رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الأهرام» فى رحلة على ظهر سفينة عابرة للقناة

مى الخولى
القباطنة يشرفون على سير السفينة

◙  كبير المرشدين: مهمتنا الحفاظ على سلامة السفن

 

 

أعمل بالملاحة منذ عام ١٩٧٦، وعبرت القناة مرات كثيرة، ولأننى أعبرها منذ كنت شابا، فإننى أعتبر نفسى شاهدا على تاريخها.. هكذا قال بتروفيك دراجن قبطان مونتينجرو، الذى لم يكن الوصول إليه سهلا، فقد قطعنا يوما طويلا وشاقا، بدأ من السادسة صباحا لنكون أمام مكتب السيد طارق حسن مدير مكتب العلاقات العامة والإعلام بمبنى الإرشاد، التابع لهيئة قناة السويس فى تمام العاشرة و٧ دقائق صباحا، لتبدأ رحلتنا فى عرض القناة للقاء السيد بتروفيك..

ومبنى الإرشاد هو المبنى الذى تدار منه حركة الملاحة فى القناة بشكل كامل، وهناك أخبرنا طارق حسن عما يمكن تصويره وما يحذر تصويره، وتمنى لنا رحلة طيبة، قائلا: «المركب مش هتتوقف عشان تركبوا، أنتم هتركبوا وهى ماشية»، وبدت الرحلة مثيرة قبل أن تبدأ، واستقللنا سيارة من مبنى الإرشاد الى نقطة اتصال مارينا، مررنا بعدة كمائن شديدة الدقة، فى طريق ليس بالطويل، لكن الكمائن تتكرر كل ٢٠ مترا تقريبا، ساعدنا فى اجتيازها كون السيارة تابعة للهيئة، وما إن وصلنا إلى نقطة اتصال مارينا ، حتى كان فى استقبالنا شرطيان بالبوابة، وبعد أن تحققا من هوياتنا الشخصية، سمحا لنا بالمرور، حين وصلنا التقينا القبطان عرفان قائد حركة الملاحة بمارينا، حيث صحبنا حتى اللنش الذى سيصلنا بالمركب التى أردنا اللحاق بها.

« ماتتطلعوش السفينة غير لما تتطمنوا لإن اللنش فى أقرب نقطة للسفينة».. بهذه الكلمات ودعنا القبطان عرفان، مسديا إلينا نصائحه لضمان سلامتنا، فى اللنش الصغير التقينا القبطان فريد، الذى أوضح لنا مهامه اليومية قائلا: مهمتى اليومية هى اصطحاب مرشدى القناة ما بين الاسماعيلية والسويس وبورسعيد، حيث يتم تغيير المرشدين فى منتصف الرحلة المقطوعه بين قناة السويس، إلى جانب زيارات الوفود التى تأتى لتشاهد قناة السويس، وما إن وصلنا لنقطة التقاء مع مركب MSC»‬» العملاقة، جاءنا صوت عمرو مصطفى من قسم العلاقات العامة والإعلام بمبنى الإرشاد فقد صحبنا مع زميله اسلام ومحمد السيد من قسم العلاقات الخارجية فى رحلتنا إلى المركب «ياللا يا اساتذة احنا وصلنا، شايفين السلم ده، بمجرد ما اللنش يقرب من السفينة، تمسكوا الحديد وتقفزوا على السلم، بسرعة يا اساتذة عشان المركب مهدية السرعة عشان تقدروا تطلعوا».

السلم يقترب من الـ ٢٠٠ درجة، عرض الدرجة الواحدة لا يزيد على ٤٠ سم. الدرج مصنوع من الألومنيوم، تحده من جانبيه اسطوانتا حديد تشبه الماسورة، مغطاة بزيوت من أثر تشحيم، فى منتصف ذلك الدرج، جزء يكون عليك الإمساك بأحبال للصعود الى الجزء العلوى من السلم ، بدلا من الماسورة الحديدية، الأمر يبدو مخيفا، لكن لا وقت للخوف، علينا أن نصعد قبل أن تفوتنا فرصة اقتراب اللنش من السفينة، فى منتصف السلم يبدو النظر الى أسفل مخيفا، فالسفينة يبلغ طولها ٣٦٥ مترا ، فى حين تصل حمولتها إلى ١٥٧ ألف طن ، فى خلال دقائق كنا على أبواب السفينة، وكان فى استقبالنا طاقم العمل بها ، ملامحهم تخبرك للوهلة الأولى بأن كلا منهم له جنسية غير جنسية زميله، حيث تحمل السفينة عدة جنسيات مختلفة من أوروبا وآسيا، كلهم استقبلونا بابتسامة عريضة وسلام كأصدقاء لم يلتقوا بهم منذ زمن بعيد، كان العمال يستعدون لرفع السلم فى داخل السفينة، وجدنا الطابق الأول يضم عدة مولدات شديدة الضخامه،ينتهى إلى مدخل يتخلله مصعد كهربائى ، مكننا من الصعود إلى طابق علوى حيث يجلس القبطان والمرشدون وطاقم السفينة.

قبطان السفينة بتروفيك دراجن كان فى استقبالنا ، لم ينتظر كثيرا، بدأ دراجن حديثه مقارنا بين القناة فى شكلها الحالى وهيئتها قبل أن تشق الطريق الموازى الجديد، قائلا: «الآن باتت أوقات الانتظار أقل، العبور صار أسهل فقد، كنا ننتظر على المخطاف فترات طويله قبل التحديث،ويمكن تبسيط الأمر بتخيل طريق من «حارة واحدة» تعمل المراكب فيه فى الاتجاهين داخل الطريق الواحد ، فأن يكون لديك طريق ذو «حارتين» للعبور فى الاتجاهين دون انتظار مرور سفينة قادمة فى الاتجاه العكسى ، فلكم ان تتخيلواسعادة العابرين بهذه التوسعة الجديدة.

حين سألناه عن مشاهداته للقنوات الأخرى وحكمه على قناة السويس الجديدة، بصفته بحارا قضى عمره بين القنوات الملاحية العالمية قال بتروفيك «مقارنة قناة السويس بقناة بنما، مقارنة غير صحيحة، الملاحة فى بنما بحاجة الى جرارات لشد السفن بسبب انخفاض منسوب المياه فيها، فضلا عن أن قناة السويس أكبر سعة من قناة بنما ، كما أن التأمين فى قناة السويس أكثر شدة منه فى بنما، فالمار بقناة السويس يستطيع أن يرى دوريات الجيش من حوله على رأس كل ساعة ،غير أننى طيلة فترة عملى الكبيرة فى الملاحة، لم أر يوما مشكلة أمنية حدثت بالقناة، وهذا بخلاف المرشدين المصريين الأكفاء بالقناة» .

دراجن ميلوزافيك المساعد الأول لقبطان السفينة، يتذكر حين قام بالمرور بالقناة للمرة الاولى فى عام ٢٠٠٠، قائلا: «كان زمن العبور أطول ، كنا ننتظر على المخاطيف فترة طويلة جدا، الآن لم يعد هناك انتظار كما أصبح العبور فى وقت أقصر»، ويعبر عن امتنانه الكبير لتحديث القناه بهذا الشكل، وسهولة إجراءات المرور بها ، وموجها حديثه للمرشدين المصريين بالقناة: «أنتم محظوظون بالعبور فى قناة هى الأكثر سهولة بين بقية قنوات الملاحة فى العالم»، متابعا : «القناة بشكلها الحالى هذا فى وسط الصحراء، تدفعنى للتأمل والتفكر بالأشخاص الذين أنجزوا هذا العمل العظيم وسهلوا لنا الملاحة، كيف فعلوها؟» ، حين سألناه ماذا لو قُدر لك أن تعطى رأيك فيما تحتاجه قناة السويس من تعديلات؟، أجابنا: «أعتقد أننى لست بحاجة لإدخال أى تعديلات جديدة عليها، لكننى فقط أتمنى أن تحافظوا عليها كما هى الآن».

نمنجا بوجدانوفك، الذى يعمل فى السفن منذ ١٠ سنوات، يقول: أول زيارة لى فى القناة كانت عام ٢٠٠٧، وبحكم عملى زرت قنوات أخرى كثيرة، وهو ما يمكننى من تقييم قناة السويس مقارنة بقناة ماجنل فى امريكا على سبيل المثال والتى قمت بالمرور بها كثيرا، ويمكننى أن أقول إن غاطس «ماجنل» أقل من غاطس قناة السويس ، وهو مايميز قناة السويس فالغاطس هنا يتحمل ٣٠ مترمترا حمولة تحت سطح البحر ، كما أن تأمين قناة السويس مشدد بشكل كبير فهى تخضع لحماية دوريات من الجيش.

على الجانب الآخر، كان بالمركب مرشدون مصريون، يجلسون أمام شاشات وردارات كثيرة لم نفهم منها شيء، قاطعنا انشغالهم وحاولنا أن نفهم. بدأ قبطان محمود عجيز كبير مرشدى قناة السويس، حديثه متفاخرا بعمله بالبحرية المصرية طيلة ٢٢ عاما، وفخره بكارنيه قدامى المحاربين الذى يبدى مشاركته فى حرب ٧٣، ثم عمله كضفدع بشرى وحصوله على شهادة ربان أعالى البحار، ليقضى ما يقرب من الربع قرن فى الملاحة بقناة السويس، ثم يوضح طبيعة عمله: دورنا كمرشدين يتلخص فى إرشاد السفن من الإسماعيلية الى السويس او من الاسماعيلية لبورسعيد، وأحيانا من السويس لبورسعيد، ُتوكل إلينا مهمة الحفاظ على سلامة السفن منذ لحظة دخولها الى مياه قناة السويس، فالمرشد أدرى بالقناة من عابريها، ويملك القدرة على التعامل مع المواقف الطارئة، ففى حال حدوث أعطال أو مشاكل فى سفينة فإننا نتركها فى المنطقة الواصلة بين القناتين حتى لا تتعطل أى من حارات القناة، وتضطر السفن للانتظار، وبإمكانه استخدام العلامات الحديدية على جانبى القناة لربط السفينة ومن ثم توقيفها فى حال حدوث مشكلة بها، هذه العلامات يعرفها مرشدو القناة وحدهم، كما يستطيع التواصل مع القيادات المسئولة فى حال حدوث مشكلة، أو حتى طلب نزول غطاسين فى حال الحاجة، لذلك من المهم وجود مرشدين من القناة، فالإبحار داخل القناة ليس عشوائيا، نحن ملزومون بإبقاء السفينة فى منتصف مياه القناه بالضبط دون نقص أو زيادة، وأى جنوح عن المنتصف يعرض السفينة «للاستعراض»، ومن ثم توقف مرور السفن بالقناة من خلفنا، وهو ما يستدعى انتباهنا طول الوقت،خاصة مع اتجاه الملاحة فى العالم للحمولات الكبيرة، وبعد أن أصبحت القناة قادرة على استيعاب تلك الحمولات.

بينما قال عمر العربى مرشد القناة أيضا، والذى يعمل منذ ٢٥ عاما بالملاحة: « المركب فى عرض البحر تنفق يوميا ما يصل الى ١٥٠ الف دولار ، وتكلفة ١٠ أيام انتظار كانت اعتيادية فى الفترات السابقة قبل أن تصبح القناة فى طريقين ، كانت تصل الى مليون دولار ، وهو ما وفرته القناة بشكلها الجديد» مضيفا: «حد الغاطس تحت الماء بالقناة يصل الى ٦٢ قدما وهو شيء يدعو للفخر» .

انتهت الرحلة، وبات علينا العودة، لكننا حين خرجنا من المصعد هذه المرة، توقفنا أمام ورق بردى وهدايا تذكارية على الأرض، وبدا الأمر كما لو أن «فروشات» خان الخليلى قد إنتقلت إلى سفن القناة، ثم عرفنا أنهم يتبعون شركة تتبع هيئة القناة، لكن هذه لم تكن ضمن مهامهم التى توكلها لهم الشركة، فهم مسئولون عن إضاءة السفن، بينما هذا سلوك فردى من العمال، يصعدون بهذه الهدايا التذكارية لعلهم يجدون من يريد اقتناءها لذويه حين يعودون من رحلتهم لأوطانهم.

إذا كانت الحكمة تقول ان النزول أسهل من الصعود فإنه ليس دائما ما تصدُق الحكم، فنزول سلم السفينة كان أصعب بكثير من الصعود، خاصة أنك الآن مجبر على النظر لأسفل، ولعله من المخيف أن تتخيل مشهد إنزلاق أقدامك من فوق سلم كبير قد يتجاوز ارتفاع عمارة من خمسة أدوار، لكن يبدو أننى كنت من المحظوظين إذ أشفق الخيال على وشغلنى بآخر كلمات بتروفيك حين سألته بحكم سنين عمره الطويلة فى الملاحة، كيف ترى شائعات ما يعرف «بقناة مارلبورو»؟، فباغتنى قائلا: القول إن قناة السويس هى قناة مارلبورو هو قول ظالم، وانا أعتبره غير صحيح، ويمكننى سرد قصص كثيرة عاينتها بالملاحة عبر مياه دول كثيرة أخري، ويمكننى أن أقول لكم إن المرشدين الذين يطلبون سجائر واحيانا أموالا أيضا، هم فى دول أخرى بعيدة عن مصر، وحتى مع هؤلاء فنحن لا نعتبرهم يطلبون رشوة، ولكن يمكن اعتبارها ثقافات مختلفة لشعوب أخري، وأنا لا أعرف صحة واقعة المارلبورو من عدمها، لكنه لا ينبغى التعميم، وأنا شخصيا لم أشهد واقعة كهذه طوال فترة عملى الملاحى بقناة السويس. واختتم الرجل كلماته قائلا: أنا أحب مصر ولو سألتمونى عن سبب ذلك الحب فإن إجابتى ستكون «لا أعرف» انا أحبها فحسب،واعتز بورقة بردى مصرية كنت قد اقتنيتها من عشرات السنين واحتفظت بها فى صندوق الذكريات الخاص بى .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق