رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

سرقة حذاء «الإمام».. !

كانت الشائعات التى تواترت قبل أيام، عن سرقة أحذية بعض المرافقين لوزير الأوقاف، الدكتور محمد مختار جمعة، خلال افتتاحه المسجد الكبير، بقرية «سلمنت»، مركز بلبيس شرقية، غريبة ومثيرة للدهشة، ليس لأن سرقة النعال جديدة على الواقع المصرى أو العربي، لكن لأن التجرؤ على موكب رجل دين بهذا القدر وتلك الهيبة، فتح بابًا للتساؤلات لن ينغلق.



والثابت عندنا حتى ساعة تاريخه، هو أن ثمّة تضاربًا فى الروايات، إذ أكدت بعض المصادر، أن إعلاميين ونواب برلمان ممن رافقوا الوزير فى جولته، قد سرقت نعالهم بالفعل، لكن مصادر أخرى شددت على أن الأمر لم يكن سرقة بالمعنى المعروف، بل كان مجرد اختفاء وقتى ناتج عن الزحام الشديد، واختلاط الأحذية بعضها ببعض، إذ لا يمكن الجَزم بأن «الجِزم» قد سُرقت، لكن الأمر الذى أجمع عليه المراقبون، أن من تلك الأحذية ما كان من الجلد الطبيعي، وأخرى كانت من «البلاستيك».

على أى حال، فإن التراث الشعبى العربى يعج بمثل تلك الشائعات والنوادر، لعل أبرزها ما جاء فى الأثر عن تعرض نعلى الخليفة العادل، عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، للسرقة فى المسجد، وهى الرواية التى تشكك فيها الكثيرون، وقالوا: بل إن الذى تعرض للسرقة هو الصحابى عبد الله بن مسعود.. وأن الذى تمت سرقته لم يكن حذاءه، بل نقودًا وضعها فى عمامته بالسوق، وأيضًا لم تثبت صحة هذه الرواية، ونظر إليها الثقاة على أنها مجرد تخاريف « فيسبوكية»، وراءها صبية لا يدركون ما يقولون.

قضية سرقة النعال من المساجد، مع ذلك، تثير العديد من علامات الاستفهام، التى يجب أن يتوقف عندها علماء الاجتماع عندنا والسياسة وعلوم النفس، ومنها على سبيل المثال: ما الذى يمكن أن يدفع تافهًا من التافهين- وما أكثرهم- إلى مد يده على- لا مؤاخذة- جزمة؟ وهل رأى هذا السارق العبيط أن أحذية هؤلاء القادمين من البندر، يمكن أن تختلف عن أحذيتهم هم فى العزب الصغيرة والنجوع والكفور النائية؟ إن المسروق – طلع أم نزل- سيظل فى كل الحالات «جزمة».. فبكم ستكون الجزمة يعنى؟

آآآآآه.. هنا سيصرخ فى وجهك المتفلسفون، مُدّعو الفهم فى كل شىء، خاصة أمور الاقتصاد، بأن تعويم الجنيه أدى إلى ارتفاع أسعار الأحذية إلى عنان السماء، وأن الجِزم- نظرًا لأنها ليست سلعة مدعومة- فإن أسعار«الجوز» منها يتجاوز الآن الثلاثمائة جنيه، ومنها ما تخطى الألف. وحتمًا فإن هذا السارق همس له شيطانه « يا واد دول ولاد البندر.. والجزم عندهم بالشىء الفُلاني».

مسألة أخرى، يجب التوقف عندها، ألا وهى تغير النظرة إلى المسجد فى الفترة الأخيرة، وبعد أن كان مكانًا آمنًا، نلجأ إليه للتطهر والتوبة وصفاء النفس والسريرة، إذا به يصبح مكانًا يمكن أن تمتد فيه الأيدى العابثة إلى أحذيتنا، وهو ما يستدعى من القائمين على الدعوة تركيز جهودهم على إعادة الهيبة والمكانة لبيوت العبادة، ودون شك، فإن افتتاح المساجد الجديدة فى كل يوم يؤشر على ما تحتله المساجد فى نفوسنا من مكانة عظيمة، ومن ثم لا يجب التهويل فى حادثة بلبيس، وإن كان التهوين غير مستحب كذلك.

أيضًا سيكون من الضرورى، مراجعة علاقة المساجد بالتكنولوجيا الحديثة، وليس المقصود هنا ما يتداوله هواة الفيسبوك ومواقع التواصل عن الخطب الموحدة، أو غزو المتطرفين لعقول البسطاء بداخلها، بل إمكانية الاستعانة بالكاميرات الحديثة لمراقبة الداخلين والخارجين، حفاظًا على حرمة المساجد وأمن المصلين بها.

وطبعًا سينفجر هنا سؤال منطقى يقول: ومن يا ترى الذى سيمول تكلفة تلك الكاميرات، إذا كانت الوزارة أصلًا تعانى من دفع رواتب الدعاة والأئمة وفواتير كهرباء المساجد، خاصة أن «التكييف» بات من متطلبات المساجد الأساسية، مع اشتداد ظاهرة الاحتباس المناخى، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة؟

هنا سيكون من الضرورى الاستعانة بالمجهودات الذاتية للميسورين، بحيث تصبح الكاميرا جزءًا لا يتجزأ من بنية المسجد، فليس المسجد بأقل شأنًا من بقية أبنية ومؤسسات الدولة الأخرى، بل هو الأهم بالتأكيد، وقد يكون فى ذلك مناسبة لتشغيل أيد عاملة إضافية، وهو ما نحتاج إليه نظرًا لأزمة البطالة الطاحنة التى يعانيها شبابنا هذه الأيام.

وعلاوة على هذا، فإن حادثة بلبيس تطرح بالتأكيد، قضية الحلال والحرام عند المصريين الآن، حيث إن هذا الذى مد يده على أحذية المصلين قادر على سرقة ما هو أكبر، وبالتالى يكون السؤال: ولماذا لم تنجح مساجدنا المنتشرة فى كل حدب وصوب فى ردع هؤلاء المستهينين بحرمات بيوت الله، إلا إذا كان فى المسألة جانب آخر، يتعلق بمستويات المعيشة، وارتفاع حدة الغلاء، وضيق ذات اليد، ما يجعل مهمة المسجد أشد وأقسى.. إذ كيف ستقنع جائعا بأن يكف يده.. حتى لو كان المسروق نعلًا من النعال؟

والمعنى المقصود هنا، هو أن أئمتنا الأفاضل، لن يكون على عاتقهم فقط الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وتعليم البسطاء أمور عباداتهم، وأصول الشرع الحنيف، بل سوف تمتد مهمتهم إلى تعليم الناس كيفية الصبر والاحتمال، وتذكيرهم بأن المؤمن قد يتعرض للفقر والعوز أحيانًا، كابتلاء من الله عز وجل له، وأن الفقر والغنى هما أمران بيد المولى سبحانه، يُقدرهما كيف شاء، وللعلم، فقد كانت تلك من أهم وظائف المساجد فى كل التاريخ الإسلامي، أى تعويد الناس على التكيف مع واقعهم إلى أن يقيض الله لمسئولينا الوصول إلى حلول لأزماتنا الاقتصادية، وعساه يكون قريبًا

على أى حال، يجب ألا تمر علينا حادثة مسجد بلبيس مرور الكرام، فقد يكون فيها ما يستحق التوقف أمامه طويلًا.

لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: