسائل إعلام هذا الغرب ( المنحل) نفسه؟

خلاصة القول إن الفيس بوك - بمعجنة الشتم الحوارجية التى ينصبها الآن، ولا بكشف الرأس فى ساحات أضرحة أوليائنا الصالحين والدعاء على البوذيين، ولا بسكب النار فى نفوسنا نحن دون إطفاء النار المشتعلة هناك على حدود بنجلاديش - لن ينجز شيئًا يذكر .. وكان الله فى عون الروهينجا فليس لمأساتهم من دون الله كاشفة.

لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: