رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بابلو نيرودا «1904 - 1973»

أصعب أنواع الكتابة هى تلك التى تتناول شخصيات ذات عوالم متعددة، من نوع بابلو نيرودا. فهو شاعر كبير ملأ الدنيا وشغل النقاد والناس جميعاً. هو سياسى ومناضل ثورى بالمعنى الرومانسى القديم. وهو شيوعى ملتزم بمرجعية ماركس من دون أدنى تردد وانزياح. وبهذه الصفات جميعها كبر وكبرت شخصيته، وصار نموذجاً مميزاً للمثقف الملتزم فى عصره، الملتزم على طريقته بقضايا شعبه وبقضايا الإنسان فى كل مكان. وحمل معه هذا الالتزام، بمعانيه المتعددة، فى تجواله الذى لم يتوقف فى جهات العالم الأربع، شرقأً وغرباً، شمالاً وجنوباً. وتحول، بعد وفاته، عقب الانقلاب الفاشى الذى أطاح بحكومة الرئيس الندى الاشتراكية فى تشيلي، إلى أيقونة الثوريين فى العالم. وانتشرت أشعاره فى جميع جهات العالم فى لغات شعوبه المتعددة. وانتشرت الكتب والكتابات حوله تتحدث عنه كأسطورة فى تاريخ أمريكا اللاتينية، التى كانت قد بدأت تحاول التحرر من نير علاقات التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية ومخابراتها التى كانت تفرخ بصورة متواصلة «جمهوريات موز» . وهى كانت ديكتاتوريات تأتى بانقلابات عسكرية، كانت تعززها وتقودها المخابرات المركزية الأمريكية لمصلحة شركات الموز وتوابعها وأتباعها، ولمصلحة السياسة الأمريكية الساعية دائماً إلى الهيمنة على العالم بكل الوسائل. لقد أتيحت لى فرصة نادرة فى مطلع شبابى للتعرف إلى نيرودا شخصياً عن كثب. كان ذلك فى منتصف ستينيات القرن الماضي. وكانت المناسبات التى أتاحت لى تلك الفرصة الثمينة هى بعض اجتماعات ومؤتمرات حركة السلم العالمية التى كنت عضواً فى هيئتها القيادية اليومية ممثلاً لحركات السلم فى العالم العربي. وكان مقر تلك القيادة فى فيينا. كان نيرودا فى تلك الاجتماعات والمؤتمرات واحداً من بين كبار رموز تلك الحقبة فى الثقافة وفى الفكر وفى السياسة فى العالم. وكان من مؤسسى تلك الحركة فى المؤتمر الذى عقد فى باريس فى عام 1949 برئاسة العالم الذرى الفرنسى جوليو كوري.

وإذا كان القارئ لا يعرف أن اسم بابلو نيرودا ليس هو الاسم الحقيقى لشاعرنا، فإننا نذكره بأن الاسم الحقيقى للشاعر هو ريكاردو اليسيرنيفتالى ريس بابوالتو. وقد غيَّر اسمه عندما كان فى السادسة عشرة من عمره وصار يكتب باسمه الجديد بابلو نيرودا، الذى صار اسمه الحقيقى فى دائرة النفوس بعد أن تقدم بطلب تغيير اسمه.

ولد نيرودا فى عام 1904. وبعد ولادته بشهر واحد توفيت والدته، فرعته زوجة أبيه. وجاءت الولادة فى منطقة يصفها فى الأسطر الأولى من كتابه على النحو التالي: «... تحت حمم البراكين، إزاء القمم الثلجية العاصفة، بين البحيرات الكبيرة، الغابة التشيلية المتشابكة الساكنة. من لا يعرف الغابة التشيلية فهو لم يطأ هذا الكوكب الأرضي... من تلك الأراضي، من ذلك الطين، من ذلك السكون، خرجت أنا لأسير، لأغنى عبر الكون...».

ولأن الحياة كانت قاسية بالنسبة لصغار المزارعين فى تلك المنطقة وسط البلاد، فقد هاجر والده وهو شاب صغير ليعمل فى أحد السدود، ثم ليصبح فيما بعد عاملاً فى السكك الحديدية. فى عام 1910 دخل بابلو المدرسة. ومنذ بدايات شبابه كان ينمو مع جسمه وعقله اهتمامه بالكتب وبالنساء معاً. ويروى قصة أول حب جاء إليه بالصدفة. إذ كان زميل له قد كلفه بكتابة رسائل إلى حبيبته. وحين عرفت الفتاة المعنية أنه هو الذى كان يكتب لها الرسائل وقعت فى غرامه، واستبدلت به صاحب الرسائل التى لم يكن هو محررها. وكان نيرودا فى مطلع شبابه فى السادسة عشرة قد بدأ يكتب الشعر. لكن زملاءه فى المدرسة لم يكونوا يعرفون أنه شاعر، وكانوا غير قادرين على التصديق بأنه شاعر. لكنه يقول إن مصدر الإلهام عنده فى الشعر كان منذ البدايات الطبيعية والحب.

يتحدث نيرودا فى كتابه عن قصيدته الأولى فيقول: زلقد سئلت مرات عديدة: متى كتبت أولى قصائدي، ومتى ولد فيّ الشعر. سأحاول أن أتذكر. فى طفولتي، فى بداية تعلمى الكتابة، شعرت ذات مرة بعالم عارم يغمرني، فسطرت بضع كلمات شبه مسجوعة، عجبت لها ومنها. فقد كانت مختلفة متميزة عن الحديث اليومى والكلمات الأليفة. أعدت نسخها فى خط أنيق، بعد أن شذبتها. كنت حينذاك أسير جو عميق، سجيناً لشعور ما كنت أشعر به من قبل. شعور مستيطن غير مسبور. نوع من الكآبة والأسى. كانت قصيدة موجهة إلى أمي، أى إلى المرأة التى كنت أدعوها أمي، إلى خالتى زوجة أبى الملائكية، التى حمى ظلها الخفيف اللطيف طفولتى كلها». واجهته ، وهو فى السادسة عشرة من عمره فى مدينة تمونكو التى كان قد انتقل إليها مع والده وبدأ فيها دراسته الابتدائية، حادثة قاسية تركت تأثيرها على حياته. إذ هاجم أفراد من منظمة الشبيبة الذهبية التابعة لسلطات المنطقة مقر اتحاد الطلبة وحطموه. وكانت العدالة فى خدمة الأغنياء، كما يقول. إذ سجن المعتدى عليهم بدل المعتدين. وقضى أحد الشباب المعتقلين نحبه فى المعتقل تحت التعذيب. انتقل فى عام 1921 إلى سنتياغو ليلتحق بالجامعة. وفى عام 1923 نشر أول دواوينه بعنوان زشفقياتس. وكان عليه لكى يصدر هذا الديوان أن يبيع جزءاً من أثاث منزله، وساعته، وأشياء ثمينة أخرى. إذ إن الناشر كان يطلب منه دفع تكاليف النشر كاملة. لكنه كان شديد الفرح إلى حد الجنون عندما رأى ديوانه منشوراً. وبدأت منذ ذلك التاريخ مسيرته الشعرية. وبدأ ينشر قصائده فى المجلات. وبدأ يصدر دواوينه الواحد تلو الآخر. وكان ديوانه «عشرون قصيدة حب» من أوائل دواوينه فى مرحلة الشباب. لكن ديوانه الأول كان «شفقيات» الذى صدر فى عام 1920.

غير أن نيرودا بدأ يتحول إلى مناضل مع جمهور زملائه الطلاب دفاعاً عن القضايا الشعبية العامة وعن قضايا العمال. وصار يشارك فى التظاهرات التى غالباً ما كانت تواجه بالقمع من قبل السلطات. وكان يناله نصيب من الضرب أسوة بزملائه. وكان يجمع ويوحد، فى شبابه الأول، بين تطور شخصية الشاعر فيه، وبين المناضل الثوري. وكان يقوده اهتمامه بالشعر وبالأدب عموماً إلى الحصول على جوائز أدبية فى أكثر من مناسبة. كما كان يقوده اهتمامه ذاك إلى تسلم ميداليات فى جمعيات أدبية, حتى وهو طالب. وكان يقوده نشاطه الأول، فى الوقت عينه، إلى رئاسة تحرير مجلات أدبية.

عيّن فى عام 1927 قنصلاً فخرياً فى «رانغون» عاصمة بورما. وتنقل فى مهمات دبلوماسية فى عدة بلدان. وابتداء من عام 1933 أصبح شاعراً كبيراً، بعد أن كان قد نشر عدة دواوين، وارتقى بشعره إلى مصاف كبار شعراء أمريكا اللاتينية. وبدأ بالتعرف فى تجواله إلى كبار الشعراء. وكان من أوائل من تعرف إليهم شاعر إسبانيا الكبير فيديريكو غارسيا لوركا، الذى صار صديقه ورفيقه الحميم.

فى عام 1932 انتقل نيرودا إلى برشلونه لتسلم منصبه قنصلاً فيها، ثم انتقل بعدها إلى مدريد بصفة قنصل عام فى إسبانيا. وفى عام 1936 بدأت الحرب الأهلية فى إسبانيا. وأصيب بفجيعة مقتل صديقه لوركا. عزل من منصبه خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وسافر إلى باريس، حيث أصدر مجلة تحمل اسم «شعراء العالم يدافعون عن الشعب الإسباني». وعاد فى العام ذاته إلى تشيلى ليؤسس ويرأس فور عودته زحلف مثقفى التشيلى دفاعاً عن الثقافةس ونشر ديوانه «إسبانيا فى القلب». ثم أسس فى العام التالى مجلة زفجر التشيليس.

فى عام 1945 انتخب نيرودا نائباً فى البرلمان بصفته شيوعياً، بعد أن كان قد أصبح عضواً فى الحزب الشيوعى فى ذلك العام بالذات. وخلال أعوام الأربعينيات سافر إلى أقطار أمريكا الجنوبية شاعراً يقرأ قصائده. وكتب قصائد جديدة، ونشر دواوين جديدة، وحصل على جوائز جديدة. وفى عام 1948 صدر حكم باعتقاله بعد عزله من النيابة، فهرب من التشيلى عبر الجبال وصولاً إلى باريس التى شارك فيها فى عام 1949 فى المؤتمر التأسيسى لمجلس السلم العالمي، كما أشرت إلى ذلك آنفاً.

فى عام 1971 رشحه الحزب الشيوعى لموقع رئيس الجمهورية. وبدأ نشاطه الانتخابي. وعندما قرر حزبه مع «الوحدة الشعبية» التى تمثل تحالف اليسار، ترشيح سلفادور الندى للرئاسة سحب نيرودا ترشيحه، ورافق الندى فى حملته الانتخابية خطيباً فى الجماهير. نجح الندى فى الانتخابات وأصبح أول رئيس اشتراكى فى التشيلي.

يحق لنيرودا أن يعترف بأنه عاش. ولقد عاش كما يعيش الكبار فى بلدانهم، مع شعوبهم، ومع قضاياها، من دون أن يفقد شخصيته، التى هى تعبير عن ذاته، ومن دون أن يفرض على شعره سوى ذاته، ومن دون أن يقيم حاجزاً بين شعره وبين أفكاره وبين ممارسته أفكاره فى النضال من أجل الحرية.


لمزيد من مقالات كريم مروَّة;

رابط دائم: