رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فى مواجهة التطرف.. أفكار للمناقشة

تعرض مقال الأسبوع الماضى إلى أهمية أن تتسق المواقف الدولية فى مواجهة الإرهاب (أو العنف المادي)، أما مقال اليوم فإنه يناقش بعض الأفكار التى طُرحت فى مؤتمر الإسكندرية حول سُبل المواجهة الداخلية لظاهرة التطرف (أو العنف الفكري)، خاصة أن بعض تلك الأفكار له طبيعة عملية تبتعد عن التجريد وتقترب من المنهج العلمى فى التعامل مع الظواهر. لفت نظرى على سبيل المثال ما أشار إليه الشيخ أحمد تركي- مدير إدارة التدريب بوزارة الأوقاف- فى جلسة «تجديد الخطاب الديني» من أنه فى عام 2014 كان ثمة مشروع مشترك بين كل من وزارة الأوقاف ووزارة الشباب عنوانه «بالعقل كده»، وكان هذا المشروع يقوم على دعوة الشباب إلى أن يحددوا القضايا التى يريدون من الخطاب الدينى أن يتناولها بدلا من القضايا التى يدور فى فلكها هذا الخطاب والتى لا تعنيهم أو تلبى احتياجاتهم بالضرورة. ولقد بلغ عدد الشباب المستهدف بالمشروع - وفقا لما ذكره الشيخ تركى - عشرة آلاف شاب و خرج بقائمة من الموضوعات التى يريد هؤلاء الشباب أن يستمعوا إلى من يحدثهم فيها، ولو كنتُ فى موقع صنع قرار بهذا الشأن لصممتُ أچندة عمل مستوحاة من تلك الموضوعات وجعلتها بوصلة الخطاب الدينى لمدة عام أو اثنين، ثم لقُمْت بعد ذلك بقياس أثر هذا الخطاب الدينى العقلانى على سلوك الشباب الذى استمع إليه وما إذا كان قد حدث تغير فى سلوكهم أم لا وفِى أى اتجاه، وأتصورأن مستجدات العصر والثورة الاتصالية تفتح آفاقا واسعة لموضوعات كلها جديدة وكثير منها يهم الشباب. لكن عندما سألتُ الشيخ تركى عن مآل هذا المشروع رد بالقول ـ تمت عرقلته ـ ولم يُزد وهذا خطير، ليس فقط لأن معنى ذلك أن المال والجهد الذى أُنفق على اللقاءات التى تمت فى إطار المشروع قد ذهبا دون طائل، لكن لأن معناه أيضا أن هناك من يصر على أن يدور الخطاب الدينى فى فلك الموضوعات التقليدية التى لا تجذب المتلقى ما يدفعه للبحث عن خطاب آخر فى إطار آخر، فهل من فرصة للاستفادة من الحصيلة المعلوماتية لهذا المشروع؟ أتمنى ذلك.

وحمل إلينا الشيخ عمرو الورداني- أمين الفتوى ومدير التدريب بدار الإفتاء-حزمة من الاقتراحات لمواجهة التطرف الدينى قبل أن أناقشها يهمنى القول إن هذا الشيخ قدم نموذجا لرجل الدين الذى يتكلم لغة العصر ويطوع المناهج الغربية لتحليل خطابات التطرف وتسجيل نقاط ضعفها وقوتها، ومثل هذه اللغة هى القادرة على اجتذاب الشباب وقد رأيت بنفسى شابا وشابة من لبنان ذهبا لمصافحة المتحدث بعد الجلسة قائلين «لقد أضيف إلى قائمة أصدقائك صديقان». طالب الشيخ الوردانى بمرصد ضخم للخطاب الديني، وتلك فكرة ممتازة لأنها تسمح بمتابعة دقيقة للخطاب الدينى فى عمومه من حيث مفرداته وقضاياه ودرجة الاستمرار والتغير فيه، لكنها فكرة جريئة لأن من المؤكد أن الهدف من عمل المرصد ليس الرياضة الذهنية بل التنبيه إلى نقاط القوة والضعف فى الخطاب الدينى ومن ثم الاشتغال عليها، لكن كل الشواهد تفيد أن تقبُّل الخطاب الدينى الرسمى للنقد ليس كبيرا. ومن هنا فإننى أختلف مع ما ذكره الشيخ الوردانى من أن إرادة تجديد الخطاب الدينى لا تفيد ما لم توجد إدارة للخطاب الديني، فالواقع أنه دون توافر الإرادة فإن الإدارة الجيدة للخطاب الدينى لن تثمر شيئا.

كذلك فإن من الأفكار التى طرحها المتحدث وتحتاج إلى الاهتمام بها إشارته إلى ضرورة «استعادة القوى الصلبة للساحة الدينية» وأشار هنا تحديدا إلى الصوفية تمع حرصه على ربطها «بالبعد عن الشطحات»، وفِى الواقع فإن الطرق الصوفية بما تحمله من قيم التسامح والزهد والتواضع وبما تمتلكه من قدرة ضخمة على تعبئة الأنصار والمريدين لا ينبغى أن تُترك هدفا لحملات التكفير والتشويه تطوال الوقت من جانب تيارات التشدد، فحضورها النشط على الساحة الإسلامية يَصُب فى مجرى اعتدال الخطاب الديني، كما أن إزالة اللبس القائم فى أذهان الكثير من البسطاء حول تصحة عقيدتها أمر ضرورى لتكريس القبول بالتعدد والانفتاح على الاختلاف فى إطار الدين الواحد والأديان المختلفة.

تبقى الإشارة إلى نقطتين وردتا بطرق مختلفة فى حديث الشيخين تركى والورداني، الأولى هى وعيهما التام بأن إجادة جماعات التطرف التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى تضمن لخطابها الدينى أوسع انتشار ممكن، وهنا يكون السؤال ولماذا لا يطور الخطاب الدينى الرسمى من وسائل تفاعله مع متلقيه بالمثل؟ إن تكلفة الاستثمار فى هكذا وسائل تمهما تبلغ فإنها يقينا تقل عن تكلفة تخريب عقول الشباب بأفكار العنف تحت مسمى الجهاد. والثانية هى إشارتهما لمسألة التكامل تسواء بين عمل الوزارات المختلفة كالأوقاف والتعليم والثقافة كما ورد فى كلام الشيخ تركي، أو بين مجالات الخطاب الدينى المختلفة بالجمع بين علوم الدين وعلوم الحضارة كما ورد فى كلام الشيخ الورداني، وهذا مطلب مفهوم ومقدر لأن مواجهة التطرف الدينى قضية عابرة للمؤسسات وللتخصصات كما أن من المفترض أن تحكمها رؤية استراتيجية متكاملة، لكن أتصور أن ذلك التكامل لابد أن يسبقه التنسيق بين مواقف المؤسسات الدينية الرسمية نفسها (أوبين مؤسسة الأزهر وأذرعها المختلفة كما قيل)، ولنا فى الخلاف حول الموقف من الخطبة المكتوبة بين كل من مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف ما ينبه إلى وجوب البدء بمثل هذا التنسيق بين الرؤى والسياسات.


لمزيد من مقالات د.نيفين مسعد;

رابط دائم: