رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ذكريات من الزمن الجميل

بقلم ــ فاروق جويدة
لم تكن جريدة الأهرام فى حياتى مجرد وظيفة عابرة منحتها اجمل ايام شبابى ومنحتنى البريق والأضواء والمصداقية وتحولت بين جدرانها الى راهب يعشق المكان ويدرك حجم المسئولية وقيمة الكلمة .. قضيت فى الأهرام كل سنوات عمرى ولم اعمل فى مكان آخر رغم كل ما تلقيت من العروض والإغراءات بل اننى رفضت منصب الوزارة اكثر من مرة من اجل الأهرام لأننى لم اتصور ان اكون فى مكان آخر وعمل آخر ورفاق آخرين غير هذا الصرح العظيم الذى منحنى كل شئ.

لم يكن الأهرام مجرد وظيفة او عمل اخترته يوما وهو الصحافة ولكن الأهرام جسدت امامى رحلة احلام كبرى كان من الممكن ان اكون مسئولا فى اى مكان داخل المؤسسة العريقة وقد كان ولكن مع الأهرام كبرت احلامى ولم تكن احلاما فى مال او ثراء او نفوذ وانما تبلورت احلامى فى ان اغنى شعرى على صفحاتها واجد من يسمعنى ان اكتب ما يدور فى ذهنى من الأفكار والخواطر واجد من يصدقنى ومثل كل الشباب فى هذا الزمان دخلت المبنى العريق ولم تحملنى اليه واسطة أو صاحب منصب او احد الأقارب جئت الأهرام شابا بسيطا لا يملك غير الأحلام فاحتضن احلامى ومع سنوات العمر اصبحت حياتى جزءا من الأهرام واصبح الأهرام كل عمرى فلم اخط خطوة واحدة خارج جدرانه التى عشت معها كل دقات قلبى وانفاسى وثورتى وحيرتى وغضبي..

قلت : ان المكان يمثل شيئا كبيرا بالنسبة لى انه انفاس احتوتها جدران ونوافذ انه قلب يخفق ولا تدرى من ينبض بالآخر هل قلوبنا هى التى تعطى المكان الإحساس والمشاعر ام هو المكان الذى نصبح مع الأيام جزء منه .. لايوجد عمل بلا هدف أو غاية هناك من يعمل لكى يعيش وينتج ويشارك وهناك ايضا من يعمل لكى يبدع شيئا جديدا لم يعرفه الناس من قبل .. وهناك من يعمل لأنه يجسد احلاما فى إنسان اجمل ووطن ارقى وزمان اكثر ترفعا وقيمة ..

كان الأهرام عندى ومازال هو الحلم والوعى والقيمة ولهذا لم نحسب سنوات العمر معا وكيف تسربت منا فلا عمر للأحلام ولا زمن للأماكن ولا ثمن للبشر لأنهم اغلى من كل شئ ..

حين تسللت قدماى فى هدوء الى الدور السادس فى الأهرام بعد شهور قليلة من التحاقى به وجدت نفسى احدق فى عدد من الوجوه لا أقول اننى اعرفها بل كنت احفظ ملامحها .. توفيق الحكيم وعودة الروح .. نجيب محفوظ والثلاثية .. يوسف إدريس وارخص ليالى .. زكى نجيب محمود وحوارات مع العقل.. لويس عوض ومذكرات طالب بعثة.. بنت الشاطئ وزوجات الرسول ..إحسان عبد القدوس وانف وثلاثة عيون .. عبد الرحمن الشرقاوى والحسين ثائرا وشهيدا وصلاح طاهر ومملكة الفن وثروت اباظة وشئ من الخوف ..

منذ عرفت قدماى هذه الحجرة فى الدور السادس ولقاء يوم الخميس المشهود لم اتخلف يوما عن هذا اللقاء سنوات طويلة كنت اجلس بعيدا على استحياء لا اتكلم ولكن اسمع فقط ومن يومها تعلمت ان اسمع اكثر مما اتكلم ما دمت فى حضرة الكبار .. ولم يكن غريبا ان يصدر الأهرام صفحته الثقافية يوميا بإشراف توفيق الحكيم ومجلس للتحرير من كبار الكتاب وانا معهم اشرف على النواحى التنفيذية فى الصفحة وكانت ميلادا جديدا بالنسبة لى ان اتولى مسئولية الصفحة كاملة وسط هذه الكوكبة من رموز مصر العظيمة.. كان من الصعب بل من المستحيل ان تجد هذه الكوكبة رغم كل ما بينها من التنوع والخلافات فى مكان غير الأهرام وفى زمان غير هذا الزمان ومع احلام غير الوعى والفكر والثقافة والمسئولية .. لا ادرى ماذا وراء الدور السادس فى الأهرام الذى شاءت الأقدار ان اعيش معه اجمل سنوات عمرى هل هو الحظ ام الأحلام ام القدر الجميل الذى منحنى فرصة ان اخاطب واحاور واسمع هذه النخبة التى لم تجتمع فى اى مكان آخر إلا فى صحيفتنا العريقة .. كان الدور السادس اجمل الأقدار فى حياتى ولم يكن قصيرا فى زمنه لأن كل شجرة فى هذه الحديقة كانت تمثل تاريخا واجيالا وثقافة وعمرا انطلقت من الدور السادس ومن خلال هذه النخبة الى الحياة الثقافية والفكرية وكنت اختار سطورا قليلة اكتبها اسفل مقال لتوفيق الحكيم او حوار مع يوسف إدريس او نجيب محفوظ واعتبرت ذلك نجاحا لا يقدر بثمن فما اجمل ان تنمو الأشجار الصغيرة تحت ظلال الأشجار الكبيرة لأنها الحماية والمعرفة والقيمة ..

سنوات عشتها فى الأهرام ورصيد احلامى يكبر ان اجد من يسمع شعرى ان تصل كلماتى ورؤاى إلى الناس فأجد من يصدقنى كنت اراهن طوال عمرى على المصداقية لأنها رأس المال الحقيقى فى بلاط صاحبة الجلالة وفيها تعلمت ان احترم الرأى الآخر حتى لو اختلفنا وان احترم الكبار لأنهم مصدر القوة الحقيقية هناك من جمع الأموال وهناك من حقق الشهرة والبريق وهناك من راوده النفوذ فذهب اليه قليلون جدا من راهنوا على الصدق مع النفس ومع الناس ومع الله وهؤلاء هم الفائزون .

حين اشاهد الأهرام الآن وهو مازال شامخا وسيبقى .. كنت دائما أقول ان الأستاذ محمد حسنين هيكل وضع للأهرام مجموعة من الأسس والثوابت فى كل شئ تجعله يعيش الف عام وهذه حقيقة .. كل شئ فى الأهرام يسير بدقة غريبة فى الأمن والمطابع والتحرير والإدارة والنظافة.. وفى بعض الأحيان يختل الميزان ولكن سرعان ما يعدل الأهرام مساره ويسلك الطريق الصحيح .

إن الأهرام يحتفل دائما بسنوات عمره .. حين كان فى الخمسين او الخامسة والسبعين أو فى عيده المئوى وهو الآن مائة واثنان واربعون عاما .. مضت الأحداث بحلوها ومرها بصغارها وكبارها بأمنها وسلامتها وغضبها وانكساراتها وبقى الأهرام .. رموز تغيرت ووجوه اطلت من خلاله طوال قرن ونصف من الزمان حين نتصفح هذه الأمجاد سوف نجد اعظم ما قدمت مصر من عقول ابنائها فكرا وثقافة وابداعا ابتداء بأمير الشعراء احمد شوقى مرورا على حافظ ابراهيم والإمام محمد عبده وهيكل باشا .. وام كلثوم وعبد الوهاب والسنباطى وجمال حمدان والشيخ شلتوت والشيخ الشعراوى والأستاذ هيكل وانيس منصور كان الأهرام هو الواجهة التى رعت الفن والثقافة وقدمت لمصر اعظم واجمل ما فيها من المواهب والقدرات.. ان دور الأهرام فى الحياة الثقافية فى مصر من اكبر الشواهد على عظمة وعطاء هذه المؤسسة العريقة ..

سوف يبقى الأهرام شامخا وسوف تجيء اجيال بعدنا تحتفل بسنوات عمره وعطائه وسوف تنجب مصر اجيالا جديدة تستحق ان تحمل اسم هذا الوطن واسم هذه القلعة من قلاع الفكر ..

ان مصر كلها تحتاج منا فى هذا الظرف التاريخى الصعب ان نقف معها وان نبنيها بالعمل والجهد والكفاح والتجرد وان نضعها فى مكانها الصحيح بين شعوب الأرض فقد كانت دائما فى مقدمة الصفوف وسوف تبقى .

تبقى عندى كلمة لشباب الأهرام .. ان الأهرام ليس مجرد صحيفة نعمل فيها.. قد تجد مكانا آخر تعمل فيه اكثر مالا وربما اكثر نفوذا ولكنك لن تجد الأهرام فى كل مكان.. لن تجد جدرانه التى احتوت احلامك فى ان تكون كاتبا مترفعا مؤثرا يصدقك الناس كلما صدقت معهم.. ان المصداقية هى اساس النجاح فى الحياة وهى التى تمنحنا القيمة لأن الأوطان والأشخاص لا تبنيها الأكاذيب ..

قد يمر الأهرام بعاصفة شديدة ولكنه سرعان ما يقوم ويبدأ من جديد ..ان الأهرام يحمل طباع مصر ومكوناتها وقدراتها سرعان ما تقوم من غفوتها وتستعيد زمام امرها وتبهر العالم كله انها تشبه النيل حين يفيض وحين يكابر وحين يواجه تحديات الزمن وتقلبات الفصول .. اقول لشباب الأهرام لا تكتف ابدا بما انجزت أو قدمت واجعل امامك دائما طريقا مفروشا بالأحلام ان تكون قادرا على ان تطور قدراتك وتنمى إمكانياتك وتضيف لعقلك كل يوم ما هو جديد .

كلما مرت ذكرى من ذكريات صحيفتنا العريقة خمسون أو سبعون او مائة عام او اكثر بدت صورة الأهرام وهى تزداد مع الزمن شبابا بأجيال متعاقبة من ابنائها الذين حافظوا على تقاليدها وثوابتها لتبقى دائما قلعة من قلاع الحرية والفكر والثقافة وضميرا حيا لأمتها العربية وتراثها الحضارى العظيم

الأهرام ليس مبنى وليس صحيفة وليس اشخاصا زائلين الأهرام تاريخ ووعى وثقافة وقلعة من قلاع مصر الحصينة .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق