رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مأسسة الشراكات الإقليمية

أثار افتتاح حلف شمال الأطلسي «الناتو» مركزاً إقليمياً فى دولة الكويت فى الرابع والعشرين من يناير2017 الكثير من التساؤلات حول مضمون تلك الخطوة وتأثيرها ليس فقط بالنسبة لأمن منطقة الخليج العربي، بل والأمن الإقليمى عموماً؟ خاصة أنها تزامنت مع حالة الضبابية السائدة بشأن رؤية الولايات المتحدة للحلف فى ظل حقبة الرئيس ترامب، حيث تسهم الولايات المتحدة فى ميزانية الحلف بأكثر من الثلثين.

واقع الأمر أن علاقة حلف الناتو بالكويت ودول الخليج ليست بالأمر الجديد، حيث انضمت أربع دول خليجية، وهى الكويت والإمارات والبحرين وقطر لمبادرة اسطنبول التى أعلنها الحلف عام 2004 وتتضمن التعاون بين الجانبين فى العديد من المجالات الدفاعية والأمنية، وقد توجت تلك العلاقة بافتتاح بعض أعضاء المبادرة سفارات لها فى مقر الحلف ببروكسيل، ووفقاً لبيان جهاز الأمن الوطنى بالكويت والذى سيكون منوطاً به إدارة المركز الإقليمى للناتو، يستهدف ذلك المركز الاستفادة من خبرات الحلف فى المجالات العلمية والتدريبية خاصة فى الأمن الإلكترونى وإدارة الأزمات وأمن الطاقة والتخطيط لحالات الطوارئ المدنية وتسهيل برامج الشراكة الفردية للكويت.

ومع أهمية تلك البرامج فإنها تعكس دلالات ثلاث أولها: على الرغم من أن الحلف منظمة دفاعية بالأساس وفقاً للميثاق المنشئ له عام 1949حيث استهدف تقديم «الأمن الصلب» فإن للحلف خبرة فى مجال «الأمن الناعم» فى الوقت نفسه بالنظر إلى ما يمتلكه من خبرات فى المجالات المشار إليها وخاصة مسألة إدارة الأزمات وربما تكون مفيدة فى ظل حالة التأزيم المزمنة التى يشهدها الأمن الإقليمى عموماً، وثانيها:مع أن الحلف لديه مؤسسات تعليمية عسكرية عريقة فإن تأسيس آلية إقليمية للحلف فى مناطق الشراكات أمر مهم لجهة وضع التحديات الأمنية المشتركة على طاولة النقاش المستمر لتتجاوز مرحلة التوصيف إلى استيضاح ما يمكن أن يقدمه الحلف من مساهمات أمنية فى ظل انتهاء الحدود الفاصلة بين ما يمكن اعتباره تهديداً إقليمياً أو عالمياً، وثالثها: تأتى تلك الخطوة ضمن تنامى اهتمام الحلف ليس فقط بأمن الخليج العربى بل وبالأمن الإقليمى عموماً فى ظل إثارة التساؤلات لدى شركاء الحلف سواء فى مبادرة اسطنبول 2004 أو الحوار المتوسطي1994 بشأن مدى استجابة الحلف للتهديدات التى تواجه هؤلاء الشركاء منذ عام 2011 وحتى الآن وفى مقدمتها الإرهاب، أخذاً فى الاعتبار أن الحلف انضم إلى التحالف الدولى ضد داعش من خلال إرسال طائرات أواكس والمساعدة فى ضمان الاتصالات اللاسلكية.

ومع التسليم بأن افتتاح ذلك المقر هو جزء من تطور العلاقة بين الكويت وحلف الناتو ابتداءً بالانضمام لمبادرة اسطنبول ومروراً بتسمية سفير للكويت لدى الحلف وانتهاءً بتوقيع اتفاقية العبور فى فبراير2016 التى سوف تتيح لقوات الحلف العبور عبر الكويت، فإن ثمة تساؤلات مهمة تطرح بشأن دور حلف الناتو تجاه أمن دول الخليج عموماً والتى وصفها الأمين للناتو بأنها شركاء ذوو قيمة عالية للحلف منها: هل يمكن للحلف تقديم مساعدات أمنية عاجلة لإحدى الدول الخليجية حال تعرضها للإرهاب الإلكترونى على غرار حالة استونيا عام 2007؟ وما هى إمكانية دعم الحلف للقدرات العسكرية لدول الخليج، خاصة فى ظل سعيها لتنفيذ مقترح الاتحاد الخليجى والذى يعد متطلباً أساسياً لتحقيق توازن القوى الإقليمي؟ ما مدى تأثير الرؤية الأمريكية الجديدة للحلف على مسار شراكات الحلف؟ وبغض النظر عن وجود إجابات مؤكدة عن تلك التساؤلات من عدمه، فى تقديرى أن نوع الأمن الذى سوف يقدمه الحلف سيظل مرتهناً بأمرين الأول:صيغة مبادرة اسطنبول ذاتها والتى ترتكز على صيغة (28+1) بمعنى أنها ليست مبادرة للدول الخليجية كتكتل واحد، وإنما كل دولة يمكنها الاستفادة مما يقدمه الحلف بشكل فردي، والثاني: المادة الخامسة من ميثاق الحلف والتى تحدد تدخل الحلف عسكرياً بتعرض إحدى دوله للاعتداء وقد تم تفعيل تلك المادة مرة واحدة فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر2001 .

وتأسيسا على ما سبق أتصور أنه لا تزال هناك معوقات فى سبيل تطور الشراكة الخليجية-الأطلسية أولها: اقتصار مبادرة استانبول على أربع دول خليجية وبقاء كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان خارج إطار تلك المبادرة اللتين تمثلان 70 بالمائة من النفقات الدفاعية لدول الخليج ـ ولهما مبرراتهما، لذلك ـ إلا أن الصيغة الحالية تعنى عدم صياغة إطار جماعى لتلك الشراكة بما يعظم من فائدتها ويعزز الموقف التفاوضى لدول الخليج، وثانيها: هيكل مبادرة اسطنبول ذاته والذى ينهض على أساس الكل مقابل واحد، وفى حال عدم قدرة الحلف إلى تعديل تلك الصيغة فإنه يمكن إطلاق حوار سياسى بالتوازى مع تلك المبادرة على غرار حوار مجلس التعاون مع التكتلات العالمية الأخري، وثالثها: دول الخليج محاطة بإطار من الأزمات المزمنة، ما يثير التساؤلات حول مدى وجود رؤية إستراتيجية شاملة لدى الحلف للتعامل مع تلك الأزمات والتى تمثل تهديداً لأمن دول الخليج ليس أقلها استنزاف قدراتها الدفاعية والأمنية، بل والأهم أين تلتقى أو تتقاطع تلك الرؤية مع رؤى الدول الخليجية أعضاء مبادرة اسطنبول؟

تلك التساؤلات وغيرها ـ كانت وستظل - تستقطب اهتمام المعنيين بالحلف ليس فقط لتطور شراكات الحلف بل لكونه منظمة لم تحظ بالدراسة العلمية الرصينة بشكل موضوعى بعيداً عن الصورة الذهنية النمطية التى سادت عن الأحلاف إبان الحرب الباردة.


لمزيد من مقالات د.أشرف محمد كشك;

رابط دائم: