رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

السفير عبد الرؤوف الريدى رئيس مكتبة مصر العامة لـ «الأهرام»:
دور المكتبات يتزايد رغم أنف الانترنت

ماهر بدر تصوير : طارق حسين
خلال زيارتى مقر مكتبة مصر العامة، للمشاركة فى سبموزيوم للفن التشكيلي ومعرض وورش عمل للشباب والأطفال احتفالاً بمرور 22 عاماً على إنشاء المكتبة، أثار انتباهى وجود زحام شديد فى المكتبة، وعندما سألت عن السبب علمت أن طلابا وشبابا جاءوا للحجز في دورات اللغات وغيرها من الأنشطة التى توفرها المكتبة فى فترة الإجازة الصيفية..

حيث إن مكتبة مصر العامة لا تعد مجرد مكتبة، بل منارة ثقافية تتيح الأنشطة والخدمات، التى لا تقتصر على مرحلة عمرية بعينها ولكنها لكل الأجيال من سن الطفولة حتى بعد التقاعد.. ويؤمها الباحثون وطلاب الماجستير والدكتوراه وغيرهم.

السفير عبد الرءوف الريدي، رئيس مجلس إدارة مكتبة مصر العامة.. هو شخصية سياسية وثقافية نادرة، عمل بالسلك الدبلوماسى حتى أصبح سفيراً لمصر بالولايات المتحدة الأمريكية لثمانية أعوام (1984 – 1992) وكانت له إسهاماته السياسية خاصة فى العلاقات المصرية الأمريكية وهى دائماً تؤخذ فى الاعتبار، ولم لا وهو يجمع بين العلم والثقافة والخبرة ومعاصرة الأحداث؟!.. وبعد عودته من واشنطن أسهم فى إنشاء مكتبة مصر العامة، التى تحولت الآن إلى منظومة تضم 15 مكتبة.. ومعه جرت وقائع هذا الحوار.






> سيادة السفير.. ابتداء أهنئكم على هذه المكتبة العظيمة.. ولكن هناك موضوع يطرح نفسه علينا فى بداية الحديث.. وهو مكتبة الإسكندرية التى تودّع عهداً وتستقبل عهداً جديداً حيث يغادرها الدكتور إسماعيل سراج الدين بعد خمسة عشر عاماً وتؤول مسئوليتها إلى المفكر الدكتور مصطفى الفقى.. من المعروف أنك كنت من رشحت الدكتور إسماعيل سراج الدين مديراً لمكتبة الإسكندرية.. هل لى أن أسألك عن الاعتبارات التى جعلتك تفكر فى هذا الترشيح؟

كانت السيدة سوزان مبارك قد طلبت منى أن أرشح مديراً لهذه المكتبة، وذكرت لى أن المكتبة ستكون ذات طابع دولى ومن المهم أن يكون مديرها متمتعاً بالصفات التى تؤهله لهذا العمل... وقد وعدتها بالرد عليها فى اليوم التالى...وفى فترة الصباح المبكر التى هى دائماً أفضل فتراتى الذهنية طاف فى ذهنى الدكتور إسماعيل سراج الدين الذى كان قد رشح نفسه من قبل ليكون مديراً لليونسكو ونظمت له لقاء مع مجموعة من المفكرين المصريين لدعم ترشيحه ولكن الدكتور إسماعيل لم يوفق فى سعيه لمنصب مدير اليونسكو أساساً لأنه لم يكن مرشحاً من الدولة... فى ضوء ذلك تصورت أن الدكتور إسماعيل سراج الدين يمكن أن يكون هو المرشح الذى يتطلبه منصب مدير مكتبة الإسكندرية. طلبت السيدة سوزان مبارك فى هذا الصباح وأبلغتها بأننى أفكر فى أن يكون المرشح هو الدكتور إسماعيل سراج الدين، وكان ردها أن تساءلت عما إذا كان سيقبل أن يشغل هذا المنصب.. أجبت بأنه يمكن أن أتحدث معه تليفونياً وأوضح له أهمية المنصب ومزاياه وأعتقد أنه يمكن أن يقبل...

رحبت بالفكرة وطلبت منى أن أجرى هذا الاتصال وأفيدها بالنتيجة.. هاتفت الدكتور إسماعيل وطلبت إليه فى البداية ألا يقاطعنى قبل أن أكمل حديثى معه، وهو حديث استمر لأكثر من ساعة، وكان من بين ما قلته له أيضاً إننا نأمل فى أن نجعل مكتبة الإسكندرية بمنزلة يونسكو للبحر الأبيض وأنه فى رأيي قادر على أن يحقق ذلك.. وختمت حديثى معه بأنه إذا كان يسعى للحصول على منصب دولى فلن يتأتى له ذلك إلا إذا جاء لمصر وعمل لفترة ثم رشحته الدولة بعد ذلك للمنصب الدولى الذى يريده، وذكرت له أن منصب مدير مكتبة كبيرة هو منصب مهم وضربت له مثلاً بمدير مكتبة الكونجرس Bill Bilington الذى نعرفه كلانا وانتهى حديثنا بأنه سيفكر فى هذا الموضوع ويرد علىّ.

أبلغت السيدة سوزان مبارك بذلك فذكرت أنها ستذهب مع الرئيس مبارك إلى واشنطن قريباً وأنه يمكن أن يلتقى بها ويناقش الفكرة معها هناك وهو ما أبلغت به الدكتور سراج الدين.

> ما الذى جعلك ترى أن الدكتور إسماعيل سراج الدين هو الشخص المناسب لهذا المنصب؟

أنا أعرف الدكتور إسماعيل سراج الدين منذ أن كنت سفيراً فى واشنطن وهو حاصل على دكتوراه من كلية الهندسة المعمارية من جامعة هارفارد، كما أن عنده خلفية دولية باعتباره شغل منصب نائب رئيس البنك الدولى المسئول عن أفريقيا، كما أعلم حبه للثقافة وكثيراً ما كنا نعقد لقاءات ثقافية بالسفارة ويتحدث هو عن تراث مصر وعن الحضارة المصرية والآثار وبخاصة الآثار الإسلامية، فهو إذنً شخصية تتوافر فيها الأبعاد العلمية والثقافية بل وشئون التنمية، كما أنه بحكم عمله كنائب رئيس البنك الدولى فإنه يتوافر فيه ايضاً البعد الدولى.

> كيف تنظر إلى تجربته فى مكتبة الإسكندرية؟

أرى أنه قد نجح بالفعل فى تأسيس المكتبة، ومن خلال عمل دائب نجح فى تحويلها إلى مركز حضاري دولي بما يجعلها بالفعل منارة على البحر المتوسط كما كنا نرجو.

> ماذا عن الساحة المصرية.. هل نجحت المكتبة فى أن تفرض نفسها على الواقع المصرى؟

نجاح المكتبة فى أنها أصبحت ذات هوية دولية هو فى حد ذاته نجاح مصرى.. ومع ذلك فإننى كنت آمل أن يمتد هذا النجاح ليسهم فى العملية التنويرية التى نعمل عليها بالداخل المصرى.

> ما رأيك فى تولى الدكتور مصطفى الفقى منصب مدير المكتبة؟

سعدت جداً بقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين الدكتور مصطفى الفقى الذى رشحه مجلس أمناء المكتبة لهذا المنصب، وأثق فى أن الدكتور مصطفى سيبنى على ما أنجزه الدكتور سراج الدين وسيكون للمكتبة دور ملموس على الساحة المصرية إلى جانب الساحة الدولية.

> ننتقل إلى الحديث عن مكتبة مصر العامة برئاستك.. كيف جاءت فكرة إنشاء مكتبة عامة بهذه المواصفات وكيف تم اختيارك وانت رجل دبلوماسي في الأصل؟.

الفكرة بدأت فى الأصل من خلال صحفية مصرية كانت فى مؤتمر صحفي لرجل أعمال ألمانى بنى شهرته من خلال نجاحه فى مجال النشر فأصبح يمتلك ثانى أكبر دار نشر فى العالم ثم أنشأ مؤسسة كبيرة فى المجتمع المدنى بها قسم للمكتبات وهو رينهارد مون رئيس مؤسسة برتلسمان الذى ذكر فى المؤتمر الصحفى أنه أنشأ مكتبة عامة فى بلدته فى ألمانيا وأخرى فى عزبته فى أسبانيا. وجهت له الصحفية المصرية فى المؤتمر سؤالاً كان بمنزلة رمية من غير رامِ: لماذا لا تنشئ أيضاً مكتبة عامة فى مصر، فذكر أنه مستعد للذهاب لمصر لمناقشة الفكرة هناك. أبلغت الصحفية المصرية سفير مصر فى ألمانيا وكان السفير رؤوف غنيم الذى قام بإبلاغ السيدة سوزان مبارك فأرسلت إليه دعوة بالحضور لمصر فوافق على الفور وحضر وتم الاتفاق على هذا الموقع.. وبدأ إنشاء المكتبة عام 93 وهو تاريخ توافق مع عودتى لمصر بعد انتهاء فترة خدمتى بواشنطن وبالعمل الحكومى، اتصلت بى السيدة سوزان مبارك وطلبت منى أن أساعدها فى إنشاء هذه المكتبة، وعندما أجبتها بأنه ليست لديّ خبرة بإنشاء المكتبات العامة أجابتنى «بأنك رأيت العالم وتستطيع بلا شك أن تسهم فى هذه التجربة»، فوافقت وتم الانتهاء من إعداد المكتبة وكان حفل الافتتاح حفلاً كبيراً ورائعاً فى 21 مارس 1995.

> هل كانت لديك النية فى تكرار التجربة في اماكن اخرى بمصر ؟

اكيد أن أى نجاح يكون حافزاً لتكراره، وفى الواقع فإن الإرادة هى العنصر الحاسم فى أى نجاح.. وعندما اندمجت فى موضوع المكتبات ورأيت كم أن مصر محتاجة لها.. فقد بدأت العمل على نشر نموذج المكتبة من خلال فروع فى القاهرة الكبرى ثم مكتبات إقليمية فى المحافظات بما يعيد مجد مكتبات البلدية التى عرفتها مصر فى النصف الأول من القرن العشرين وكان لها دور تنويرى كبير.

> وماذا عن الجديد فى عملية التحديث والتطوير المتلاحقة؟

توافر الإرادة كما ذكرت يحفز أيضاً على الإبداع.. ومن ذلك مثلاً أن المكتبة أنشأت معرضاً شهرياً للكتب وهى فكرة مستوحاة من معرض الكتب على سور الأزبكية الذى كنا نعتمد عليه فى شراء الكتب فى القرن الماضي، وأصبح هذا المعرض حدثاً ينتظره الجمهور حيث تباع فيه الكتب المكررة والتى يتم الاستغناء عنها بأسعار رمزية... كما أننا الآن نفكر فى كيفية تنفيذ الفكرة التى طرحتها الأستاذة نشوى الديب وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب فى أثناء مناقشة ميزانية المكتبة وتريد بها إقامة مكتبة الشارع التى يمكن أن تتوافر فيها كتب مستغنى عنها للجمهور ليطلع عليها بلا مقابل، ونفكر فى إمكان تطبيق هذه الفكرة وليس هناك سقف لما يمكن أن تحققه الإرادة والعمل على حث كل مستويات الإدارة على الإبداع.

> هل تراجع دور المكتبات العامة بعد أن أصبحت القراءة متاحة بالوسائل الإلكترونية؟

بالعكس.. أنا أعتقد أن دور المكتبات العامة قد ازداد رغم وجود الانترنت.. أنت حضرت للمكتبة على غير موعد لأنك كنت تحضر السمبوزيوم الذى أقامته المكتبة فى إطار الاحتفال بمرور 22 عاماً على افتتاحها وقد شاهدت الطوابير الواقفة أمام المكتبة وداخلها لتسجل فى الدورات وورش العمل التى تقيمها المكتبة وخاصة فى فصل الصيف..

المكتبة تعتمد على عنصر التفاعل البشرى فيما تقدمه من ورش عمل وأنشطة أدبية وعلمية وترفيهية ودورات تدريبية مختلفة وورش عمل مثل تلك التى يقدمها السفير الأديب محمد توفيق سفير مصر السابق فى واشنطن وهو أديب ويعقد ورشة عمل لمجموعة من الشباب عن العناصر الهامة فى الكتابة الروائية.. وبعض الذين كتبوا عن تراجع دور المكتبات لمصلحة الإنترنت المتاحة على الموبايل والقول بأنه قد تمت اتاحة الكتب على الإنترنت كلامهم غير دقيق... فالكتب التى أصبحت متاحة على الإنترنت مجاناً هى الكتب التى مر على صدورها خمسون عاماً وبالتالى أصبحت تقع فى «الدومين العام» أى لم تعد محمية بحقوق المؤلف... أما الكتب الحديثة فهى مازالت غير متاحة ويتطلب الحصول عليها دفع حقوق المؤلف حسبما تحدده الدور التى نشرتها.. والكتب العلمية الحديثة على وجه الخصوص تتطلب دفع مبالغ كبيرة لحقوق المؤلف... ولكن مكتبتنا تتيحها بلا مقابل... لدينا نحو ربع مليون كتاب علمى حديث متاحة على قاعدة البيانات شبرنجر... وكذلك خمسة آلاف دورية علمية يتم تحديثها باستمرار.. وقد تقدمت هيئة ثقافية علمية كويتية واختارت مكتبة مصر العامة لتهديها هذه المكتبة العلمية.. التى يستفيد منها أعضاء المكتبة وفروعها والمكتبات الإقليمية.

> أنتم الآن تطلقون مبادرة بإنشاء ألف مكتبة... كيف سيمكن تحقيق ذلك؟

فكرة إنشاء ألف مكتبة جاءت عندما رأينا مدى احتياج مصر إلى المكتبات العامة كأداة رئيسية للتنوير ومكافحة الفكر الظلامى والارتقاء بالعقل والوجدان.. ووجدنا أن الإحصاءات الدولية والوطنية تتفق على أن عدد المكتبات العامة فى مصر أقل كثيراً مما نحتاجه، فطرحنا مبادرة الألف مكتبة حتى يمكن أن تكون هناك مكتبة عامة لكل مائة ألف مواطن فى مصر، على أساس أنه من المتوقع أن يصل عدد السكان فى مصر عام 2020 إلى مائة مليون مواطن... وليس كثيراً على مصر أن تكون فى ثلث مستوى بلد كالهند يوجد بها مكتبة عامة لكل ثمانية وعشرين ألف مواطن، والواقع أنى منذ أطلقت هذه الدعوة فلقد وجدت دعماً لها وكان أهم ما تحقق فى هذا هى الدعوة المشتركة التى وجهها وزيرا الثقافة والتنمية المحلية لاجتماع فى أوائل هذا الشهر نوقشت فيه الثقافة كمحور أساسى للتنمية المحلية، وقد أعلن فى هذا اللقاء على لسان وزير التنمية المحلية أنه سيجرى العمل على إنشاء أربعة آلاف مكتبة فى مختلف المحافظات بما يجعل نصيب المصريين هو مكتبة عامة لكل خمسة وعشرين ألف مواطن بما يتوازى مع المعيار الهندى...

وإلى أن يتحقق ذلك فإننا سنظل نواصل مسيرة إنشاء مكتبات عامة فى المحافظات ولدينا الآن تسع مكتبات عامة قيد الإنشاء ستضاف إن شاء الله إلى منظومة مكتبات مصر العامة المكونة حالياً من خمسة عشر مكتبة. وبالإضافة إلى قيام وزارة التنمية المحلية بالتعاون مع وزارة الثقافة باستهداف إنشاء أربعة آلاف مكتبة فإن لدينا أفكاراً أيضاً سنعمل على تحقيقها للحصول على تمويل مزيد من المكتبات العامة، وهدفنا المرحلى الآن هو إعادة مجد مكتبات البلدية مرة أخرى التى لعبت دوراً تنويرياً مهما فى القرن الماضى ... الإرادة هى الأساس ولدىّ أمل كبير فى أن نحقق لأبناء شعبنا كم المكتبات العامة التى يحتاجها من أجل التنوير والتعلم والإبداع فى العلوم والآداب والعنوان والإرادة هى الأساس.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق