رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نحاكم الثورة.. أى نحاكم أنفسنا!

من حقنا ونحن فى الذكرى السادسة لثورة يناير المجيدة أن نسألها عن الذى تحقق من شعاراتها والذى لم يتحقق، لنعرف أسباب النجاح فنؤكدها ونقويها، وأسباب القصور فنعالجها.. لكن علينا أن نعترف قبل كل شىء بأن ثورة يناير كانت معجزة لا سابقة لها.



لقد تفجرت مرة واحدة وفاضت فى الوادى طولا وعرضا دون إشارات أو إرهاصات تبشر بها و تدل عليها

سبقتها بالطبع انتقادات للنظام وردود فعل معارضة لسياساته، لكن ردود الفعل هذه كانت محصورة فى جماعات محدودة وفى أسماء قليلة ولم تكن تشير أو توحى بأننا فى الطريق إلى تغيير جذرى أو ثورة عارمة. فالنظام يبدو متماسكا، وأجهزة أمنه يقظة، والدول العربية والقوى الكبرى تسانده فى الوقت الذى كانت فيه الجماهير الشعبية معزولة متفرقة لا تؤلف بينها عقيدة سياسية، ولا يجمعها تنظيم، ولا يقف بجانبها إعلام حر مسئول. بل كانت هذه الجماهير هدفا للكذب المسلط عليها من ناحيتين: النظام الذى يقمعها، وجماعات الإسلام السياسى التى زيفت النشاط السياسى، حين رفعت شعارها الخادع «الإسلام هو الحل» وقدمت له ترجمتين مختلفتين لكنهما متكاملتان: الترجمة الأولى هى الإرهاب الذى سلطته على المثقفين وعلى المسيحيين المصريين وعلى الزوار الأجانب. والترجمة الأخرى هى تديين الحياة المصرية بكل صورها.. وفى هذه الترجمة الأخيرة تحالف النظام ومؤسساته الدينية مع جماعات الإسلام السياسى واشترك معها فى حركة التديين التى شملت كل شىء وفرضت على كل نشاط.

النظام استخدم الدين فى إبعاد الناس عن السياسة. وجماعات الإسلام السياسى استخدمته بالعكس فجعلته طريقا لتديين الدولة وانتزاع السلطة، وبهذا كانت تجتذب المتعاطفين وتوسع قاعدة المنضوين الذين أصبحوا يعدون بمئات الآلاف. فإذا أضفنا إلى هذا الطغيان المتعدد الوجوه ما توالى علينا فى العقود الستة الماضية من نكبات وما ورثناه وتلقيناه من قبل على أيدى الطغاة والغزاة، فهمنا كيف كانت الثورة بعيدة ولم تكن احتمالا واردا أو متوقعا. ولهذا قلت إنها كانت معجزة!

أعنى بكلمة «المعجزة» أن المناخ الذى تحققت فيه الثورة لم يكن مساعدا وإنما كان على العكس مثبطا. فإذا كانت الثورة مع هذا قد تحققت بالصورة المذهلة التى رأيناها، فالتفسير لا يطلب فقط فى الظروف الصعبة التى كان يعيش فيها المصريون عندما ثاروا، وإنما يطلب فى الطاقة الروحية الهائلة المختزنة التى يتمتع بها المصريون واستطاعوا بها أن يتحملوا ما توالى عليهم من نكبات كان من الممكن أن تدمر وجودهم تدميرا.. لكنهم تشبثوا بالحياة وقاوموا الموت وقطعوا هذه العصور المظلمة التى دهمتهم وواجهوا والكوارث المتوالية التى حلت بهم حتى وصلوا إلى هذا العصر الحديث منهكين يخطون خطوة ويتراجعون ثم يحاولون من جديد ليستعيدوا ما فقدوه ويحققوا ما لابد من تحقيقه ليتمتعوا بما يتمتع به غيرهم من الحرية والعدالة والحياة الكريمة، ومن هنا تفجرت ثورتهم الأخيرة على هذا النحو الفريد الذى أذهل العالم وذكره بتاريخ مصر يلتمس فيه التفسير، وربط بين حاضر المصريين وماضيهم، ويستحضر هذه الروح التى بنت الحضارة وفجرت الثورة.

الثورة لم يكن وراءها مذهب سياسى تهتدى به، ولم يفجرها حزب، ولم تتزعمها طبقة أو نخبة، وإنما قام بها المصريون جميعا قومة رجل واحد كأنما كان ذلك باتفاق باطنى لم يشعر به أحد ولم يشعروا هم أنفسهم به، إلا فى اللحظة التى خرجت فيها الثورة من السر إلى العلن أو من الروح إلى البدن!

الثورات الأوروبية كانت وراءها عصور أدت إليها، وفلسفات بشرت بها، وطبقات وأحزاب تبنتها وقادت الجماهير فيها.

الديمقراطية الإنجليزية، بدأت بثورة النبلاء على الملك فى القرن الثالث عشر حتى انخرطت فيها الطبقة الوسطى فى القرن السابع عشر وبعدها العمال والنساء فى القرنين الأخيرين. والثورة الفرنسية بدأت باجتماع عقده مجلس طبقات الأمة وظلت تتطور وتنتقل من الاحتجاج السلمى إلى العنف الدموى، ومن الملكية إلى الجمهورية، ومن الجمهورية إلى الإمبراطورية، ثم العودة من جديد للملكية، ثم الثورة من جديد على الملكية واستعادة الجمهورية. لكنها انتصرت فى النهاية وحققت كل أهدافها. والثورة الروسية كذلك, والثورة الصينية.. فإذا كانت هذه الثورات التى توافرت لها هذه الأسباب ومهدت لها هذه المقدمات وجعلتها نتيجة منطقية لكل ما سبقها ـ إذا كانت هذه الثورات قد احتاجت هذا الوقت وصادفت هذه العقبات وخاضت هذه التجارب القاسية لتحقيق أهدافها، فثورة يناير لا تزال ماضية فى طريقها لم تكمله حتى الآن، لأسباب علينا أن نعرفها ونتغلب عليها. وإلا فكيف تنتصر الثورة؟ وكيف تحقق أهدافها وحدها ونحن نتفرج عليها ونحاكمها على ما لم تحققه ونتجاهل ما حققته؟!

ونحن نعرف أن ثورة يناير لم تحقق من أهدافها إلا القليل، لكن الوعى الذى أيقظته والقيم التى تبنتها والآمال التى أحيتها فى النفوس حقائق ماثلة حية لا يحق لأحد أن يتجاهلها أو ينساها، بل علينا جميعا أن نستحضرها ونحولها إلى برامج وخطط نجسدها فى أحزاب ومؤسسات تناضل من أجلها حتى نصل فى النهاية إلى ما لابد أن نصل إليه.. الدولة الوطنية لا الدولة الدينية ولا الدولة الهجين.. والديمقراطية نصا ومعنى، فكرا وممارسة.. والمواطنة.. وحقوق الإنسان.. والاحتكام للعقل والعلم فى أمور الدنيا كلها.. وبهذا تتحقق ثورة يناير. فإذا لم تتحقق هذه الأهداف فنحن المسئولون.. وعلينا أن نحاكم أنفسنا!

لمزيد من مقالات أحمد عبد المعطى حجازى

رابط دائم: