رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قليل من الأحلام الصعبة

لا تكف ذاكرتى عن الاستعراض المتكرر لتلك الأسطورة الإفريقية التى تجيب على سؤال «لماذا ظل القرود قرودا ولم يتحولوا الى بشر ؟» تجيب تفاصيل الأسطورة على ذلك بأن القرود الصغار زهقت من تعاليم آبائها من القرود الكبار ، فتركوا لهم الغابة التى يقيمون فيها وهربوا فى قارب الى غابة أخرى كانت عبارة عن أرض مزروعة بالصبار وبها قليل من المياه، وطبعا كان عليهم أن يتعلموا كيفية التأقلم مع الحياة الصعبة .

وظلت الأجيال من القرود تتابع الهرب من خبرة الآباء وغاباتهم ، لذلك ظلت القرود قرودا ولم تتطور لأنها ببساطة بلا تاريخ . وتدمن البداية «من أول السطر» مع كل جيل جديد لا تستفيد مما مضى ولا تملك أسلوبا تصنع بها حياة جديدة . وأفلتت الأسطورة الإفريقية من محبسها فى ذاكرتى لتلح على خيالى منذ بدأ الحديث عن التعديل الوزارى ؛ خصوصا أنى مشدود متوتر بأملين يصعب تحقيقهما بشكل كامل ، الحلم الأول أن يسع دخل كل مصرى لتكلفة حياته بدءا من تحقيق الوجبات الثلاث ؛ والحلم الثانى أن تتوافر لعموم أهل المحروسة رعاية صحية تليق بالبشر ؛ وضحكت ساخرا من الحلمين ؛ بسبب سلسلة طويلة ومعقدة من الوقائع السياسية..

تذكرت حقيقتين ؛ أولاهما سمعتها من جمال عبد الناصر شخصيا عام 1965 حين اوضح بعبارة لا لبس فيها بأن من يطلب قرارا مستقلا لابد ان يملك إنتاج طعامه وصناعة سلاحه، فوق ذلك مرونة لاتفرط فى حقائق قداسة الأمن القومى . والحقيقة الثانية سمعتها من عبد الفتاح السيسى وهو يعلن أن الحفاظ على استقلال القرار قد يجعلنا نتحمل الكثير من الصعاب . وأعرف جيدا أن عبد الناصر لم يوفق فى بناء تنظيم سياسى محلى او عربى ممن يضحون كثيرا ولا يفكرون فى المكاسب الآنية ، فتكون التنظيم السياسى مشوبا بضعف لابد من الاعتراف به ، ضعف اختيار شخصيات ترضخ ولا تؤمن بما كان عليها ان تترجمه سلوكا ، وتعلو فى ذاكرتى صور عديد من امناء الاتحاد الاشتراكى ووزراء ثرثروا بأفكار عبد الناصر وخانوها فور رحيله ؛ وكثير منهم نال امتيازات تبدو حاليا بسيطة ولكنها كانت بداية تكوين طبقة أكلت خيرات ثورة يوليو ثم باعت ولاءها عند أقرب مشتر، ومنها وبها تكونت طبقة القطط السمان والحيتان، واخيرا طبقة كونها نظام مبارك بدعوى قدرتها على التنمية بكعكة من عسل؛ وباعوا لنا وهم انسياب خيرات التنمية فى انحاء المجتمع ؛ ولكن تلك الخيرات تسللت بقدرة قادر الى الخارج ، فضلا عن رفاهية ممتلئة ؛ فى بلد أفسدوا فيه تعليمه ونظامه الصحى الذى أهدته ثورة يوليو لبسطاء المصريين سواء أكان فى الوحدات المجمعة أو فى المؤسسة العلاجية ، وتم إطلاق وحوش الأطماع الصغيرة والمتوسطة ، وتسلل ما يسمى بالتعاون مع الهيئات الأجنبية وتقديم مشورة البحث الاجتماعى لها ؛ ليقدم من يحلمون بتركيع مصر كل ما يحتاجونه من معلومات وإنجاز هائل فى فصل مضمون التنمية عن شكلها ، وتغنينا ببيع القطاع العام او تركناه اسير أزمان الترهل والعجز عن مواصلة العمل كما كان قديما .

وبقى لنظام عبد الناصر فضل إنشاء وتنشئة جيل متعلم يعى قيمة الوطن ومنه تكون جيش المليون مقاتل الذى قام بتحرير الأرض عبورا صاعقا فى اكتوبر 1973 . وهو نفس الجيش الذى لم يترك شعبه فريسة للتوريث عندما تحرك الشعب فى الخامس والعشرين من يناير ؛ لكن مرارة التأسلم تلونت كحرباء لتسرق ثورة المجتمع ضد من نهبوه ، وقاوم المصريون ليأتى الثلاثون من يونيو ليكنس هذا التأسلم المزور الذى أراد أن يبيعنا لسماسرة التخلف العثمانى أو لوكلاء الحرص على إبقاء مصر مهيضة الجناح. ولابد من الاعتراف بفضل الخليج العربى الذى ساند ثورة الثلاثين من يونيو ، ووصل النضج السياسى الى مداه المرجو حين اختلفت زوايا الرؤية لأزمتى اليمن وسوريا .

ومضت سنوات على استرداد مصر لقرارها الوطنى ليكون عندها نظام سياسى بدستور بدا مثاليا فيه من المبادئ ما تعجز أى حكومة عن تطبيقه على سبيل المثال ما نص عليه كمخصصات الصحة والتعليم.

وظلت التعديلات الوزارية تتوالى دون أن نحقق ما نرجوه ؛ فبعض من الوزراء تصرفوا مع مهامهم مثلما تصرف آدم فور نزوله من السماء الى الأرض يدخل بعضهم الى منصبه وكأنه لم يسبقه احد وكأن أحدا لم يضف شيئا . وطبعا كان من السهل خروج هذا النوع من الوزراء مع أى تعديل . ثم جاء التعديل الأخير وهو يحمل درجة واقعية ودرجة حالمة ، فبعد أن تقبل المجتمع ركلة تخفيض العملة حلما بالتوازن، صار على هذا المجتمع أن يحلم بوزير تموين قادر على إعادة تنظيم امر وصول الوجبات الثلاث لعموم المصريين حسب مستويات دخل اى منهم ، وعلى ذلك سيدخل على مصيلحى عش دبابير استنزاف المواطنين بجنون الأسعار ، وهو كمهندس خريج القوات المسلحة يملك جدارة عدم خداع النفس وعدم التراخى ، وارجو ان يعيد تنظيم اركان وزارته لينقيها من دبابير الاستنزاف لحساب اتحاد مستنزفى دم المصريين بالمضاربة وتوحش أخلاقيات السوق . وطبعا قلبى مع طارق شوقى الحالم العالم الموكلة اليه مهمة إنقاذ مستقبل هذا الوطن من التشرذم التعليمى القائم ؛ وهى مهمة تكاد تصل أهميتها الى مستوى تحرير الأرض ؛ فاحتلال العقول قد جرى على قدم وساق سواء بالتأسلم المزيف او بالتغريب الذى ينزع أجيالا من واقعها بتعليم يدعى أنه أجنبى ولكنه مجرد مورد للعقول الكبيرة لحساب مجتمعات أخرى ، أما التعليم العام فعندما يتيقن الأهل أن المدرسة محكومة من قبل الحكومة لن يوجد ما يسمى بمراكز الدروس الخصوصية ، وعندما يعلمون أن ضمير المدرس صار موزونا بميزان الكرامة لا الطمع سيقدمون العون والتعاون لهذا العقل الكبير الذى تقع عليه مسئولية بناء جسور الاحترام لما أسسه طه حسين واسماعيل القبانى و أحمد نجيب هاشم ، فخبرة هؤلاء الثلاثة على وجه التحديد قادرة على معاونة طارق شوقى فى مهمته لإنقاذ التعليم من الترهل المتوحش الذى يعانى منه . درست التاريخ بموضوعية علمية كبيرة،. ويظل هذا حلمى الأساسى عند حلمى النمنم وزيز الثقافة ثقة فى ان بقية الجسد الثقافى تمكنه مواصلة اليقظة كما هو حال دار الأوبرا بقيادة إيناس عبد الدايم . ولن أتحدث عن ضرورة الدعوة لمؤتمر يعيد صياغة اكاديمية الفنون بما يليق بالعصر ؛ فهذه المؤسسة الشاسعة الأرجاء هى المسئولة عن تخريج اجيال من صناع الثقافة .. و.. .. سعة المجال الثقافى يليق بحلمى النمنم أن يبعث الحيوية فيه بما يملكه من طاقة كبيرة قادرة على هزيمة التخلف حتى وان بدا صراخ التخلف عاليا فى بعض الأحيان.

أما وزير التنمية المحلية هشام الشريف رجل العلم التطبيقى فهو من أسس مركز معلومات مجلس الوزراء ، فعليه الآن أن يواجه أخطبوط فساد أدعو الله له أن يوفقه فى تشذيب أنيابه ومخالبه التى توحشت عبر اربعين عاما. ولقد تحدثت عن وزارات افهم فى بعض من تفاصيلها او اعانى من بعض ما ينقصها . ومازل حلمى فى نسيج وزارى يصنع يقظة اجتماعية قادرة على توفير مستقبل مقبول لعموم المصريين وعلينا أن نؤازر القادر منهم لنقهر تخلفنا ونهزم منطق أسطورة القرود التى تقدمت فى تلك السطور .

لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: