رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أيام تحتاج إلى الرعاية الحرجة

كانت صورة جمال عبد الناصر فوق حائط مكتبه وقد تحولت إلى ساعة تحدد الوقت, وأخذ يحدثنى الجليل شريف مختار عن مؤتمره الجديد فى طب الرعاية الحرجة ؛ ومدى كفاءة الأساليب الحديثة فى عملية إنقاذ الفرد من أزمات القلب وتوابعها ، وكيفية العمل على حماية البشر بمزيد من البحث العلمى التطبيقى فى مواجهة المتاعب.



تأملت صورة عبد الناصر وأخذ خيالى يربط بين ما نعيشه من وقائع وبين حالة الترهل التى بدأت من بعد انتصار أكتوبر 1973 ومحاولة الخروج منها منذ يناير 2011. وبدت لى خريطة مصر وهى تصنع إنقاذا لنفسها بنفسها فتستعيد خطوات أحلام قديمة وتغسل عن واقعها ما علق بسطحها من شوائب . وعندما ظن المتأسلمون أنهم قادرون على استئصال المصريين من خريطتهم لتلحق بالإمبراطورية الأردوغانية تحت اسم الإسلام، فوجئ الكون كله بأن مصر ألقت بالتأسلم من حالق. وتقدم الجيش الذى خرجت منه ثورة يوليو 1952 ليحمى جوهر الثورة، فهو جيش هضم كيفة الانتصار عل هزيمة يونيو 1967، وأهدانا تاريخا لم نعرف كيف نصونه وأعنى به انتصار أكتوبر 1973؛ وما إن شعر هذا الجيش بحجم آلام المصريين الذين خرجوا فى يناير وفى ويونيو، حتى تقدم ليحمى الخريطة وسكانها، وكأن هذا الجيش كان طبيب رعاية حرجة شاء أن يحمى المصريين من التشرذم والتآكل.

أيقنت بخيالى أن الضمير الوطنى لا يكف عن محاولة نقل خبرة الطب إلى دنيا صيانة الوجود على هذه الخريطة, وكثيرا ما تساءلت ما الذى يحول أستاذا جامعيا من حلم العيادة المزدحمة وزيارة صباحية لقصر العينى ؛ يلقى فى ساعة منها بفتات ما تعلم للعقول الشابة التى مازالت تدرس، ثم يغادر قصر العينى إلى جولة المستشفيات التى يرعى فيها بعض المرضى ، وليذهب من بعد ذلك لعيادته ليعمل حتى بعد منتصف الليل وليعود لأسرته ؟ ما الذى يدفع شابا عرضت عليه الجامعة التى كان مبعوثا إليها بالولايات المتحدة البقاء، فيعتذر ويعود للقاهرة وليؤسس وحدة علمية بقصر العينى ؛ ويعمل بها لمدة ثلاثين عاما، كان يفتح أبوابها فى الثامنة صباحا ويظل يعالج ويعلم الطلبة حتى الخامسة مساء، حتى تخرج من تحت يديه عشرات الأساتذة؛ وصار هذا الفرع الخارج من طب أمراض الباطنة ، علما له أساتذة فى أنحاء جامعات مصر والشرق الأوسط. ولم يكن هذا العلم على خريطة الدراسة بأى كلية طب عربية قبل أن يؤسسه شريف مختار بطب القاهرة.

أعلم أنه أحب فى جمال عبد الناصر تلك الثقة المتناهية فى الطاقة المصرية، وكيف أنها استطاعت الخروج من أنياب إمبراطوريات استعمارية ؛ ولكن إفتقاد روح الفريق افقدها التوازن لأكثر من مرة، والمثال على ذلك أن مصر حين فقدت روح الفريق لم تحقق أى تقدم فعلى فى مفاوضات جلاء الإنجليز عن مصر إلى أن امتلكت روح الفريق عبر 23 يوليو فخرج الإنجليز . وحين توحدت مصر بكامل أهلها لم تستطع ثلاثة جيوش هزيمتها عام 1956، وعندما ترهلت روح الفريق وغرق رجال القمة بين عواصف الصراع على المناصب والغرق فى تخمة الشعارات دون إتقان للمهام لذلك كانت هزيمة 1967، وعندما أهدى المصريون جيشهم مليون شاب متعلم ، وكان للجيش قيادة محترفة درست على سبيل المثال كمية النيران اللازم إطلاقها فوق خط بارليف فتستهلك الأوكسجين من الهواء فيسقط كل من يوجد فى تلك المواقع إما قتيلا وإما مصابا.

وهذا الجيش الذى لم تسمح قيادته بالترهل عبر سنوات ما بعد 1973، على الرغم من أن الترهل قد أصاب القمة الاجتماعية أصحاب نظرية بناء كعكة من عسل فى يد طبقة ثرية ، فيتساقط العسل على بقية أبناء المجتمع ، ولكن الكعكة الملعونة لم تسقط على الجموع إلا تعاسة العجز نتيجة لتجمع الثروة فى يد تلك القلة ، وقد جمعوها بأساليب رأينا رذاذا منها فى ملايين العملات فى قضايا الرشوة الأخيرة ، وطبعا سبقها مليارات مهربة للخارج لم نستطع حتى كتابة هذه السطور أن نستردها ولم نؤسس كيفية العدالة الانتقالية التى تعيد لنا ما تم نهبه ، فإذا كان هناك نهب تأسس على قوانين فلابد أن يوجد استرداد مؤسس أيضا على قوانين، فالقانون كفكرة موجود لحماية حقوق الحياة ،

عن نفسى أقرر أنى أشعر بالأمل أرى جهاز الخدمة الوطنية وهو يقوم بكل إجراءات الرعاية الحرجة لهذا المجتمع عبر الإشراف على المشاريع ،فالانضباط يكون سيد الموقف والمثال البسيط هو «تشطيب» الشقق التى يتم بناؤها ، فيكون التشطيب مطابقا للمواصفات عكس الشقق التى تتولى الشركات الخاصة أو العامة التى لاتعمل تحت إشراف جهاز الخدمة الوطنية ، فكأن جيش مصر يهدينا بضعة أساليب إدارية لا تسمح بالترهل ، وأحلم أن يمتد أثر ذلك الجهاز إلى الصناعات التاريخية المترهلة حاليا مثل الغزل والنسيج، فلابد أن تتحسن الحياة ، وإذا كان تحسين ظروف الحياة بإنتاج موثوق به تحت توجيه وإشراف جهاز الخدمة الوطنية ، فما الذى يمنعنا ؟.

وطبعا سنسمع من يقول «أنت تريد عسكرة المجتمع» فأرد قائلا : شريف مختار كطبيب أسس علما صارت مهمته إنقاذ الحياة قام بهضم الجدية العسكرية فصار مركزه بكلية الطب ينافس أرقى مستويات الخدمة فى أى موقع آخر سواء أكان مستشفى خاصا أم عاما . ونفس العسكرة موجودة بمستشفى سرطان الأطفال وموجوة فى مركز مجدى يعقوب بأسوان وموجودة فيما أسسه الرائع . وإذا ما فهم السذج أن الجدية هى العسكرة فعموم المصريين يرحبون بالعسكرة التى تنجز ، بدلا من الترهل الذى يدعى المدنية .

إن أيامنا التى نحياها بعد تخفيض الجنيه وضعتنا جميعا فى حالة احتياج للجدية وضرورة صيانة وجودنا بجدية العمل على رعاية المجتمع بكامله بنفس أساليب علم الرعاية الحرجة ، حيث يكون التوقيت إنجازا وتكون الصحة المستعادة بإشراق هى حقا طبيعيا .

وقبل أن أغادر مكتب شريف مختار رفعت عيونى للساعة التى على صورة جمال عبد الناصر ، لأهمس له فى خيالى «كنت سيدا مهابا وقادرا على الإنجاز ، وعندما أرادوا أن يكسروك كان هناك شعب يهدى جيشه مليون شاب غزلوا انتصارا لم يصنعه البعض فجاء الترهل ، وعندما تحرك الجموع رفضا للترهل والنهب كان الجيش فى الحادى عشر من فبراير كان هو الحامى ، كما كان هو الحامى فى الثلاثين من يونيو ، وأما عشاق الرغى والثرثرة ، فالجدية المبصرة موجودة عند أهل الإيمان بقيمة الوطن ، مدنيين كانوا أم عسكريين».

لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: